خفض العنف وتصعيد القتل

يأخذنا تعبير “خفض مستوى العنف” إلى استرجاع نقاط عديدة مماثلة، هي بمثابة رؤى، أو خطط عمل، صدرت عن المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا الأكثر دأبًا –من سابقيْه- على الاشتغال في سورية على الرغم من إخفاقاته، وكانت جميعها تؤول في نهاية المطاف إلى وبال على السوريين. تتعمق حدّة التناقضات، ويطّرد التقطيع الجغرافي، وترحيل القضايا الملحة، وعدم مقاربة الجوهري، وهذا ما يتماشى مع المطلب الأسدي–الروسي، في إفراغ كل الجهود السياسية من جوهر غاياتها، وتعويم الحلول الأمنية المؤقتة التي يخسر فيها السوريون شيئًا جديدًا في كل مرّة.

هذا ما قادت إليه فكرة/ خطة “تجميد القتال في حلب” كمثال، وكذلك مصالحات “المناطق الآمنة” في حمص، وريف دمشق، وحلب. واليوم يتحدث بوعي وإدراك أكثر قربًا من حقيقة المهمات التي يتولى الاشتغال عليها، وهي “خفض مستوى العنف”. وهو تعبير نَشِطَ تداوله في الفترة الأخيرة، من ترامب الذي يؤيد العمل على ذلك، إلى لافروف الذي يؤكد أن سريان الهدنة في الجنوب السوري قد أدى إلى خفض مستوى العنف، بشكل ملموس، لكن دون أن يُشير إلى استمرار عمليات النظام الأسدي في درعا البلد، ضد المدنيين.

ينهج دي ميستورا أسلوبًا في التعاطي السياسي، يتّسم بتجزئة ما يمكن من القضايا إلى وحدات صغيرة، ليس من باب العناية بالتفاصيل، بل محاولة للتفكيك؛ بما يقود إلى التغطية على النقاط والمشكلات الجوهرية التي ينبغي حلّها. وحين يجد صعوبة في ذلك، يتجه نحو تجزئة الأمر، هكذا نجد اتفاقات الهدن التي تؤول بموجبها المناطق المنخرطة فيها إلى جزر معزولة، محاصرة بصورة أخرى مغايرة عما كانت عليه، قبل خروج “المسلحين”، والحال ينسحب على أدائه في ما يتصل بالمفاوضات، حين يذهب بعيدًا عن المسألة الأساسية: انتقال الحكم، أي التفاوض بشأن تشكيل هيئة حكم انتقالي، وفقًا لقرارات المتحدة ذات الصلة.

لكن دي ميستورا، إزاء ضغوطات النظام وحلفائه ورفضهم، يتجه إلى ملفات أخرى لا تشكل أولوية اليوم، مثل كتابة دستور جديد، أو ما يطرح بشأن إعلان دستوري.

هكذا تستمر الحال السورية: تغييبٌ للقضايا الجوهرية وتعتيم عليها. يستمر القتل والتشريد، واقتلاع الناس من مناطق سكناهم، وإحداث تغيير ديموغرافي بكل الوسائل الممكنة، بمشاركة المبعوث الأممي، وصولًا إلى العمل على خفض حدّة العنف، لا العمل على وقفه وإنهائه، بوضع حدّ تسانده القوانين الدولية، للنظام الأسدي وحلفائه، وتمنع عنهم الاستمرار في ارتكاب الجرائم ضد السوريين.

عادةً ما ترافق استخدام مصطلح “خفض العنف” في إطار عمليات الأمم المتحدة، المتصلة بالحروب الأهلية، بخاصة في القارة الأفريقية، حيث لعبت فيها المنظمات الدولية ومجلس الأمن بإشراف قوات حفظ السلام، على تخفيف حدّة التقاتل، وخفض مستوى العتاد في المعارك الطاحنة، وصولًا إلى أدنى درجة من ذلك، تقود إلى تجميد “العنف المسلح”.

هذا الأمر لا ينطبق على الحالة السورية؛ إذ إن النظام الأسدي يشن حربًا على مواطني الدولة، يستخدم فيها جميع أنواع الأسلحة، بمساندة قوى عسكرية خارجية تتمركز في سورية، كقوى احتلال، يضاف إلى ذلك التنازع الدولي عسكريًا وسياسيًا، في الاستحواذ والاستيلاء على مناطق نفوذ، ودعم قوى وفصائل محلية، تشكل أدوات لها، وخوض معارك التوازنات الاستراتيجية على الأرض السورية. كلٌّ من الولايات المتحدة، روسيا، وإيران، وتركيا، تخوض حروبها هنا، في بلادنا.

