بصراحة وحرص!

لم تعد الغمغمة موقفًا، والمسايرة خيارًا؛ فقد بلغ السيل الزبى، بأسوأ معاني الكلمة، وصار من الضروري فتح صفحة المصارحة قبل أن يغرق -أو كي لا يغرق- الشعب السوري، في مياهه الجارفة.

في الوقائع

تبدو بلادنا اليوم منقسمة بين كيانين سياسيين/ عسكريين: أحدهما روسي/ أسدي، تقول وقائع أعوام الثورة إن الكرملين لن يتراجع عن فرضه علينا بقوته المفرطة. والآخر أميركي/ كردي، ترعى واشنطن تخلّقه الجغرافي والعسكري/ السياسي، وتبدو مصممة على جعله كيانًا قائمًا بذاته، مستقلًا ذاتيًا أو حتى دوليًا في سورية الجديدة. وبين هذَين الكيانين، ثمّة مناطق صراع، يُقال إن واشنطن أعطت روسيا الحق في تحديد مصيرها، بالتعاون معها، وهو ما لا أُقرّه أو أوافق عليه، بالرغم من اعتقادي بوجود تفاهمات بين الدولتين العظميين، تتصل بضبط الصراع السوري والتحكم بتفاعلاته وأطرافه، كي لا ينعكس سلبًا على علاقاتهما ومصالحهما، أكثر مما تتصل بتفويض روسيا بإيجاد حلول نهائية له.

هذا التطور أخذ يذهب في منحًى يهمش إيران وتركيا، وهما الدولتان الإقليميتان المنخرطتان بقوة في الصراع على سورية وداخلها، إذ بينما تخلت روسيا عن دور إيران في التسوية الخاصة بخفض التصعيد في المناطق الجنوبية، التي توصلت إليها مع أميركا والأردن، أعلنت واشنطن بدورها معارضتها الصريحة لخطط تركيا في الشمال السوري، حيث تتطلع أنقرة إلى توسيع وجودها العسكري سبيلًا إلى تكبير تأثيرها السياسي في الأحداث وتقاسم النفوذ والمصالح، ووضع خطوط حمراء للأنشطة والمشاريع الأميركية الخاصة بالكرد، وإن أمكن: منع انفراد الدولتين الكبيرتين بتحديد صورة سورية النهائية، التي يبدو أن أنقرة تتوجس منها، وترى فيها تعارضًا خطيرًا مع مصالحها ووحدتها وأمنها دولةً ومجتمعًا.

بالموقف الروسي من إيران في الجنوب، والأميركي من تركيا في الشمال، تبدأ مرحلة من مفرداتها تقليص وجود إيران وتركيا ونفوذهما في كل مكان يتعارضان فيه مع مصالح وخطط الدولتين داخل الرقعة السورية، الجغرافيّة والعسكرية والسياسية، مع ما سيترتب على هذا الجديد لاحقًا من تبدّل مُرجّح في علاقاتهما مع حلفاء طهران وإسطنبول السوريين والخليجيين، الذين تعرض دورهم خلال العام الماضي لتهميش متزايد، وسيمعن الطرفان الروسي والأميركي في المزيد من تهميشه، في حال حافظت أطرافه السورية والخليجية على نمط علاقاتها الراهنة مع العاصمتين الإقليميتين اللتين ستحاولان من جانبهما، وقدر استطاعتهما، الانفكاكَ عن سياسات موسكو وواشنطن، وستعرقلان تفاهمَهما على تسوية لا تضمن مصالحهما، لتعارضها معها، ولهما أسوة في الدور الذي مارسته إيران ضد السياسات الروسية في حلب ووادي بردى، بينما يبدو أن الدولتين الكبيرتين لن توافقا على استمرار دوريهما الحاليين، المرتكزين على رهانات وأهداف لن تقبلها العاصمتان المقررتان، في حال قررتا تعزيز تقاربهما حول التسوية، ثم الحل. أما دور إيران في حلب ووادي بردى، فهو لن يتكرر، لأن تفاهم العملاقين سيضع حدًا لقدرة طهران على التصرف ضدهما، إن كانت تريد ألا تخرج من سورية صفر اليدين.

