استقرار سورية المكلف

لم يكن استقرار سورية، منذ ما سُمي بالحركة التصحيحية، ممكنًا لو لم يتمكن النظام من ضبط الفسيفساء السوري بمختلف الوسائل، على رأسها القمع، ومن ثم إرسال رسائل غير مباشرة إلى جميع الأطراف الإقليمية والدولية حول إمكانية الاعتماد عليه، بصفته عامل استقرار في هذه المنطقة المضطربة؛ فضرب عصفورَين بحجر واحد؛ القيام بدور وظيفي يحميه، والعمل على توجيه أنظار رعايا الداخل، عبر الإعلام الدعائي وتهويماته، إلى قضايا خارجية. نجحت هذه السياسة، ولم تمضِ عدة سنوات حتى كان التدخل في لبنان عام 1976، وصولًا إلى التحكم بمعظم الفصائل الفلسطينية والقوى الأخرى على الساحة اللبنانية.

هذا الدور المهم، على الصعيد الإقليمي، مكّن النظام من تجاوز أحداث بداية الثمانينيات (الصراع مع الإخوان المسلمين والصراع على السلطة مع رفعت الأسد) وتطبيق سياسة أمنية محكمة، أماتت المجتمع السوري سريريًا حتى عام 2000، إذ حدث الانتقال إلى “العهد الجديد” فيما كان السوريون يفركون عيونهم بعد نوم ثقيل، عاجزين عن التفكير، ومع ذلك، مثّل الانتقال السلس أول اهتزاز لأكثر من عقدين من الاستقرار القسري.

في عام 2005، قادت الاتهامات باغتيال الحريري إلى انسحاب الجيش السوري من لبنان؛ ما دفع النظام، في محاولة للحد من عقابيل هذا الاهتزاز الثاني في الاستقرار، إلى الانفتاح على تركيا بصورة مستعجلة وغير مدروسة، وصار لصورة أردوغان نصيب بالعرض على الزجاج الخلفي لسيارات ذوي الحظوة (اللوحة الإعلانية للتحالفات السياسية في سورية)، ثم تُوّج هذا التحالف بعقد نحو 50 اتفاقيةً اقتصادية، عَدّها معظم المحللين الاقتصاديين لصالح تركيا؛ ما انعكس سلبًا على الفاعليات الاقتصادية في مدينة الصناعة الأولى، حلب، على وجه الخصوص.

عند اندلاع الانتفاضة السورية في آذار/ مارس 2011، كان البعض يأمل بأن يمتلك النظام الحكمة والشجاعة السياسيتين لمواجهة هذا الحدث المصيري بخطوات سياسية ودستورية استثنائية تجنب سورية المآل الأسود الذي وصلنا إليه، مع أن سياسته في تأبيد نفسه كانت واضحة، وهو الذي يعمل انطلاقًا من مبدأ: “من بعدي الطوفان”. كما أنكر إعلام النظام ما يحدث على الأرض، وبلغ ذروة لاعقلانيته عندما تحدث عن الدمى والنماذج المصنعة في الخارج لساحات التظاهر، في محاولته لإقناع جمهوره بأن الأمور تحت السيطرة.

وما إن دبت الفوضى في سورية، حتى تحركت أجهزة الاستخبارات الإقليمية والدولية، وقد وصل عددها إلى أكثر من 15 جهازًا، لجمع المعلومات وتجنيد العملاء، تمهيدًا لتدخل دولها وفرض استراتيجياتها ومصالحها. لم يدرك النظام، ولا معظم المعارضين من بعده، حجمَ تلك الأخطار التي ستحول سورية إلى ساحة لتصفية الحسابات وإدارة الصراعات، لا بل إنهما انخرطا فيها، اضطرارًا أو عن طيب خاطر.

في هذه المرحلة، ثمة عدة استراتيجيات تتصارع في سورية: اثنتان رئيستان، أميركية وروسية؛ واثنتان ثانويتان، لكنهما أكثر خطورة على مستقبل قيام سورية الجديدة، إيرانية وتركية، علاوةً على الكثير من المصالح الإقليمية المستقلة (الإسرائيلية) أو تلك المنضوية في إطار هذه الاستراتيجيات. يتم ضبط الصراع بين كل هذه الأطراف بحيث لا يصل إلى درجة الاصطدام المباشر، مع أنه يحدث بالوكالة عن طريق الميليشيات والجيوش المعتمدة على من يرعاها ويوجهها.

