كيف تضيع الطاسة

يقول الشوام (أهل بلاد الشام) “ضاعت الطاسة”، عندما يختلط الحابل بالنابل، ويضيع الهدف من القول، أو يصبح القول بلا معنى. وفي العلوم الاجتماعية منهج في البحث أسميه “منهج تعداد العوامل، أو منهج تضييع الطاسة”. وهذه بعض الأمثلة على المنهج المذكور.

مثال أول: لدى البحث في هجرة الريفيين إلى المدن في سورية وأمثالها من الدول، يعدد الباحثون ما يسمونه “عوامل الطرد وعوامل الجذب”. فمن عوامل طرد الريفيين عدم توفر الخدمات في القرية (كالتعليم والصحة وغيرها)، عدم توفر السكن أو سوء حالته، الفقر أو عدم كفاية الدخل… ولا شك أن هناك عوامل أخرى تؤثر على بعض الذين يتخذون قرار الهجرة، كأن تتنازع عائلتان على قضية ما مثلًا؛ فتقرر إحداهما الهجرة، أو كأن يرفض أهل إحدى الفتيات تزويجها لشاب ما؛ فيقرر هجر القرية بما فيها.. إلخ.

ومن عوامل الجذب يعددون: التمتع بمسرات المدينة (المقاهي والسينما ودور اللهو…)، تعليم الأبناء، قرب المدينة وسهولة المواصلات بينها وبين القرية، العمل الأفضل والدخل الأعلى، وجود أقارب يشجعون على الهجرة.. إلخ.

إن هذه العوامل كلها (أو معظمها) تؤثر، إلى هذا الحد أو ذاك، في اتخاذ الريفي قرار الهجرة. لكن تعداد هذه العوامل من دون البحث فيما هو جوهري، أي ما يدفع الأكثرية الساحقة من المهاجرين لاتخاذ قرار الهجرة، يخلط الحابل بالنابل، الرئيسي بالثانوي، وبالتالي “تضيع الطاسة”. لقد برهنت البحوث العديدة التي أجريتها، حول هجرة الريفيين إلى المدن في سورية، أن هناك عامل طرد جوهري واحد هو “عدم كفاية الدخل الناجم عن العمل الزراعي (أو غيره من الأعمال في القرية) لتلبية الاحتياجات المتزايدة للريفيين الذين يتخذون قرار الهجرة”، وهناك عامل جذب جوهري واحد هو “الأمل في إيجاد عمل في المدينة يدر دخلًا أفضل”. أما ما عدا ذلك من العوامل التي يعددها أصحاب “منهج العوامل”، فلا تلعب سوى أدوار هامشية جدًا، وتخص نسبة محدودة جدًا من المهاجرين. بل إن بعض العوامل تلعب دورًا معاكسًا (كعامل السكن مثلًا، حيث غالبًا ما يكون سكن المهاجرين في القرية أفضل منه في المدينة، أو عامل المسرات، فالمهاجرون في المدن لا يتمتعون بأي مسرات، على عكس حالتهم في القرية).

مثال ثانٍ: لدى البحث في العوامل المؤثرة في ضآلة مشاركة المرأة العربية في قوة العمل، يعدد الباحثون المشار إليهم عوامل مثل: العادات والتقاليد التي تمنع المرأة من العمل خارج المنزل، بعض أشكال التدين التي تمنع اختلاط النساء بالرجال في العمل، معارضة الأب أو الزوج أو الأخ لعمل الإناث في عائلاتهم، عدم توفر فرص العمل المناسبة، العقلية الذكورية المهيمنة في المجتمع والتي تجعل معظم الرجال يعزفون عن مساعدة المرأة في الأعمال المنزلية، عدم وجود مؤسسات تحل محل المرأة في الأعمال المرأة المنزلية ولا سيما تربية الأطفال.. إلخ.

مرة أخرى، تؤثر هذه العوامل (كلها أو معظمها)، إلى هذا الحد أو ذاك، في منع عدد من النساء من المشاركة في النشاط الاقتصادي للمجتمع. لكن الدراسات العديدة التي أجريتها (وأجراها باحثون آخرون) أظهرت، بما لا يدع مجالًا للشك، أن العامل الحاسم الذي يؤدي إلى ضآلة مساهمة المرأة العربية في قوة العمل، هو عدم توفر فرص العمل الكافية لجميع الراغبين فيه من النساء والرجال. لقد بين تتبع أرقام البطالة في البلدان العربية، خلال ربع القرن الماضي، حقيقة تفقأ العين: في جميع الدول العربية، دون استثناء، هناك دائمًا عدد متزايد من النساء اللواتي يبحثن عن العمل ولا يجدنه، ونسبة النساء الباحثات عن العمل هي دائمًا أعلى من نسبة الذكور، وغالبًا أعلى بضعفين أو ثلاثة أو أربعة. مما يعني أن جميع العوامل المذكورة الأخرى تؤثر في حالات فردية، لكنها لا تلعب أدوارًا مهمة في منع النساء من البحث عن العمل. ولعل أحد تلك العوامل يعدّ أكثر تأثيرًا من غيره (بعد عدم توفر فرص العمل الكافية)، يتعلق بعدم كفاية دور الحضانة ورياض الأطفال المناسبة وبأسعار في متناول الجميع، مما يشجع الأم على ترك أطفالها في هذه الدور أثناء عملها. لكن هذا العامل (المهم) يظل أقل تأثيرًا من العامل الجوهري الخاص بفرص العمل، والذي يعود بدوره لطبيعة خطط التنمية المنفذة في البلدان العربية.