بالتسوية في الجنوب السوري، رجحت كفة الأمن الإسرائيلي في سياسات روسيا وأميركا، على مطالب التوسع الإيرانية. فهل ستخرج التسوية “إسرائيل” من الصراع السوري، أم أنها مجرد تعبير عن توافق الدولتين على تقليص دور طهران، اليوم هنا، وغدًا في أي موقع تتعارض مصالحهما فيه مع مصالحها ووجود عسكرها ومرتزقتها، من “حزب الله” إلى غيره من تنظيمات الإرهاب الأصولي/ التكفيري الشيعي، التي أتت طهران بها إلى سورية لنجدة نظام الأسد “العلماني” الطائفي. بتسوية الجنوب وقع أمران:

تبنت الدولتان الكبيرتان نهجًا يضع حدودًا وخطوطَ فصل بين إيران و”إسرائيل” في سورية، تلغي التماس المباشر بينهما، فهل سيتم شيء مماثل في لبنان، لإلغاء التماس بين “إسرائيل” و”حزب الله” هناك أيضًا؟ وما الشكل الذي سيأخذه الإلغاء هناك، وهل سيكون ضربة عسكرية كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة إسرائيليًا؟ أعتقد أننا ندخل في منطق تطور كهذا، وأن ضربة إسرائيلية لـ “حزب الله” أصبحت مسألة مفتوحة، ولن تكون مستبعدة من الآن فصاعدًا، في ظل غطاء أميركي وتفهم روسي. ما تأثير خطوط الفصل، أي الخطوط الحمراء التي لا يجوز لإيران ومرتزقتها الاقتراب منها أو تجاوزها، والمحروسة أميركيا وروسيا، على وجود طهران العسكري/ السياسي في بلادنا، وهل يمكن تجاهل حقيقة أن الدولة التي اعتبرت سورية محافظتها الخامسة والثلاثين تمنع اليوم من دخول مناطق منها، يرجح أن تكون قابلة للتزايد والتوسع غدًا؟ وماذا سيكون مصير معسكر “المقاومة والممانعة”: أسيستمر في الوجود أم سيتلاشى واقعيًا، على الرغم من الحديث اللفظي الدائم عنه، على طريقة النظام الأسدي في تعامله مع الجولان؟ وإلى أي حد سيحافظ هذا المعسكر على صدقيته وديماغوجيته؟ أخيرًا، هل التسوية في الجنوب محاولة لقطع الطريق على انخراط عسكري إسرائيلي واسع في الصراع السوري، يبدل حسابات الدولتين علاقات القوى بين جميع أطراف الصراع، ويمنع بالقوة ما تريده طهران وترفضه واشنطن: إقامة خط إمداد إيراني إلى سورية ولبنان؟ وماذا بعد التفاهم الأميركي/ الروسي في الجنوب على الخط الأحمر الذي حدده لإيران، هل ستعيد النظر في سياساتها السورية والعربية، وتبدأ بالانكفاء على ذاتها، مقابل علاقات دولية عادية مع سورية والعراق، أم ستركب رأسها وتصعد، ضد روسيا والنظام الأسدي وواشنطن في آن معًا؟ مهما تكن ردة فعلها، ستعتبر إيران ما جرى تفاهما لصالح “إسرائيل”، يستهدف دورها السوري بصفته حلقة وصل وفصل بينها وبين “حزب الله”، استقوت فيه روسيا بأميركا، يتطلب التكيف معه مراجعة حساباتها في منطقة لم تعد ساحة ينفرد حرسها الثوري ومرتزقتها باحتلالها واحتوائها، ستكون بدءًا من اتفاق الجنوب، ساحة تخضع هي فيها لتفاهم الدولتين الكبيرتين، الذي يؤكد عدم تمسك روسيا بدورها، وانعدام رغبتها في الدفاع عنها ضد واشنطن التي تعلن جهارًا نهارًا أنها تريد تفاهمًا مع روسيا يخرجها من سورية، يمكن أن يُترجم إلى قرار من مجلس الأمن بإخراج القوى الأجنبية منها. بهذا المعنى، التفاهم على الجنوب خطوة تُقلق طهران كثيرًا، لذلك تحاول إحباطها بالقوة، في القنيطرة وحماد شرق السويداء، علمًا بأن إخراجها من سورية هدف روسي ترحب به واشنطن، وتتمنى ما يماثله في العراق أيضًا، حيث بدأ عسكر أميركا العمل لاحتوائه استراتيجيًا من جديد، ويبني قاعدة تساعده على تحقيق هدفه عبر الشمال السوري والموصل، ومن المؤكد بالنسبة لتركيا أن لعلاقات واشنطن مع الكرد صلةً بهذا المسعى الأميركي الذي يقلق أنقرة، لأسباب أهمها أن بقاء أميركا في المنطقة يشجع الكرد على تنظيم أنفسهم وتنفيذ مشاريعهم، ويقيد حركة أنقرة حيالهم، ويقوض قدرتها على إبقاء قضيتهم مسألة سيادية داخلية، لا شأن للخارج بها، ويجبرها على التخلي عن طرق تعاملها الراهنة معهم، التي ستكون عاجزة عن مواجهة الحماية الأميركية لقضيتهم، وعن صيانة أمنها الوطني من خلال هذه الطرق التي ستنتهي فاعليتها، بسبب التطورات الانقلابية في علاقات مكونات المنطقة بدولها، ليس فقط داخل سورية، وإنما خارجها أيضًا؟.

