في وداع إسطنبول

قبل أربع سنوات كانت زيارتي الطويلة الأولى إلى إسطنبول، وفي 13 تموز/ يوليو، أي اليوم، تنتهي زيارتي الطويلة الرابعة، ولا أعرف إذا كان سيتيح لي الزمن زيارات أخرى. عشت خلال هذه السنوات ثلاثة عشر شهرًا منها في إسطنبول، لم أتركها إلا لزيارة غازي عنتاب بصحبة الصديق محمد عنتابلي، وزيارة قونية بصحبة الصديق ناصر ضميرية، وزيارة أنطاليا بدعوة من الصديق محمد عنتابلي وزوجته، وأخيرًا زيارة أنطاكية (مدينة الله)، بدعوة من الأب إبراهيم فرح، خوري إدلب، واستضافة الدكتور طلال العبد الله. مجموع هذه الزيارات استغرق أقل من عشرين يومًا، أما بقية الأيام فقد كانت من نصيب عاصمة العالم (إسطنبول).

لم يتح لي عمري الذي لامس حدود التاسعة والستين عامًا، أن أحب مدينة كما أحببت هذه المدينة، صحيح أنني أحببت حمص، ولكنه كان حبًا يشبه حب المراهق للفتاة الأولى التي وقع نظره عليها، أما حبي لإسطنبول فقد كان حب الناضج الذي يعرف لماذا يحب ولماذا يكره. لقد تعرفت على إسطنبول، وأنا في الرابعة والستين من العمر، ووقعت في غرامها من اللحظة الأولى التي رأيت أفق المدينة المزين بقباب مساجدها ومآذنها التاريخية، وقررت وقتها أن أتعرف، عن قرب، على المدينة التي أحببت.

خلال صيف 2014 زرت عشرات المواقع الأثرية العثمانية، والتقطت مئات الصور لها، وكتبت عشرات المقالات و”البوستات” الفيسبوكية عنها، كان نهاري يبدأ أحيانًا في السادسة صباحًا، مع صحن شوربة عدس ساخن، لينتهي في منتصف الليل بصحبة الأصدقاء السوريين في خمارات تقسيم مع كأس من البيرة المثلجة. كان من نتائج هذا العام التصالح مع العثمانيين الذين كرهناهم كمحتلين بفضل “البعث”، والرغبة في معرفتهم أكثر، فقرأت بعض كتب التاريخ العثماني، وشاهدت عشرات المسلسلات التركية؛ فكان طبيعيًا أن أكتشف، نتيجة الغوص أعمق، الطبقة الثانية من طبقات التاريخ الإسطنبولي، فشاهدت عيناي، ولمست أصابعي أحجار الكنائس البيزنطية، تلك التي حُوّلت إلى مساجد، أو ما تبقى منها ككنائس. ثم واصلت الغوص مضطرًا لأتعرف على الطبقة الأثرية الثالثة التي تم البناء عليها، ألا وهي الآثار الرومانية التي لا تزال بعض معالمها قائمة يزورها آلاف البشر يوميًا.

كان من السهل على المؤرخين أن يكتبوا متى بدأت الحقبة الرومانية ومتى انتهت، وكذلك بالنسبة للمرحلة البيزنطية والمرحلة العثمانية، ولكن ما لا يمكن قياسه وتحديده هو اختلاط البشر في هذه المدينة، ففي شارع الاستقلال وحده يمكنك أن ترى الأجناس البشرية قاطبة، ولو أتيح للباحث أن يدرس جينات الناس في هذه المدينة لوجد كلّ الأجناس البشرية التي تعاقبت على هذه الأرض.

في نهاية رحلة هذا العام تعرفت على الروائي أورهان باموق، بفضل صديقي المترجم السوري عبد القادر عبداللي، الذي قتله قبل أشهر مرض السرطان، المرض الذي عجز الأطباء عن تشخيص هويته؛ أهو سوري أم تركي أم مختلط، ولكن الأكيد أن عبد القادر ولد في إدلب السورية، ومات في أضنة التركية. قرأت كل أعمال باموق المترجمة، وترك كتابه “إسطنبول الذكريات والمدينة” في نفسي وعقلي أثرًا كبيرًا. فقد كانت إسطنبول هي البطل في هذا الكتاب، وكان باموق عاشقًا استثنائيًا لمدينته، فنقل عدوى حبه للمدينة لي أنا السوري.

