المُعارض العلوي

يبدو أن الطائفة العلوية قد وضعت نفسها، أو وُضِعت من قِبل النظام، في مأزق تاريخي يصعب الخروج منه، وربما لم تشهد مثل هذه النكبةَ منذ أيام السلطان العثماني سليم الأول. فبعد أن دفع جُلّ شبابها حياتَهم دفاعًا عن سلطة بشار الأسد، الزائلة لا محالة، وبعد أن هاجر من استطاع من الشباب إلى دول الجوار وأوروبا خوفًا من الذهاب إلى الجيش؛ فإن معظم مناطق العلويين تفتقد الفئة العمرية الشابة التي تراوح أعمارها بين العشرين والأربعين عامًا؛ فالشاب، من تلك الفئة العمرية، إما أن يكون قد قُتل في المعارك، أو أنه يقاتل على جبهات القتال، أو أنه هاجر إلى الخارج، أو أنه أصيب وأمسى مُعاقًا وعالةً على غيره. هذا عدا عن الأمراض الاجتماعية التي يسببها غياب فئة الشباب في تلك المناطق، وأولها ارتفاع نسبة العنوسة بين النساء.

يقول الصحفي غيث علي في (كلنا شركاء): “تشير الأرقام التي نشرتها شبكات محلية موالية للنظام، نقلًا عن دائرة النفوس في طرطوس، إلى أن 135 ألف امرأة تجاوزن سن الـ 32 عامًا دون زواج، من إجمالي عدد النساء البالغ 550 ألف امرأة، وباعتبار أن نحو 40 في المئة من سكان سورية دون الثامنة عشر من أعمارهم، يكون العدد الإجمالي لنساء طرطوس البالغات لا يتجاوز 330 ألف امرأة؛ ما يشير إلى أن نسبة العوانس إلى إجمالي عدد النساء بلغت أكثر من 40 في المئة، بحسب الأرقام الرسمية”. ويضيف، وبحسب المصدر نفسه أن “نسبة الأرامل بلغت 40 في المئة من إجمالي عدد المتزوجات”.

تُشير هذه الأرقام إلى أن هناك مشكلة كبيرة حلّت بهذه الطائفة، وأن الخروج منها يبدأ -أول ما يبدأ- بتحكيم صوت العقل الذي يقتضي فكّ الارتباط القائم بين النظام الاستبدادي الأسدي والطائفة.

لا شك في أن الكثيرين يُدركون أن الطائفة العلوية ليست كتلة متجانسة، كما أنها لم تكن في يوم من الأيام موحدة أو تتبع إلى مرجع ديني أو مقام اعتباري، يمكن أن يكون له رأي حاسم ومسموع في ما يجري من أمور سياسية وحتى دينية، ولا شك أيضًا أن هناك علويين معارضين حقيقيين، وقفوا إلى جانب ثورة الشعب السوري في وجه الظلم والاستبداد، والمتابع لمواقف هؤلاء يرى أنه، خلال السبع سنوات من عمر الثورة السورية، صدرت عدة مواقف من العلويين أنفسهم، كان آخرها (إعلان وثيقة إصلاح هوياتي) التي قيل إنها وثيقة سرّية سرّبها بعض مشايخ العلويين يتنصلون بها من جرائم بشار الأسد وزمرته، وكذلك الحملات التي قام بها مجموعة من الشباب العلوي في طرطوس، مثل حملة (صرخة) للمطالبة بإيقاف الحرب، وقد أطلقت شعارات مثل (الكرسي إلك، والتابوت لأولادنا)، وأيضًا حملة (وينن) على وسائط التواصل الاجتماعي التي تطالب بمصير الشبان والمفقودين. إضافة إلى هؤلاء، كان هناك مجموعة من المعارضين السياسيين يعملون تحت اسم (لجنة إعلان دمشق في اللاذقية)، عقدوا مجموعة من الندوات، وأصدروا مجموعة من البيانات المؤيدة للثورة، وعلى أثر ذلك تم اعتقال اثنين من أعضائها، هما فراس سعد ونصر سعيد، لكن هذه المواقف بقيت خجولة، ولم ترقَ إلى مستوى الدم الذي يُراق على مساحة الوطن.

