الانحياز إلى “لماذا”

التمثيلات المجردة، الدساتير الصغيرة “الأنظمة الداخلية”، السياسات التحريرية، وجودها في أي مؤسسة علامةٌ على نضج المشروع ووضوح فكرته في أذهان النواة الصلبة. ولأن المضمون يُوجِد شكلَه، صاغت (جيرون) سياسةً تحريريةً وفيّة لقِيم مركز (حرمون)، في غرس التنوير، وتكريس ثقافة الحوار بين السوريين، والعمل على التطوير الإعلامي.

تعذّر علينا -خلال الفترة الماضية من عمل الشبكة- تطبيقُ إدارة الجودة الشاملة (لأسباب موضوعية في طريقها إلى التلاشي)، في جميع منتجاتها، لكننا بالمقابل، اقتربنا من النجاح كثيرًا، ونحن نصنع قوالب “تنزيل” السياسات والاستراتيجيات والأهداف إلى منتجات حرفية، تتمتع بمعايير الجودة.

ميزة المشاريع الكبيرة، المثقلة بطموحات إحداث تغييرات حقيقية في محيطها، أنّ حركتها بطيئة، لكنها ثابتة. غرسها يعمّر ويدوم. مردّ البطء موضوعي يتعلق بالدورة الطبيعية للنمو والنضج، ويتعلق في بعض الأحيان بِسمات شرائح الجمهور المستهدف. شرائح تحتاج إلى بحبوحة من وقت، لتنسج علاقة ثقة جديدة بالإعلام السوري الذي فقد أركانه في عهد الأسدين.

(جيرون) لا تتمثل (المرسل-المستقبل) فحسب؛ هي سيّالة مزدوجة، لا تغفل عن رجع الصدى. ونحن في (جيرون) نرقب بحذر تفاعلات شرائح الجمهور، نعتني قبلًا وأولًا بجودة المحتوى وبأساليب عرضه، من دون أن يغيب عن الاهتمام ترتيبنا في “اليكسا”، الذي نعمل على أن نكون فيه قريبًا ضمن خانة من أربعة أرقام.

تكرس (جيرون) ثقافةَ الابتعاد عن الارتجال في العمل. نجحَت في تكريس النواظم والضوابط ومعايير المهنة. وتعمل كوادرها على أن يكون شكلُ المنتج مطابقًا للمواصفات ومعايير الجودة. وفي المحتوى الذي يشغل بال الجميع نستهدف أن نكون مقدمي خدمة، أبعد ما يكونون عن سعاة البريد، ننظر الى الخبر بوصفه حدثًا ذا دلالات، تتعدى الإجابة عن الأسئلة.

لا ندعي “البراءة” من أجندة السياسة؛ فالإعلام هادف لا عبثي كنشاط الرياح، ولا نسوّق لـ “حيادية الإعلام” التي يزعم وجودَها المتطفلون على المهنة؛ تحتفي (جيرون) بالتنوع، فالاختلاف سمة المجتمعات الحية. وتبتعد عن التحريض، وتعدّه فعلًا مجانيًّا يشي بقلة حيلة مهنية.

حق (جيرون) أن تُظهر بؤر الجمال الإنساني حيث وجدت، على امتداد الجغرافيا السورية التي امتلأت بالتجاعيد. وحقها أيضًا في أن تقدم صناعة الديمقراطية على الربحية، والعائد على الاستثمار، كما أنّ من حق مؤسسات إعلامية دولية راسخة في المهنة أن توجه أسئلة إنسانية، من قبيل: “هل تنام؟ وألم تتعب”. إلى مجرم بحجم بشار الأسد.

الإعلام السوري، بنسختيه “النظامية” والثورية، أوغل كثيرًا في الخبر، وجعله المحتوى الوحيد تقريبًا للمواقع الإلكترونية السورية، لم يتوغل بالمسافة نفسها تجاه شرح القضية، وكشف دوافعها ومآلاتها. اكتفى بـ “ماذا، متى، أين”، لم يشتغل على “لماذا” إلا قليلًا قليلًا، الخلل الذي تداركته (جيرون)، ليقينها بأن ثمة “تخمة خبرية” في السوق، وأن السوري، في سعيه لمعرفة ما يجري في محيطه (الخبر)، لا يستغني عن الخلاصات ﻭﺍلاﺴﺘﻨﺘﺎﺠﺎﺕ ﻟﺩﻻﻻﺕ الحدث ومغزاه، لا يمكن إدراك العلائق بين الأحداث دون وعي يمنح القضايا معانيها. و”لماذا” لا غنى عنها ها هنا؟

(جيرون) وسّعت مظلة نشر “لماذا”. اهتمت بها، وأغنت أبوابها الكثيرة بالتحليلات ومقالات الرأي، وساعدها في ذلك كثيرًا كوكبةٌ من الأقلام السورية والعربية التي تكتب الجديدَ على الدوام. وما كان للسوري أن يتعرّف عليها بهذا القرب؛ لولا أنها آثرت الانضمام إلى مشروع التنوير.

الطموح اللامحدود في (جيرون) “سورية التي تشبهنا”، لتكريس حالة إعلامية مغايرة، محترفة، كفؤة، ذات حمولات ديمقراطية، يمدنا بما يلزم من الطاقة، ليتصدر نجاح المشروع قائمةَ همومنا واهتماماتنا. النجاح الذي نرى ملامحه ها هناك كامنة في عمق الإصرار.