بعد (داعش) التي ستتخلى من الآن فصاعدًا عن نهج الدولة، القائم أساسًا على تكريس جهودها للسيطرة على داخلها، وستتبنى نهج القاعدة الموجه بكامله إلى عملياتها الخارجية، وبعد التفاهم على الجنوب؛ سينصرف اهتمام الدولتين الكبيرتين إلى أولوية جديدة هي: تطويع إيران وتركيا وإجبارهما على التكيف مع تفاهماتهما، والتخلي عن دورَيهما السوريين الحاليين، فلا تعود إيران طرفًا مُقررًا أو مُشاركًا من موقع الندية في تقرير الشؤون السورية، على جبهة النظام بصورة خاصة، ولا تعود تركيا طرفًا مقررًا على جبهة الائتلاف والفصائل المرتبطة بها، بينما يزدحم الشمال أكثر فأكثر بعسكر أميركا و (ب ي د) وإيران وبعض شتات العرب، ويبرز يوميًا ميلُ أميركا المتعاظم إلى بناء تحالف مديد مع (ب ي د)، حمال أوجه تثير خشية أنقرة من أن يشمل كردها، فتجد نفسها أمام تحد خطير تنتجه تحولات تمر بها علاقاتها التقليدية مع الغرب، تبدل وظائفها ومواقعها وهي معزولة وضعيفة؛ مما سيثلم قدرتها على بلوغ تسوية سياسية منفردة ومقبولة مع “حزب العمال الكردستاني”، أو على ضرب مشروعه بالقوة، في ظل افتقارها إلى غطاء دولي، يحظى هو به.

لن ينجح تفاهم العملاقين إن هو اكتفى بتهميش أدوار وحضور إيران وتركيا في سورية، ولا بد أن يشمل أيضًا بلدان الخليج، الغارقة في حرب لا نهاية لها في اليمن، وفي خلافات تهدد أمنها وتقوض وحدتها، بينما تتناقص مواردها، وتتعاظم الهوة بين حكامها ومواطنيها، وينتشر التطرف فيها، وتتعثر مشاريع إصلاحها. بتغير أو تراجع الدور التركي ستتغير وتتراجع أدوار حلفائه، وستتعرض لتقييد جدي في جنوب سورية، لتعارضها من الآن فصاعدًا مع مصالح الأردن ودوره النشط ضد إيران ومرتزقتها اللبنانيين والعراقيين، ومع نجاح واستقرار المنطقة منخفضة التصعيد، ولأن الخليج التزم دومًا بخيارات واشنطن.

إذا كانت المعارضة لا تمتلك علاقات طبيعية أو فاعلة مع روسيا وأميركا، وكانت حليفتها، تركيا، تواجه خطوطًا حمراء أميركية تفرض عليها مراجعة مواقفها وهي تتراجع أمام ضغوط خارجية تطال نفوذها وأهدافها السورية، يرجح أن تصحبها ضغوط داخلية تفرض عليها مراجعة جدية لسياساتها الوطنية، وإذا كان هناك كيانان دوليان/ محليان يتخلقان ويتعززان منذ نيف وعام دون أن يكون للائتلاف أي تأثير عليهما أو علاقة مع أي منهما، على الرغم من أن نتائج الصراع على سورية يرجح أن تتقرر بدلالتهما ولصالحهما، والصراع السوري العام قد ينتهي من خلال تسوية تعقد بينهما، تترجم من ضمن تسوية دولية عامة بين واشنطن وموسكو، وإذا كانت المعارضة عامة والائتلاف خاصة لا تحتل أي موقع، ولا تلعب أي دور، وتستكين لوجودها في حالة فراغ وظيفي، سياسي وعسكري، أنتجتها تطورات لم تبذل أي جهد منظم لاستباقها أو أخذها في حسبانها، وكانت قد غرقت في سياسات غيبتها عن المجتمع السوري وقواه المجتمعية والفاعلة، ماذا عليها أن تفعل، قبل أن يحدث على المستوى السوري ما تم في درعا أو شيء شبيه به، في غيابها ودون الالتفات إليها أو الاهتمام برأيها، على غرار ما حدث في أستانا أربعة والتفاهم على الجنوب؟. ماذا يجب على المعارضة والائتلاف أن تفعل كي تحتل حيزًا ما من ساحةٍ تعاد هيكلتها منذ عام، في ضوء وجود ومصالح الكيانين اللذين تغيب تمامًا عنهما، وليس بينها وبينهما غير ضروب من العداء تسهم في عزلها، وتجعل من السهل تمريرهما كمشروعين ينتقلان تحت أعيننا ويوميًا، من طور الكمون والاحتمال إلى طور التحقق والواقع، مع ما يفضي إليه ذلك من تراجع في مكانتها، جعل أطراف أستانا الثلاثة: روسيا وتركيا وإيران، لا يقيمون وزنًا لمشاركتها وموافقتها على أي من الخطط التي طرحوها، وسارعوا إلى إقرارها دون الاكتراث بها أو طلب موافقتها، بينما تقرر روسيا وأميركا التفاهم على تسوية في الجنوب، دون العودة إلى من هما أعظم أهمية ودورًا بما لا يقاس من الائتلاف: عنيت تركيا وإيران؟. أليست هذه علامات زمن جديد يجب التوقف عنده، والتحسب له بأقصى قدر من الجدية والمسؤولية، بما أن كل مفردة من مفرداته يجب أن ترغم الائتلاف على إعادة النظر في مواقفه، للتكيف، وإن متأخرًا، مع ما يجري، والحد من مخاطر تبقي الشعب السوري خارج أي حل، تكمن في ألاعيب الخارج، وفي عجز الائتلاف أيضًا عن إدراكها وفهم الجديد الذي يجري في الواقع على حقيقته، وإحجامه عن القيام بما يتطلبه إحباط تطورات لم تعد تتعلق بتسوية مجحفة تبقي على الأسد ونظامه، بل تتخطى ذلك، على فظاعته، إلى احتمال زوال سورية دولة ومجتمعًا، وسلب مواطنها الحق في أن يكون له بيت ووطن، وفي أن ينتمي إلى شعب؟ من غير الجائز، من تفاهم الجنوب فصاعدًا، بقاء الائتلاف في موقع الفراغ والشلل الذي يبدو حريصًا عليه، لأنه يضيع بذلك حقوق الشعب السوري، بل يضيع الشعب السوري ذاته.

