عن التطور الجديد في الصراع السوري

شهد الصراع في سورية، ثمّ على سورية، تطوراتٍ عديدة، منذ اندلاعه في آذار/ مارس 2011؛ ما جعل هذا الصراع يزداد صعوبة وتعقيدًا واستعصاءً على الحل بالطرق السياسية، وما أدى، أيضًا، إلى تهميش البعد الداخلي وغلبة أدوار الأطراف الخارجية وتوظيفاتها.

ويمكن تحقيب مسارات الصراع السوري بعدد من التطورات أو المحددات، أولها، التحول نحو الصراع المسلح، بسبب اعتماد النظام الحل الأمني حصرًا، والقصف بالطائرات والمدفعية والبراميل المتفجرة، في مواجهة ثورة السوريين، ثم بفتحه البلد على مصراعيه للتدخلات الإيرانية وميليشيات (حزب الله) وغيره فيما بعد. وثانيها، صعود الجماعات العسكرية ذات الخلفية الدينية-الطائفية، والمدعومة من الخارج، منذ صيف 2012، بحيث بتنا إزاء أول “انشقاق” في الثورة السورية، عنى معنى الثورة الوطني والسياسي، الثورة التي يُفترض أنها قامت لإنهاء الاستبداد، والتأسيس لسورية الجديدة على قيم الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية. وثالثها، غلبة البعد الخارجي في الصراع على البعد الداخلي، وهذا ما ترسّخت معالمه بعد صفقة “الكيماوي” آب/ أغسطس 2013، إذ في تلك المرحلة بات التدخل الروسي (بعد الإيراني) واللامبالاة الأميركية وتشرد السوريين، بمعنى خروجهم من معادلات الصراع، بمثابة الأسباب التي أدت إلى ديمومة الصراع السوري، وتفاقم تداعياته السلبية على السوريين، وعلى صورة ثورتهم. ورابعها، صعود (داعش) في المشهد السوري (بعد العراقي)، منذ صيف 2014؛ الأمر الذي أسهم في التشويش على الثورة السورية، وخدمة النظام بادعائه أن ما يجري حربًا ضد الإرهاب، وهو الأمر الذي ما زلنا نشهد تداعياتها حتى اليوم. وخامسها، دخول روسيا على خط الصراع المباشر، بواسطة سلاحها الجوي، وقواعدها في سورية، منذ خريف 2015؛ ما سهل إعادة تعويم النظام، واستعادته بعض توازنه، وهو ما حصل بعد إنهاء فصائل المعارضة المسلحة في حلب، أواخر 2016، وأعقبه فتح مسار مفاوضات أستانا (منذ أوائل هذا العام). وسادسها، تصاعد الصراع على الشمال السوري، بين القوات المشاركة في عملية (درع الفرات) المدعومة من تركيا، و(قوات سورية الديمقراطية) التي تشن عملية (غضب الفرات) ضد (داعش) في الشمال الشرقي من سورية وفي منطقة الرقة؛ ومن المتوقع أن يتفاقم هذا الوضع، إذا استمرت مواقف الأطراف على حالها.

الغرض من هذا التحقيب الذي يلحظ تطورات الكارثة السورية بكل أبعادها، ملاحظةُ تطورات وتحولات وتعقيدات الصراع السوري في كل مرحلة، وأيضًا ملاحظة أننا بتنا إزاء حقبة جديدة (سابعة)، تتمثل بدخول الولايات المتحدة دخولًا مباشرًا على خط الصراع في سورية، سواء بقواعدها المباشرة في الشرق والشمال الشرقي من سورية، وبقصفها مطار الشعيرات والقوات الحليفة للنظم قرب التنف، وخصوصًا بفرضها منطقة أمنية في درعا والقنيطرة والسويداء، بالتوافق مع روسيا، وبإصرارها على استبعاد أي تواجد عسكري لإيران والميليشيات العراقية واللبنانية والأفغانية التي تتبع لها عند الحدود الشرقية مع العراق، وفي الجنوب، وهما تطوران غاية في الأهمية، وقد يطبعان، على الأرجح، المشهدَ السوري بطابعهما، في المرحلة المقبلة.

ما يفترض الانتباه إليه، بخصوص هذه التطور الجديد، أولًا، أن روسيا لم تعد وحدَها من يتحكم بوتائر الصراع في سورية، بعد تحديدها الدورَين الإيراني والتركي، إذ باتت الولايات المتحدة معنية مباشرة بهذا الأمر، فمهما كان موقفنا منها، فإن ما ينبغي أن يشكل مركز اهتمامنا في سورية هو تحجيم الدور الروسي (والإيراني طبعًا)، لأن هذين الطرفين هما من يدعم موقف النظام، وهما من أسهم معه بقتل السوريين، وتدمير عمرانهم، وتشريدهم ومفاقمة مآسيهم. وثانيًا، أن وجود منطقة آمنة، بحجم ثلاث محافظات هي القنيطرة ودرعا والسويداء هو أمر مهم للسوريين؛ لأنه يجنّبهم مزيدًا من القتل والتدمير والتشريد، كما أن ذلك يمكن أن يشمل مناطق أخرى مستقبلًا، هذا مع علمنا أن النظامَ وحلفاءه هم الذين يمتلكون القدرة على القتل والتدمير والتشريد، وأن السوريين هم من يدفع الثمن، أي أن وقف هذه المسارات يسهم في إضعاف النظام السوري. ثالثًا، إن هذا التطور من شأنه أن يكرس تحجيم النفوذ الإيراني، في سورية، وفي عموم المشرق العربي، ومن شأنه أن يضع حدًا لأحد أهم أسباب الصراع السوري وبقاء النظام السوري.

أخيرًا، أعتقد أن هذه المرحلة تحتاج إلى قراءة سياسية، مسؤولة ومتأنية من قبل أطراف المعارضة السورية، وأيضًا، احتسابها وفقًا لمصالح السوريين الحقيقية، وليس وفقًا للمصالح الضيقة أو وفقًا لمصالح هذه الدولة أو تلك.