مفاوضات فاشلة وحروب مستمرة

تتوالى أرقام جولات التفاوض الفاشلة (جنيف 7 وأستانا 5)، ولم تعد النكتة القائلة بأرقام أكبر بكثير، وبأعوامٍ تقترب من العقد لنهاية المأساة السورية، مجردَ كلام بكلام. الوضع السوري أصبح خارج سياق الصراع الداخلي، منذ أن تدخلت إيران لإيقاف انهيار النظام؛ بل إن الصراع الداخلي أصبح يخدم (ورقة بيد) التناقضات الإقليميّة والدوليّة؛ وبالتالي لا إمكانية للحل السياسي قبل التوافق على إدارة التناقضات باعتبارها لا تنتهي بحال من الأحوال.

بغياب الأطراف الداخلية القادرة على الحل، وعدم وجود توافق إقليمي ودولي حوله كذلك، فإن الممكن هو ما يتحقق على الأرض، أي توافقات بين الروس والأميركان والأتراك والإيرانيين على مناطق خفض التوتر واستمرار الحروب في أكثر من مدينة، وإمكانية حدوث حروب مستقبلية. استمرارُ الوضع، وفق هذه اللوحة مع غياب الدور الأميركي الفاعل، يشي بأن المخططات الروسية هي التي تتحقّق؛ روسيا هذه تنشر شرطتها في أكثر من منطقة بعد التوقيع على مصالحات أو هدن أو توافقات تخص مناطق خفض التوتر. نشر الشرطة هو تعبير عن أن سورية أصبحت محتّلة، وأنّها أصبحت تابعة للروس. يتحقق للروس ذلك، بفضل ضعف السياسة التركية حيث تجد نفسها بين دولتين عظميين، وبالتالي لا تستطيع اللعب كثيرًا، وتفقد قدرتها حتى على مواجهة الورقة الكردية “الأوجلانية” في سورية، وكذلك لم تتمكّن من لعب أيّ دورٍ في العراق؛ نعم تركيا فوّتت فرصًا عظيمة، حينما لم تدعم الثورة، وأعطت للنظام فرصًا إضافية 2011 ولاحقًا، وحينما اعتمدت على فئات محدّدة في المعارضة وهمّشت أخرى، وباستمرار الأمر كذلك، تدخلت الدولتان العُظميان، وصارت المصالح الإقليمية في سورية تمر عبر مشيئة كلّ من روسيا وأميركا بالتحديد.

أصبح الدور التركي يتحدّد وفقًا لمذكرة خفض التوتر والتوافق مع الروس بالتحديد، فالأميركان لم يعطوا لتركيا أيّ دورٍ حقيقي في سورية، إذ مُنعت من الدخول إلى منبج، ومن المشاركة في تحرير الرقة، وحُشرت في جرابلس والباب؛ وبالتالي فإن دورًا أكبر لها ضمن ريف حلب ومدينة إدلب يعتمد على “العطاءات” الروسية بالتحديد. للأخيرة استراتيجية تقول، كما يبدو، إن استمرار توريط دول متعدّدة في المنطقة أمرٌ ضروريٌّ للضغط على الأميركيين، وخوفًا من التورط الكبير في سورية كما “ورطة” أفغانستان سابقًا، طالما لم يحصل توافق مع الأميركيين حول سورية ومسائل أخرى؛ ومن هنا نجد أن روسيا ما زالت تعطي للإيرانيين وميليشياتهم أدوارًا كبيرًة، وكذلك لتركيا وأيضًا لـ “إسرائيل”. الفصائل العسكرية التي رفضت بغباءٍ نادرٍ أيّ توحيد لها، وربطت نفسها بدولٍ إقليميّةٍ وعالميّةٍ؛ انتهت بالاندحار بسبب ذلك، ولا سيما من حمص ومحيطها وحلب وريف دمشق الغربي وسواها، وتهمّشت لصالح الجهادية، وفي النهاية؛ أصبحت تبحث عن أي دورٍ يُعطى لها، وهو ما تجيده روسيا حيث تدجّن الفصائل وأطرافًا من المعارضة، وفي نهاية جنيف 7 ستتساوى المنصات مع بعضها، وستفقد منصة الرياض الدور الأساسيّ لها كممثلة عن المعارضة.

