الصحافة الخضراء

في ظل هذه المأساة السورية التي يُقتل فيها أبطالُها، واحدًا تلو الآخر، وتعلو أصوات جوقتها التراجيدية، نادبة أو ساخطة أو منددة؛ أتت شبكة (جيرون)، لا لتصب النفط على النار أو لتوزع الأسلحة على المحاربين، وتصبح بطلًا ملحميًا جديدًا يؤجج الصراع والصراخ في وجه الكون، ثم ينثر الحنوط على جثث القتلى والبيوت المدمرة، ولا لتكون مجرد كفن أزرق يغطي أجساد الضحايا، أو مجرفة تهيل التراب على العظم واللحم الحي، ولا لتكون فائض قيمة إعلامي وإعلاني وأخلاقي، أو واحدة من دكاكين الرأي والرأي الآخر، تنافس الآخرين لتجد لها مكانًا في هذا الفضاء المزدحم بدكاكين الصخب! بل أتت (جيرون) لتبني ولتضمد الجراح، ولكي تكون همسة في وجه الغضب، وحكمة في وجه الرعونة والجنون.

 

كان الإعلام، وما زال -وبخاصة المرئي منه- ألدّ أعداء الثورة السورية وأخبث خصومها. فمنذ البداية عمل جاهدًا على حرف مسارها وتشويه أهدافها، عن طريق التلفيق والكذب وتزييف الحقائق وطمس بعضها، وتهميش القوى الحية فيها، وتعويم المتربصين بها (أمثال العرعور والجولاني والمحيسني)، ومن هبّ ودبّ من زعماء وقادة الفصائل الطائفية الذين لم يكونوا -يومًا- جزءًا من الثورة وطموحاتها، بل جزءًا من الثورة المضادة وعملائها. وقد تكاتفت جميع القنوات الفضائية –دون استثناء- العربية والأجنبية، الموالية وحتى المعارضة، في التحريض وتأجيج الصراع الطائفي والمذهبي والعرقي، تحت شعار نبذ الطائفية والإرهاب، ونجحت -بما تملكه من تأثير على صياغة الرأي العام- في تشويه جوهر الثورة السلمي، الوطني والديمقراطي، المتمثل في إسقاط الاستبداد؛ والمطالبة بالحرية والكرامة، وبناء دولة حديثة وعقد اجتماعي متحضر.

وفي حالة من الإحباط الشديد لدى السوريين، وفي حالة من التحسر على ما آلت إليه ثورتهم المغدورة، جاءت صحيفة (جيرون) لتبعث الروح -من جديد- في جوهر القضية، وتزيح الغبار عنه، من خلال إيمانها القوي به، وبقدرات هذا الشعب، على الاستمرار وتصحيح المسار والنصر في نهاية المطاف. فجوهر الثورة لا يمكن سحقه تحت جنازير الدبابات أو براميل الموت وقاذفات السوخوي، لأنه  محفور -عميقًا- في عقول وصدور السوريين.

كثيرون انتقدوا شعار (جيرون): “سورية التي تشبهنا”، ظنًا منهم أن هذا التشابه جاء صدفة، أو أنه سيكون سهلًا، أو مجرد شعار! لأولئك نقول:

إن وجه الشبه ليس نكرة أو مبنيًا للمجهول! وأنتم تعرفون ذلك جيدًا. كما أن كتّاب (جيرون) والقائمين عليها ليسوا مغمورين ولا يحتاجون إلى هوية أو شهادة ميلاد أو حسن سلوك! وأفكارهم لا تحتاج إلى فحص الـ “دي أن إي” أو للمصادقة عليها من قِبلكم! وكأن لسان حالكم يقول لنا: “من أنتم” كي تتشبهوا بسورية أو تتحدثوا باسمها! تعالوا نتفق –أولًا- على وجه الشبه الذي يربطكم بسورية!

منذ سنة وحتى الآن، وأنتم تبحثون! كُتبتْ مئات مقالات الرأي وآلاف التحقيقات والأخبار واللقاءات والهموم الثقافية والصور والكاريكاتير، وما زلتم تبحثون عن هوية (جيرون)! علمًا أن (جيرون) أعلنت عن هويتها منذ أول يوم، وما زالت تُعلن كل يوم، من خلال الأفعال لا الأقوال.

لقد حلمنا بصحافة وطنية حرة، خضراء لا صفراء، مهنية مسؤولة تعددية، ترتقي إلى مستوى التضحيات التي قدمها السوريون جميعًا، بعيدًا عن الطائفية والفئوية والحزبية والصراعات الجانبية المفتعلة، وقد نجحنا في ذلك. وكان همنا هو الصدقية والشفافية والعمق وبث الأمل، دون بيع للأوهام والمفاجآت، ونجحنا في ذلك أيضًا. وعلى الرغم من ضعف الإمكانات المادية، تمكنا من الاستمرار والتقدم، بفضل عدد كبير من الكتّاب الذين وقفوا معنا، وتبرعوا بالكتابة دون مقابل، أو لقاء مكافأة رمزية، مع أن ما كتبوه ويكتبونه لا يقدر بثمن. الثقافة عندنا ليست “بروظة” أو ذيلًا أو ملحقًا بالسياسة أو جزءًا منها، كما هي الحال في الصحف الحزبية والربحية والتابعة، بل كانت -وستبقى- ركنًا محترمًا وأصيلًا من أركان صحيفتنا. والأهم من ذلك كله أن شبكة (جيرون) أرادت -واستطاعت- أن تتحول إلى مؤسسة (بكل ما لهذا المفهوم من معنى ودلالة)، وكم نحن بحاجة إلى تكريس عقلية المؤسسات في حياتنا. إنها تدار بقوانين واضحة ومبادئ أساسية وطنية ومهنية، متفق عليها، لا مكان فيها للبيروقراطية أو الارتجال أو التسلط أو الارتهان لحزب أو مدير أو مالك أو ممول.. العاملون فيها فريق واحد محترم، متكاتف، وشفاف، عدده أقل بكثير من الجهد المبذول في استقبال المواد وقراءتها والرد عليها وتحريرها وتصنيفها ونشرها.

الذي يتزايد ويتضخم لدينا، كل يوم، هو عدد الكتّاب والقرّاء فقط.

تحيّة لـ (جيرون) في عيدها الأول، والتحية للعاملين فيها والقائمين عليها، وأجمل التحيات –طبعًا- لكتّاب (جيرون) وقرّائها المحترمين.