الحل “المفاجئ”

قبل يومين، قال المبعوث الأممي إلى سورية ستيفان دي ميستورا، لوفد المعارضة السورية المُفاوض: إن مجمل ما يفعله في جنيف “ما هو إلا إجراء مقاربات وإعداد وثائق لازمة لسورية المستقبل؛ تحضيرًا لحلّ مُحتمل قد يأتي بشكل مفاجئ”. في إشارة منه إلى توافق دولي قد يأتي بين ليلة وضحاها، يُنهي المأساة السورية.

يُحاول الرجل السويدي-الإيطالي صاحب “الإبداعات” الغريبة و”الفانتازيا” الدبلوماسية، تبريرَ عقم اجتماعات جنيف المتواصلة، كما يُحاول تبرير ما يحدث من ملهاة لا إنسانية على ضفاف بحيرة لوزان، ويخترع مهمّة جديدة له ولفريقه، ويقفز نحو المستقبل وهو يدري -أكثر من غيره- سوداوية الحاضر الذي لا يمكن أن يُبشّر بأي خير.

يقول دي ميستورا إنه يُحضّر وثائق مستقبل سورية من الآن، وسيصنع لها دستورها وقوانينها وشرائعها، وسيضع نسبة الجندرة فيها، ومستويات المحاصصة السياسية، وسيحدد علاقة العسكري بالسياسي، والتوازن الطائفي في أصقاعها، وربما سيحدد الأطراف التي ستحكمها، وكل ذلك تحضيرًا لـ “حلّ مفاجئ محتمل”.

يعتقد دي ميستورا الذي لم ينجح -بشهادة الإيطاليين- في أي مهمة دبلوماسية خاصة، قام بها خلال حياته المهنية، أنّ حلّ المأساة السورية سيأتي فجأة، وربما من السماء، ويتعامى عن أنّ الحل يُصنع ويُحضّر على مهل، في مراكز القرار في الدول الكبرى، ويأخذ أشهرًا بل سنين، وهو وحده البعيد عمّا يجري وراء الكواليس، لا يأبه إلا بأن يبقى جالسًا وراء مكتبه يُطلّ على نافورة جنيف، وينظر في الأفق على أمل أن تُمطر السماء حلًا، يُقدّمه للسوريين.

لدى فريق دي ميستورا مئات الأطنان من الوثائق المتعلقة بالقضية السورية، وهو يعرف -ربما أكثر من غيره- أن سورية المستقبل لن تكون مجرد حبر على ورق، أو مجرد دستور ترقيعي يضعه، أو توافقات مؤقتة تتغير كل يوم، وأن النظام السوري لم ولن يحترم أي وثائق لا تضمن بقاءه “إلى الأبد”.

يتناسى دي ميستورا أن الدستور يصنعه أصحاب البلد بعد إنجاز التغيير السياسي، ولا يصنعه موظفون في مكتبه وعدة شخوص من المعارضة والنظام، وأن القوانين توضع وفقًا للدستور، وأنه يجب أن يوافق عليها الشعب، ولا توضع بمكرمة من نظام شمولي وقبول من معارضة مغلوبة على أمرها، كما يتناسى أن المحاصصة والتوازنات الطائفية والإثنية والقومية هي تشويه لسورية المستقبل.

يتهرب دي ميستورا من حقيقة أن المطلوب منه هو غير ذلك تمامًا، وينحصر في تيسير المفاوضات، وتوفير الظروف المواتية لها، وإدارتها وإنجاحها إن بدأت، وتقديم تقارير جادة وواضحة وجريئة وعلنية عن الطرف الذي يعرقلها ويخربها ويُدمّرها، وهو ما لا يفعله.

على الرجل أن يلتزم بمهمّاته لا أن “يخترع” مهمّات خلّبية تطيل عمره الافتراضي، وأن يلتزم أخلاقيًا وإنسانيًا بمصلحة شعب يُقتل كل يوم ألف مرة، وأن يكونَ رجلًا لمرة واحدة فقط، ويتجرأ ويُقدّم تقريرًا جريئًا علنيًا عن الطرف الذي عرقل ودمّر المفاوضات، والطرف الذي تمسك ويتمسك بالقتل والدماء، والطرف المارق الذي لا أمل فيه، والذي يجب أن يختفي في مستقبل سورية نهائيًا.

يكمن أصل الصراع في سورية في طبيعة النظام الديكتاتوري القمعي الفاسد الذي حوّل سورية إلى بيئة اجتماعية خطرة وانفجارية، وشوّه التكوين المعرفي للسوريين، وقضى على حاضر الشعب ومستقبله، وأعاد المفاهيم السياسية والاجتماعية والأخلاقية إلى مفاهيم ما قبل الدولة، وجذّر النزوع القومي والإثني والعشائري في وعي السوريين، ونشر الموبقات والفساد والمحسوبيات، وعمّم الطائفية.

الحلول للمستقبل بسيطة، ولا تحتاج إلى وثائق دي ميستورا التي يُحضّرها منذ ست سنوات، ولا إلى جيش المستشارين الذي يُشغّله، إنها ببساطة القضاء على أصل الصراع؛ وعندئذ سيضمن السوريون أن يكون لبلدهم مستقبل، دون الحاجة إلى وثائق دي ميستورا المستقبلية التي “سيبلّها” يومًا و”يشرب مياهها”.