سنوات ست بقينا في انتظار التوافق الروسي-الأميركي، التوافق الذي بقي يراوح في مكانه، على الرغم من المسؤولية الأخلاقية المفترض أن تتحملها هاتان الدولتان. ومع أن كل قوة، من هاتين القوتين، مستقلة في عملها وتحالفاتها؛ فقد كان ثمة تنسيق بينهما، يتمثل حده الأدنى بمنع الاصطدام في الأجواء السورية، وكبح القوى الإقليمية، إلى أن أُعلِن مؤخرًا عن الاتفاق الروسي-الأميركي-الأردني (أين الطرف السوري؟) في السابع من الشهر الحالي. كانت المباحثات قد بدأت في شهر أيار، وتسربت أولى الأنباء عن هذا الاتفاق في 22 حزيران/ يونيو، وهي تتلخص بمنع الإيرانيين وحلفائهم من الوصول إلى الحدود الأردنية والإسرائيلية (مصلحة “إسرائيل” أساسية في هذا الاتفاق) والسماح بوصول قوات سورية نظامية حصرًا إلى المنافذ الحدودية مع الأردن (مطلب أردني)، بكلام آخر، إنشاء منطقة آمنة بعمق يتراوح بين 20 و30 كيلومترًا تُراقَب بصورة مشتركة من الروس والأميركيين.

يُعدّ هذا الاتفاق الأهم والأرفع مستوى بين الدولتين العظميين، فهو يمهِّد، في حال نجاحه، لاتفاقات أخرى تساهم في رسم حدود الصراعات وضبطها، بانتظار الحل السياسي المرتقب، حسب القرار 2245 ومؤتمر جنيف، كما جاء في الاتفاق. إن الأهم في هذا الاتفاق هو التوافق الروسي-الأميركي على العمل معًا، كما أنه سيؤثر على التنسيق الروسي مع إيران، وربما سيشكل امتحانًا صعبًا لهذا التنسيق.

من جهة ثانية، عملت الاستراتيجيتان الإيرانية والتركية على استغلال الفرص التي يوفرها الصراع الأميركي-الروسي. وإذا كانت الاستراتيجية الإيرانية محكومة بالحاجة الماسة للجهد الجوي الروسي، فإن الأتراك أيضًا عادوا للتفاهم مع الروس، تعويضًا عن استيائهم من السياسة الأميركية الداعمة للأكراد؛ ما مكنهم من احتلال جيب إعزاز-الباب في الشمال السوري، في مقابل سيطرة الحلف الروسي على حلب الشرقية. وما زالت تركيا تنتهز الفرص، وآخرها محاولات التوسع باتجاه عفرين. في كل الأحوال، يبقى الشمال السوري بانتظار توافق آخر روسي-أميركي، ستكون تركيا طرفًا فاعلًا فيه، للأسف.

مع استمرار هذه الحركيات الاستراتيجية، كيف يمكن أن تستقر سورية القادمة؟ وما هي السياسات التي قد تؤمن هذا الاستقرار؟

ترتبط نهاية الحروب والاضطرابات التي تشهدها المنطقة بالتخلّص من الاستبداد بشقيه الديني والدنيوي، واعتماد نسخة ما من الديمقراطية العلمانية في نهاية المطاف. صحيح أن ذلك قد يطول، وأنه لن يحل كل المشكلات، لكنه يُعدّ الخطوة الأولى نحو حياة شبه إنسانية. سورية القادمة لا تخرج عن هذا التوقّع، باستثناء خصوصية الموقع ودرجة تنوع مصالح الدول وتضاربها.

في كل الأحوال، سيرتبط استقرار سورية، على المدى الطويل، بوجود قوى سياسية لم تتلوث بموبقات الحرب وجرائمها، وقادرة على ابتكار سياساتٍ إنقاذية وسط تصارع الاستراتيجيات في سورية وحولها، واستنهاض حالة وطنية حقيقية تقطع مع “وطنية” ممسوخة كانت مجيَّرة لصالح فئة مستبدة، ما يضمن تحييد بلدنا، والتعامل مع الدول من باب المصلحة المشتركة، على سبيل المثال، يمكن تقاضي عوائد مالية، كبدل إيجار لاستخدام القواعد الجوية الأجنبية لأمدٍ معلوم. الاحتمال الثاني لضمان الاستقرار هو الدكتاتورية العسكرية التي يمكن أن تحكم بعد صراعات كهذي، مع أن حجم التداخلات الإقليمية والدولية يستبعد مثل هذا الخيار في المدى المنظور على الأقل. ويبقى الاحتمال الثالث، وهو الأسوأ؛ تقسيم سورية إلى مناطق نفوذ أو تقسيمها بصورة نهائية.