لم يستطع المعارضون العلويون أن يُشكلوا حالة واضحة المعالم؛ لعدة أسباب، أولها عدم وجود رجال دين ذوي ثقل جماهيري في أوساط الطائفة، ولا سيّما أن معظم رجال الدين العلويين الفاعلين الآن هم من الموالين، بل هم من صنع الأسد الأب، بعد أن تم، بشكل مدروس، استبعادُ كل رجل دين له مكانته الاجتماعية والدينية. وهذه الحال تنطبق على المعارضين اليساريين العلمانيين الذين دفعوا ثمنًا باهظًا من حياتهم في سجون الأسد الأب، من دون أن يستطيعوا أن يبنوا قاعدة مقبولة في أوساط الطائفة ولا حتى في أوساط عائلاتهم؛ لعدة أسباب أبرزها عدم قدرتهم على امتلاك الأدوات اللازمة لذلك، وكذلك بسبب القمع الشديد الذي تعرضوا له من قِبل نظام الأسد، وبخاصة الأب الذي كان شديد الحساسية بالنسبة للمعارض العلوي، بحيث إن ظهور معارضة ضمن الطائفة كان يُعدّ خطرًا حقيقيًا ونوعًا من الاعتداء على المجال الحيوي للسلطة الأسدية، لأن الطائفة هي إحدى المرتكزات المهمة، وهي مصدر رئيس من مصادر بناء السلطة الأمنية. وهناك أمثلة كثيرة للدلالة على المعاملة القاسية التي تلقاها العلويون المعارضون في سجون آل الأسد، منها على سبيل المثال لا الحصر، الأستاذ ياسر مخلوف (الذي يمت بصلة قرابة مهمة لزوجة حافظ الأسد)، وقد حُكم عليه بالسجن خمسة عشر عامًا، لكنه أمضى سنة أخرى بعد انتهاء حكمه، كذلك الدكتور عارف دليلة الذي اعتُقل مع مجموعة من الناشطين في بداية ربيع دمشق، منهم ميشيل كيلو، كمال اللبواني وفواز تللو وغيرهم، حيث حُكم على الجميع بالسجن من ثلاث إلى خمس سنوات، ما عدا الدكتور عارف فقد حُكم عليه بعشر سنوات، أما الدكتور عبد العزيز الخيّر فقد حكمت عليه محكمة أمن الدولة العليا برئاسة المدعو فايز النوري، بالسجن اثنين وعشرين عامًا، وهو الوحيد من بين رفاقه الذي تلقى هذه العقوبة القاسية. وربما يكون انتماؤه إلى عائلة الخيّر ذات الوزن الديني والاجتماعي في الطائفة، هو السبب في اعتقاله وتغييبه مجددًا أثناء الثورة، وما يزال مصيره مجهولًا حتى الآن. وأخيرًا وليس آخرًا ما تلقاه كاتب هذه السطور مع ضابط آخر من اللاذقية من تعذيب وضرب وإهانات، فاقت بالحجم والنوعية ما تلقاه بقية رفاقه، وكأنه صاحب ثأر شخصي.

لا شك أن المطلوب من المعارضين العلويين هو أكبر من حجمهم على الساحة، وأكبر من إمكاناتهم على الفعل، فضلًا عن أن معظمهم أصبح خارج الوطن، بسبب الملاحقات الأمنية وتغوّل الشبيحة والنظرة العدائية من الأهل والأقارب.

إذًا، عددهم القليل، وجود معظمهم خارج سورية، وكذلك الخطاب الطائفي للفصائل الإسلامية المقاتلة؛ كل ذلك زاد من تراجع تأثيرهم على بيئتهم وأضعف موقفهم بحيث لا يكاد يُرى، مع العلم أن معظم هؤلاء لم يشارك في الثورة السورية بصفته الطائفية، بل انطلاقًا من موقفهم من النظام وممارساته الاستبدادية، وقد يكون هذا الموقف المعارض سابقًا للثورة.

الآن، نتيجة ارتفاع عدد القتلى الشباب والنزيف المستمر؛ أصبح المراقب يلحظ التململ في أوساط الطائفة، لكن الأسد ما يزال يحظى بدعم الطائفة للاستمرار في حربه المجنونة، للأسباب سابقة الذكر.

في النهاية، يمكن القول إن دور المعارض العلوي في أوساط الطائفة سيبقى دورًا ثانويًا، طالما استمرت الحرب، لكن هذا الدور ربما سيتغير في ظل أي تسوية سياسية منشودة، وربما يكون دورهم الأكبر والأهم هو بناء جسور الثقة بين الطائفة العلوية، وبقية مكونات الشعب السوري.