في هذا السياق، لم يأت اتفاق هدنة الجنوب السوري مجردًا عن سياق التنازع الدولي ومصلحة دول بعينها. أعني أمرَين: أولها تعزيز حماية “إسرائيل” من أي مخاطر قد تقود إليها تطورات المواجهات المسلحة بين النظام وقوى الثورة السورية، وينسحب ذلك على الأردن أيضًا. وثانيهما يتصل باستراتيجية الولايات المتحدة في حسم معارك البادية السورية لصالحها، بوضع المنطقة الممتدة من الموصل مرورًا بالحدود العراقية السورية، حتى الجولان، تحت الإشراف الأميركي؛ تمنع بذلك إيران من تغلل محتمل، وكذلك التنظيمات الإرهابية (داعش والنصرة)، من الوصول إلى المناطق المحاذية لـ “إسرائيل” والأردن معًا.

بلا شك، نحن مع أي هدنة تُلجم النظام عن الاستمرار بقتل المدنيين، وتدمير مناطق سكناهم. في اعتقادنا، هذا خارج حسابات الأطراف التي فرضت هدنة الجنوب، على عجل، دون إنجاز التفاصيل الأمنية المهمة في اتفاقات الهدنة عامة؛ ما يعني أنه تدبير سياسي–أمني وقائي، يندرج في إطار المصالح المشتركة لتلك الأطراف: “إسرائيل” على نحو أساسي. نشير إلى هذا مع الأخذ بالحسبان الموقف الوطني لقوى الثورة السورية، المنخرطة في الاتفاق، من “إسرائيل”، كقوة احتلال في المنطقة.

إن نظرة تأمل في مسار أستانا العاجز عن الوصول بتفاهمات المناطق الآمنة في الشمال السوري إلى موضع التنفيذ، توضّح عدم مبالاة القوى الدولية بحماية المدنيين، وحين تتطلب ذلك المصالح الدولية المرتبطة بواشنطن تحديدًا سوف نجد القدرة العاجلة على وقف القتل.

ما يُراد له في الجنوب السوري هو خفضُ مستوى العنف واحتواؤه. وانسحابُ النظام هو تكتيكي، طالما أن آليات المراقبة وحفظ الهدنة لم تتقرر بعد.

اتفاقات كهذه، أيًّا يكن رعاتها، يغيب فيها السوريون عن دائرة صنع القرار فيها، تكرّس أمرين: أولهما أن القوى الخارجية هي المحرك الأساس لما يحدث، وأن أي حلّ وتسوية لا يتم إلا من خلالها. وثانيهما أن الاستمرار في الحلول الجزئية سوف يقود حتمًا إلى جعل سورية بلدًا ممزقًا، كل منطقة بمثابة جزيرة منعزلة، لها إدارتها، وقوى دولية ترعاها. لا أتحدث عن تقسيم سورية، ولا أعتقد أن ذلك ما تسعى إليه القوى الدولية. التمزق، وتناثر المدن والمناطق يبدو أشد قسوة ومرارة على السوريين، في الوقت الذي تعمل فيه قوى الاحتلال على تمكين تواجدها في المناطق التي تستولي عليها، سواء في الحرب على (داعش)، مثال (قسد)، أو في ميليشيات إيران و(حزب الله)، والنظام، في المناطق التي يتم استلامها من ميليشيا صالح مسلم، أو المستولى عليها، في حروب النظام ضد السوريين.

دور القوى الدولية، بما فيها الأمم المتحدة، لا يبشر بحلّ جذري في سورية، طالما أن جوهر المشكلة: النظام الأسدي، يتم استيعابه، تشغيله واحتوائه، بما يخدم المصالح الدولية على تعددها وتنوعها؛ وبالتالي فهو دور جالب للوبال على ما تبقى من بلد ذي تاريخ حضاري وموقع متمايز، اسمه سورية.

إن خفض مستوى العنف، عبر تحييد مناطق وتبريد المواجهات فيها، مثل اتفاق الجنوب السوري، واحتمال التوسع فيه وتطبيقه في مناطق أخرى، سيبقى خططًا مرحلية هشّة، ما لم تجرِ في إطار استراتيجية شاملة للحلّ في سورية، يستند إلى وقف العمليات العسكرية ضد المدنيين أولًا، والذهاب إلى هيئة حكم انتقالية، عبر عملية سياسية جدية، وفقًا لمبادئ جنيف.