المستفيد الأكبر من الاتفاق الأخير، بين ترامب وبوتين، هو “إسرائيل”، حيث ستُجبر إيران على التراجع عن الحدود في كل من درعا والقنيطرة والسويداء؛ وبالتالي انتهى الحديث عن معركة ممكنة بين إيران و”إسرائيل” عبر الحدود السورية، وعاد الأمر لصالح إمكانية ذلك عبر لبنان بالتحديد.

ربما ستنتهي معركة الرقة قريبًا، وبالتأكيد ستبدأ معركة دير الزور في الأشهر القادمة، وحينئذ ستنشأ مشكلات كبرى؛ فهناك ستتواجه كل من أميركا وروسيا وإيران، وميليشياتهم على الأرض، وإن توافقوا ستكون لدينا معركة مستقبلية لها علاقة بأهل الأرض لمدنهم، أي أهل الرقة ودير الزور والبوكمال والحسكة، وبالتالي هناك حروب ليست معروفة النهاية. معركة إدلب التي أصبحت تتركز الأضواء نحوها، ولا سيما أن هيئة تحرير الشام (النصرة) لم تفهم درس (داعش) فتحلّ نفسها، وبالتالي قد تتلقى معركة شرسة، وقد تشترك فيها كل الدول الموقعة على مذكرة خفض التوتر، باعتبارها مشمولة فيه، وأن إقرارها يتطلب ذلك.

لم تبدأ كذلك معركة الغوطة الشرقية، وستبدأ حالما تستقر الأوضاع في درعا، ولا سيّما أنّها لم تتوقف، ولكنها ظلت محدودة وضمن المحاولات المستمرة للنظام ليستعيدها عبر الضغط وبدءًا بجوبر.

هناك من يتحدث عن معارك أخرى. الأخطر أن سورية أصبحت ورقة من سلة التفاوض بين روسيا وأميركا، وبفشل الأستانة وجنيف؛ فإن الوضع السوري مفتوح على تأزمات مستمرة ومعقدة، ليس أقلّها ما يجري في لبنان من ضغوط كبيرة على اللاجئين ليعودوا إلى حضن “النظام”، وأن يبلعوا القهر كلّه بعد أن أصبحوا عزلًا بالكامل من شبابهم الذين هم لاجئون في أوروبا أو شهداء أو معتقلون أو سيعودون ليخدموا في جيش النظام؛ الأمر ذاته أو قريب منه سيتكرّر في كل من الأردن وتركيا.

سردنا أعلاه وقائع كارثيّة وأساسيّة لنقول: إن الوضع السوري أصبح بمأزقٍ كبير للغاية، وإن الحضور الروسي والأميركي، بعد إرساء قواعده العسكرية، سيسيطر اقتصاديًّا وسياسيًّا على مستقبل سورية؛ وبالتالي القوى السياسية السورية وحتى النظام إمّا أن تكون أدوات لصالح هذه الاحتلالات أو ضدها.

إن مرور ست سنوات للوضع السوري واستمرار النظام ذاته والمعارضة ذاتها يعني أن أغلبية أفراد هذه الكتلة ستكون مصالحها مع الدول التي ستحتل سورية، حالما ينهون الحرب ويبدؤون بالاستثمار الاقتصادي؛ وبالتالي أصبح السوريون مجددًا أمام مصيرٍ كارثيٍّ؛ وما لم يستطيعوا تفاديه عام 2011، عليهم تفاديه بالضرورة، أي البدء بصياغة استراتيجية للمرحلة القادمة وكيفية إدارة دولتهم القادمة، والتمكن من إنهاء النظام القادم، وإبعاد المعارضة الفاشلة والاحتلالات كذلك.

ما يحصل في لبنان أو العراق أمرٌ يستحق النظر العميق؛ فهناك دول محتلة للعراق وفي لبنان هناك نظامٌ طائفيٌّ لا يمتلك من أمره شيئًا، أي تتحكم به الدول الخارجية، والقوى الطائفية تجد الأمر طبيعيًّا؛ وبالتالي ليس هنا شعب واحد بل شعوب متعددة وتابعة لدول خارجية، فهل سيكون هذا مصير سورية وليس كما أشرنا أعلاه.

السوريون أمام خيارات صعبة، فما زالت الحروب دائرة، وما زالت الاحتلالات تُوطن نفسها، والفصائل والنظام يضعفان أكثر فأكثر.