الخيارات

ما الخيارات التي يتيحها هذا الوضع المتحرك جدًا والشديد التعقيد؟ أعتقد أن أول خيارات المعارضة يجب أن يتجه نحو خروجها القطعي والنهائي، من حال فكرية تملي عليها وعيها (بالأصح لا وعيها) السياسي، تزين لها التمسك بأهداف تغلق بيديها سبل تحقيقها، لكونها لم تفكر يومًا ببلورة التوسطات اللازمة لنيل السوريين مبتغاهم، علمًا بأن بلورة ومعرفة هذه التوسطات التي يتوقف عليها تحقيق الهدف مرحلة بعد أخرى وبخطوات متتابعة ومتجانسة، هي روح ما يسمى: السياسة. بفصل أهداف الثورة عن سبل بلوغها المتنوعة التي تقوم عادة على احتمالات متضاربة إلى أبعد حد، وقع التخلي عن السياسة، بوصفها فن تطويع الضرورات وتحويل الممكنات متباينة التوجهات إلى وقائع تتفق وأهداف الثوار، ونشأت غربة متزايدة عن واقع سياسي ما فتئت تشابكاته وتعقيداته تتفاقم مع عجز المعارضة عن إيجاد حلول لما طرحه عليها من مشكلات وتحديات، من جهة، وغرقها في اليأس والإحباط الذي عزز عيوبها، وأمعن في تغييب الواقع واحتمالاته عن أعينها ووعيها، فلا عجب إن ساورها الشك في أي طرف اختلفت وجهات نظره أدنى اختلاف مع مسبقاتها وآرائها، وميلها إلى اتهام الآخرين بخيانة “القضية”، من جهة أخرى. في السياسة العقلانية، يتمسك المرء بأهدافه بكل صلابة، ويعمل، في الوقت نفسه، بأقصى مرونة ممكنة لشق دروبه إليه، بكل ما فيها من التواءات وانحناءات، تقدمات وتراجعات، قفزات وكبوات، ويُكيّف ما يتبناه الغير من مواقف وآراء مع مواقفه وآرائه. أما الرفض الدائم والمسبق لما يتعارض مع ما يريده، دون اقتراح بدائل له، فهو السبيل إلى الفشل والتهتك الداخلي وتبديد القوى، والتخبط العشوائي والارتجال، الذي يزيد الفاشل فشلًا على فشل.

لا بد من مبارحة عقلية تتوهم أنه يكفي لتحقيق الهدف تكرار المطالبة به، وتحويله إلى مسألة لفظية تفقده موقعه كقضية تتقاطع فيها جوانب وتشابكات وطنية أعلى قيمة وأهمية بالنسبة إلى شعب ثائر من أي شيء عداها، تتعين جدوى أي موقف مهما كان بدلالتها، لذلك، لا يحق لأحد التلاعب بها، وكأنها قضية بين قضايا عديدة، لا ضير في أن تنقلب إلى مسألة لفظية ينال القائلون بها براءة ذمة من دمها، بقدر ما يجرون ذكرها على ألسنتهم، ويتشددون في المطالبة بها، ويجعلونها هدفهم التكتيكي المباشر، الذي لا بد أن يتحقق في خطوتهم التالية، وإن لم توجد أو تكتمل ممهداته ومستلزماته، أو يكون قد تم حتى التفكير في سبل بلوغه وأشكال ممارستها.