في صيف 2015 استكملت ما كان ينقصني من زيارات للآثار، وكانت دائرة معارفي من السوريين المقيمين في إسطنبول تتسع باستمرار. في زياراتي إلى إسطنبول استعدت “سوريتي” التي فقدتها، خلال إقامتي في كندا لأكثر من ربع قرن، وتعرفت على سورية من خلال تعرفي على السوريين، رأيت آثار تعذيب الأسد على أجساد بعضهم، وعلى نفوس كل السوريين، وقرأت الخراب في وجوه معظم المعارضين وكلامهم، وانتابني الخوف، وعبرت عنه في أكثر من مناسبة، وخاصة مع ازدياد عدد “الناشطين” في تركيا وتركهم لسورية، برغبتهم أو غصبًا عنهم. في هذا العام والعام الذي تلاه تحولت إسطنبول إلى ممر عبور للسوريين إلى الغرب، يغامرون بأرواحهم وأرواح أولادهم على أمل الوصل إلى مكان “آمن”.

في صيف 2016 قررت أن أتتبع خطوات المستشرقين الذين كتب عنهم أورهان باموق في كتاب (إسطنبول الذكريات والمدينة)، عندما كانوا يزورون المدينة في شهر رمضان لرصد عادات مسلمي المدينة في الطعام والشراب والملبس وزيارات القبور، ووضعت خطة لحضور أكبر عدد ممكن من الإفطارات الرمضانية المجانية للتعرف على سلوك الناس وتعاملهم مع بعضهم، وطرق عمل البلديات والمؤسسات الدينية في ما يتعلق بهذا الشأن، وقد سجلت ملاحظاتي في عدة مقالات، محاولًا اكتشاف الفرق بين المسلم التركي وغيره، وخاصة مع ما تختزنه ذاكرتي عن المسلمين السوريين، ووصولًا للتعرف على الإسلام التركي، فقرأت فيه الإسلام المتسامح، الصوفي، الذي يرى أن الجامع هو للصائم وغير الصائم، والذي يسمح لكل إنسان أن “ينام على الجنب الذي يريحه”، كما عبر الصديق سعد البارودي في إحدى تعليقاته على صورة نشرتها.

وفي هذا الصيف أيضًا وقعت محاولة الانقلاب، ففي صباح 15 تموز/ يوليو سافرت إلى سويسرا، وفي مساء اليوم نفسه تم احتلال مطار كمال أتاتورك من قبل الانقلابيين؛ ما دفع ببعض الأصدقاء للمزاح معي وقولهم: إنني دبرت الانقلاب وسافرت. ومرة أخرى أثبت الأتراك أنهم مختلفون، ليس في إسلامهم فحسب، وإنما في مقاومتهم “للعسكر”، ليس دفاعًا عن “أردوغان” وإنما عن “مدنية” الدولة التركية.

في هذا العام 2017 عشت كسائح، فقد توزعني الأصدقاء من حيث السكن، وتعازموني طوال فترة وجودي، وشعرت بثقل وجودي بينهم وعليهم، وأحسست لأول مرة أنني قد أصبحت “ختيارًا”، على الرغم من تغزلي بالصبايا. أصبحت المشاوير تتعبني، وخاصة بعد مرض دام أسبوعين، وافتقدت لمونتريال وأسرتي، وللمرة الأولى منذ أربع سنوات لم أكن قادرًا على التأكيد لأصدقائي إمكانية عودتي الصيف القادم.

عندما تقرأ، عزيزي المتابع، هذه الكلمات، أكون قد غادرت إسطنبول منهيًا 385 يومًا من الإقامة في عاصمة العالم؛ المدينة التي عشقها العالم، إسطنبول.