مثال ثالث: في مؤتمر علمي عُقد مؤخرًا في الدوحة، عرض أحد الباحثين (وهو من الذين تتسم بحوثهم ومؤلفاتهم في العادة بالرصانة والمنهجية العلمية السليمة) لمسألة بناء الجيش السوري ودور ذلك البناء “الانقلابي” في هزيمة حزيران/ يونيو 1967. وعلل ضعف الجيش، وبالتالي هزيمته، بتتالي المحاولات الانقلابية، منذ جلاء القوات الفرنسية عن سورية 1946 حتى حرب حزيران، إذ حصل في الجيش السوري “نحو تسعة انقلابات عسكرية- سياسية ناجحة، وما لا يقل عن عشر محاولات انقلابية كبيرة فاشلة، بمعدل وسطي يبلغ انقلابًا واحدًا ومؤامرة عسكرية انقلابية كل عامين تقريبًا”. وقد تبع كل محاولة من تلك المحاولات عمليات تسريح واسعة؛ ما أدى في النهاية إلى “تصفية منتظمة لخصوم الانقلابيين بطرق شتى، وشمل ذلك بدرجة رئيسة الضباط المحترمين”. وأشار الباحث إلى التأثير الكبير لانقلاب الثامن من آذار/ مارس 1963، والتأثير الأكبر لانقلاب 23 شباط/ فبراير 1966، في “موجة تسريحات وتطهيرات جديدة في الجيش، تضاف إلى التسريحات التراكمية السابقة (…) مما أنشأ كتلًا جديدة متصارعة، سرعان ما حاولت تصفية الحسابات بينها”. وفي سياق حديثه، أشار الباحث إلى أن أيًا من الانقلابات المذكورة، لم يحمل طابعًا طائفيًا، إذ كان في الطرفين المتصارعين، في كل تلك الانقلابات، ضباط من مختلف الطوائف، أو على الأقل من السنة والعلويين.

لا أشك مطلقًا في صحة المعلومات التي أوردها الباحث الصديق. لكنني أرى أنه وقع في فخ “منهج العوامل” الذي يؤدي إلى “ضياع الطاسة”، أي ضياع الأمر الجوهري في خضم التفاصيل والعوامل العديدة. إن الحديث عن نحو عشرين محاولة انقلابية أثرت كلها في بنية الجيش السوري، وعن مشاركة ضباط من طوائف مختلفة في كل منها، يحجب الحقيقة الناصعة بشأن إعادة بناء الجيش السوري، ولا سيما بعد انقلابَي 1963 و1966. لقد أُعيد بناء هذا الجيش، بحيث يتسلم ضباط علويون موالون للسلطة السياسية التي تقود البلد (حزب البعث في البداية ثم صلاح جديد، ثم حافظ الأسد وعائلته). لقد صار الجيش برمته، بسنته وعلوييه ودروزه ومسيحييه و…، أداة في يد السلطة للحفاظ عليها، لا أكثر ولا أقل. وهذا هو السبب الحاسم في انسحاب الجيش من الجولان قبل احتلاله. فالمهم -كما أُعلن يومَها- “الحفاظ على النظام التقدمي”، وليس احتلال العدو للمنطقة التي كانت تقض مضجعه، بسبب خصائصها الجغرافية والطوبوغرافية. ومن يريد التزود حول حقيقة إعادة بناء الجيش السوري، ليرجع إلى كتاب حنا بطاطو (فلاحو سورية: أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأنًا وسياساتهم)، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات عام 2014. فسيجد جداول بالأسماء والانتماءات تبين، على سبيل المثال، أن نسبة العلويين (الذين كانوا يشكلون نحو 12 بالمئة من السكان) بين “الأشخاص الذين شغلوا المواقع الرئيسة في القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية النخبوية وأجهزة الأمن والاستخبارات، 1970 – 1997” بلغت 61.3 بالمئة مقابل 35.5 بالمئة للسنة، و3.2 بالمئة للمسيحيين. وليس أدل على الدور الذي بُني هذا الجيش من أجله، من أدائه إبان ثورة الشعب السوري، في آذار/ مارس 2011، في قتل الشعب السوري وتشريده، وتدمير مدن سورية وأحيائها، واستقدام من هب ودب من الميليشيات المسلحة لمساعدته، ليس من أجل تحرير الجولان، بل من أجل المحافظة على سلطة الطغمة الحاكمة لا غير.