ما الخيارات التي يتيحها الوضع الراهن؟ إنها في اعتقادي:

بعد دخول القضية السورية إلى حقبة سياسية، ستربطها من الآن فصاعدًا بالمناطق المخفضة التصعيد، من الضروري تركيز جهودنا على انتخاب مجالس مدنية تتولى شؤونها، ينتمي أعضاؤها إلى أوساط وطنية/ ديمقراطية واتجاهات معتدلة، يتم اختيارهم في إطار خطة وطنية يضعها الائتلاف بالتعاون مع الأطراف المعنية من الحراك الوطني والمجتمع المدني في مناطق عيشهم وعملهم، تحدد المعايير المطلوبة لاختيارهم وانتخابهم، وأُسس إنجاح أعمال مجالسهم، التي يجب أن تلتزم حتمًا بالبديل الوطني/ الديمقراطي، وتُعلن تعاونها مع الائتلاف ودعمها له كمؤسسة جامعة، وتقيدها بقراراته، وتتبنى وثيقة جنيف والقرارات الدولية المفسرة لها، في كل ما له علاقة بحل سياسي عادل لشعب سورية، فضلًا عن إصدارها إعلانًا يؤكد بصراحة أن هدفها يكمن في حل يستند إلى تحقيق ما نصت عليه من انتقال ديمقراطي إلى نظام بديل يلبي وحده مطالب ومصالح الشعب والثورة. لا بد أيضًا من اعتراف المجالس بالهيئة العليا، ومن استعانتها بها في التفاوض مع النظام، خلال المرحلة الثانية من عمل المجالس، حين ستكون على تواصل مع النظام، وفق الخطة الأميركية-الروسية- الدولية الخاصة بمستلزمات الحل التمهيدية، التي يجب أن تستهدف منع وقوع المناطق منخفضة التصعيد بين أيدي تنظيمات كتلك التي قوضت الثورة السورية وثلمت شرعيتها، وفرضت على السوريين مشروعًا مناهضًا لمشروعهم الديمقراطي الحر، وأحدثت، بظهورها وبما مارسته من إجرام، تحولًا جديًا في الرأي العام العالمي وسياسات الدول حيال النظام الأسدي، انتقلت معه من المطالبة برحيله إلى إبقائه في السلطة باعتباره الخيار الأقل سوءًا. إذا ما هيمنت تنظيمات “التأسلم” المذهبية على المجالس الجديدة، انتخابيًا أو بالسلاح، كان ذلك نهاية الثورة وانتصار النظام النهائي. كي لا يحدث هذا، تمس حاجتنا إلى خطط وطنية ينتخب لتنفيذها من سيديرون الداخل السوري ديمقراطيًا، أي بنزاهة وفاعلية، وسيضعون خدمة الشعب نصب أعينهم ولا شيء سواها، وسيفاوضون في طور تال على مناطقهم ومستقبل وطنهم ونظامه المنشود شعبيًا. لن تنجز المجالس وظيفتيها هاتين دون تعاون مع الائتلاف، في كل ما يتجاوز الإدارة المحلية المباشرة لشؤون مواطنيها، فهل سيقوم الائتلاف بمهمته هذه، أي: بترتيب الانتخابات بالتفاهم مع المرشحين المحليين الذين يجب أن ينظم علاقاته اليومية معهم، بحيث يتكامل نضالهم مع كل نضال يرتبط باستقلال مناطقهم عن النظام، واندماجها جميعها في جسم سياسي وطني مدعوم شعبيًا، يستطيع مواجهة النظام بما ينتهجه من سياسات ديمقراطية تجاه مواطنيه، ويحظى به من قبول عام لديهم. إذا كان من المحتم مرور الثورة في مرحلة المناطق مخفضة التصعيد، فلتجتزها موحدة، ولتعظم قدر الإمكان فوائدها وتقلص خساراتها، ولتحرص على ألا يتم اقتناص ممثليها في المجالس فرادى، وهم في حال من الفرقة وربما الخلاف والضعف، لن يجني السوريون منها غير الفشل والخذلان، لكونها ستكون شبيهة بحال الائتلاف اليوم، التي سلبته القدرة على إقناع العالم بتطبيق وثيقة جنيف وقراراته التي اتخذها بملء إرادته حول المسألة السورية.

إجراء حسابات دقيقة للمرحلة القادمة وتوحيد مواقف أطراف العمل الوطني حولها، وتبني آراء واضحة تتصل براهنية قضايا، صار مستقبل سورية مرتبطًا بها، هي:

1 – الوصول إلى اتفاق مع المجلس الوطني الكردي حول الحقوق القومية الكردية وهوية الدولة السورية المطلوبة لتنفيذها. وبعد ذلك، فتح حوار مباشر مع واشنطن حول أهدافها الحقيقية بالنسبة إلى المسألة الكردية، وموقفها من وحدة دولة ومجتمع سورية، ومن سعي الطرفين السوريين العربي والكردي إلى تسوية تكفل حقوقهما في الإطار الوطني الجامع، واستعدادها لضمان تعاقد بينهما وللحؤول دون انتهاكه، بالدعوة إلى مشروع إقليمي يتبناه (ب ي د) وحزبه الأم في جبال قنديل، يجعل من الاتفاق السوري العربي-الكردي مجرد خطوة إضافية على طريق كردستان الكبرى، أو بتراجع الطرف العربي عمّا تم التوافق عليه، بعد الحل السياسي وقيام النظام الديمقراطي البديل. من الضروري، في هذا السياق، إجراء حوار وتفاهم مع أميركا، حول نمط الحل المطلوب لسورية وأهدافه، وحول دور الجيش السوري الحر والائتلاف والهيئة العليا في بلوغه، وكذلك حول المقصود بمؤسسات الدولة وكيفية تشكيلها ومهماتها بعد الحل، وما يمكن لها تقديمه من دعم للانتقال الديمقراطي.

2 – فتح حوار مع (ب ي د) حول ما تم الاتفاق عليه مع المجلس الوطني وواشنطن، بشأن نمط الدولة السورية البديلة للأسد، وحقوق الكرد القومية في الإطار السوري، وما سيترتب عليها من نتائج بالنسبة لمكونات الجماعة الوطنية السورية الأخرى، ودور العرب في المناطق ذات الأغلبية الكردية، والكرد في المناطق ذات الأغلبية العربية، وما إذا كان ممكنًا التوصل إلى توافق يؤدي إلى شراكة قتالية عربية-كردية ضد الأسد من جهة، وتطبيع علاقات (ب ي د) مع البيئة العربية السورية عمومًا، ومن يعيش من أفرادها وجماعاتها في المناطق التي يحتلها الآن جيش الكرد، واستعدادها لنزع سلاح “وحدات حماية الشعب” في ظل الحل، واستبدالها بقوات شرطة محلية.

3 – فتح حوار مع موسكو، يضعها أمام ما تم الاتفاق عليه، خاصة في حال تمت بلورة رؤية موحدة للنظام الديمقراطي البديل، وتوافق سياسي وعسكري عربي-كردي، يجعل من الصعب على روسيا وأميركا تجاهله، أو فرض إرادتهما عليه. أما مواضيع الحوار مع الطرف الروسي، فلا بد أن تكون الانتقال الديمقراطي، وتطبيق وثيقة جنيف والقرار 2118، والمقابل الذي يمكن لموسكو نيله في حال ساعدت على إخراج إيران و(حزب الله) والمرتزقة الآخرين، وخروج قواتها لاحقًا من سورية، ودورها في إعادة بناء سورية وتسليح وتدريب جيشها، وإعادة تأهيل أجهزة ومؤسسات دولتها.

4 – فتح حوار مع فرنسا وألمانيا وإنجلترا وإيطاليا وأسبانيا حول دور أوروبا في حل سياسي ينهي الصراع السوري، على أن يحمل في طياته إمكانية ممارسة ضغوط اقتصادية على روسيا، وسياسية على واشنطن، لإقناعهما بالاتفاق على حل يستبدل المناطق المخفضة التصعيد بكيان سوري موحد يكون خطوة على طريق الدولة الديمقراطية التي يجب أن تنهض بجهود السوريين ولصالحهم، إلى أي فئة أو دين أو إثنية انتموا، بدل إبقاء سورية موزعة على نظام سلطوي عنيف ومعاد لشعبه ووطنه من جهة، ومجالس محلية تفتقر إلى مقومات تمكنها من تلبية حاجات مواطنيها، والصمود في وجه عنف النظام، من جهة أخرى.

5 – تنظيم حملة وطنية تطال كل فريق وتجمّع على حدة، من قضاة ومحامين، وإداريين واقتصاديين، ورجال شرطة وأمن، وقادة فصائل، وكتاب وصحافيين وفنانين، وأساتذة جامعات ومدرسين، وأطباء وممرضين، ومهندسين وفنيين، وتنظيمات شبابية، وممثلي عشائر، وهيئات مجتمع مدني مختلفة… إلخ، تشارك خلالها في أعمال وبرامج مراجعة دقيقة لمسار الثورة، تنتهي إلى اتفاق تكون جميعها أطرافًا فيه على مواقف جامعة، تقدم إلى الأمم المتحدة ودول مجلس الأمن دائمة العضوية، والبرلمان الأوروبي، والكونغرس الأميركي والدوما الروسي، من خلال وثيقة ممهورة بتواقيع ممثلي هذه الهيئات جميعها، تتضمن التمسك بوثيقة جنيف والقرار 2118 و2254، ومطالب الشعب التي لن تتنازل عنها، لأن تحقيقها هو الحل السياسي، وسواها لن يكون مقبولًا تحت أي ظرف.

هل بدأ الحل؟

ليس قليلًا في السعي إلى إيجاد حل للمسألة السورية تخلي الدولتين عن الوسائل التي اعتمدتاها في سياساتهما حيال القضية سورية، وتطبيق القرارات الدولية التي اتخذت بصدد إنهاء الصراع الدائر فيها، مهما كان هذا التخلي جزئيًا او محدودًا اليوم، ما دامت أهميته تنبع من اقتناعهما أن مصالح أي منهما لن تتحقق دون توافق مع مصالح الدولة الأخرى، كما يؤكد تفاهمهما على إقامة منطقة مخفضة التصعيد في محافظات حوران والقنيطرة والسويداء، يقول الروس إن تغير الموقف الأميركي هو الذي سهل قيامها، بينما يقول الأميركيون إنه كان مطلبًا أميركيًا استجابت له روسيا، كما أرجح شخصيًا.

لا يعني الاتفاق أن روسيا وأميركا قررتا التخلي النهائي عن سياساتهما التي انتهجتاها خلال السنوات الست الماضية، إن قول ذلك هو أمر ما زال مبكرًا، إلا أنه يعني، دون شك، أنهما لن تتمسكا بعد الآن بخلافاتهما وصراعاتهما حيثما تتطلب مصالحهما المشتركة تفاهمهما، وإن اتفاق حوران/ القنيطرة/ السويداء ينضوي في هذا الإطار ويعبر عنه، كما تؤكد الوقائع المرتبطة به، وتوحي بأنهما ستتخليان عن أي علاقة وأي طرف محلي أو إقليمي يعرقل من الآن فصاعدًا لقاءهما المصالحي، وما يستوجبه تحقيقه من خطوات عملية، آن تنضج ظروفه. ومع أنني لا أدّعي أن تخلي روسيا عن إيران في الجنوب، وأميركا عن تركيا في الشمال هو تخل نهائي أو قطعي وفي جميع المسائل؛ فإنني أعتقد أن مجرد القيام بالخطوتين الرمزيتين اللتين تمّتا في هذا الصدد يثبت أن طريقًا جديدة تفتح أمام انفكاك مصالح الدولتين الكبيرتين عن مصالح الدولتين الإقليميتين، وأن هذا الانفكاك يرجح أن يحدث في كل مرة تنشأ فيها ضرورة له، يمليها ما بين الدولتين الكبيرتين والإقليميتين من اختلاف في علاقاتهما مع الأطراف المنضوية في الصراع، ومن تعارض معهما يبدو تفاقمه أمرًا حتميًا، إذ ما إن تفاهمت الدولتان الكبيرتان على مسألة جزئية وتفصيلية حتى بانت الهوة الكبيرة التي تفصلهما عن إيران وتركيا، والتي يرجح أن تتسع دون توقف بقدر ما يتزايد تقدم واشنطن وموسكو نحو حلول تقربهما أكثر فأكثر من بعضهما، ومن التوافق على حل سياسي نهائي. هناك اليوم اختلاف بين نظرة الروس إلى النظام ونظرة إيران، وخلاف بين موسكو وطهران بسبب هذا الاختلاف الذي تمت تسويته إيرانيًا بدماء السوريين، في حلب ووادي بردى، وهناك اختلاف بين نظرة أميركا إلى شمال سورية ونظرة تركيا، يرجح ألا تخدم مصالح واشنطن مصالح أنقرة أو تتفق معها، أو لا تكون على حسابها، الأمر الذي يفسر تهديد الأخيرة باستخدام القوة لمقاومة أية تفاهمات منفردة بين الدولتين حول حل لمشكلة الكرد يتعارض مع مصالحها وأمنها، ينتجه تمسك واشنطن بسياساتها الراهنة تجاه المسألة الكردية، واستعداد روسيا المحتمل جدًا، بل الحتمي، للتخلي عن إسطنبول، في حال بادرت واشنطن إلى التلويح بحل المشكلات الدولية العالقة بين الدولتين، وأبدت استعدادها للتفاهم معها على تسوية مشكلات المنطقة دون إشراك تركيا فيها، أسوة بما فعلته الدولتان مع إيران في الجنوب السوري.

يمثل الاتفاق الأميركي-الروسي خطوة أولى في تخلق بيئة سياسية/ عسكرية يرجح أن تتراكم مفرداتها حجرًا فوق حجر، لن تكون بالضرورة لصالح النظام الذي سيعيش وضع ازدواجية سلطة إن عرفنا كيف نجعل من المجالس كيانًا مترابطًا وفاعلًا، بالاستناد إلى موقف وطني لا يهادن ولا يجامل، يتمتع بأقصى مرونة في آليات العمل ووسائله وبالتصميم على بلوغ الحرية، من خلال تطبيق وثيقة جنيف حول حل تنجزه هيئة حاكمة انتقالية تقود انتقال وطننا إلى الديمقراطية كنظام بديل لنظام الاستبداد الأسدي.

هل بدأ العالم يقتنع بتطوير أساليبه، لأنه تعب من سورية، وصار يخشى ارتدادات صراعها الكارثية عليه، إذا كان لنا مصلحة في سد الفراغ الوطني، وفي أن نكون الكيان السوري المطلوب الذي يمكنه مواجهة الكيان الروسي/ الأسدي، والتفاهم مع الكيان الأميركي/ الكردي، هل نعرقل تخلق هذا الكيان أم نسهله؟ وهل نعمل لإحباط واشنطن ولمنعها من انتهاج سياسة جديدة تجاه قضيتنا التي لا يجوز أن نفقد الثقة بأنفسنا، ونحن ندافع عنها ونعمل لانتصارها، وهل ننسى الثمن الذي دفعه شعبنا من دمائه، في كل مرة تم فيها إغلاق بوابة الحل التي يمكن أن تكون مناطق خفض التصعيد إحداها، إن عرفنا كيف نديرها بيد سلطة وطنية ديمقراطية تلتزم بحق السوريات والسوريين في المواطنة المتساوية، وترى في نفسها بديل السلطة الأسدية، ونجحنا في إعادة ملايين السوريين إلى مناطقنا، وبنينا قوانا بحيث تشكل مقابلًا قادرًا لقوى النظام، وتبنينا خيارات صحيحة، وقررنا ألا تَحول عيوب نهجنا وفكرنا وانقساماتنا وتضارب رهاناتنا بيننا وبين تحقيقها، تدرجيا بطبيعة الحال وخطوة بعد أخرى وعلى مدى زمني قد لا يكون قصيرًا، بما أن موازين القوى لا تسمح بتحقيقها مرة واحدة، ولأننا لم نحرز انتصارًا ميدانيًا حاسمًا على النظام وحلفائه، بل نجد أنفسنا في وضع دفاع استراتيجي عصيب، لا يعادل فيه وضعنا العسكري والسياسي أو يوازي أوضاع الأطراف المعادية لنا؛ الأمر الذي يرغمنا على السعى إلى كسب دعم دولي وعربي يعوضنا عمّا يشوب وضعنا من ضعف، ويعدل موازين القوى بما يقنع هذه الأطراف أن هزيمتنا مستحيلة، وأن إقرارها بحقوق شعبنا هو طريقها الوحيدة إلى مصالحها؟. سيجني شعبنا عائدَ أي خطوة تلبي حقوقه وتخدم مصالحه، كالتي أقرها اتفاق الجنوب حول المناطق الثلاث، وحقنا في تمثيلها كجهة مقاومة للنظام، عبر من سينتخبون في مجالسها المدنية التي ستنال اعترافًا دوليًا بها كجهة تمثل هي شعب مناطقها، في أي حل سياسي، وفي هذا ما فيه من إقرار بأن بوتين لم يستطع فرضه على شعبه، والقضاء على الثائرين ضده، وعجز عن إعادة سورية إليه، وأن الدولتين الكبيرتين ستتعاملان معه من الآن فصاعدًا بصفته مجرد طرف سوري، وليس محتكر الشرعية السياسية والقانونية. قال العالم بهذا الاتفاق: لم يعد الأسد خيار سورية الذي لا خيار غيره، ولو كان خيارنا، لما كان لأحد تمثيل أو دور في موازاة نظامه وخارجه. وأقول: دعونا ننظم أمورنا ونرتب قوانا كي لا يفوتنا قطار تفاهم دولي انطلق من محطة الجنوب، ولم يعد وصوله إلى محطة الحل مستحيلًا، مثلما كان خلال الأعوام الستة الماضية التي كلفت السوريين غاليًا. إن تفويت فرصة التفاهم الدولي سيكون عملًا انتحاريًا وكارثة نهائية ستحلّ بنا، وغلطة ستضعنا خارج أي جهد يمكن أن يكون لنا فيه دور أو مشاركة!

لعبت في هذا النص دور محامي الشيطان، ووقفت ضد الديماغوجيا الشعبوية والثورجية التي تقتلنا منذ سنين، لا يهم، ما دام كل صعب يهون من أجل سورية والسوريين!