محاولة ثانية لاغتيال سمير قصير في عرسال

وسط حشود الألوف من اللبنانيين، في ساحة الشهداء في بيروت، والابتهاج بنشوة الانتصار على الوجود العسكري السوري الذي احتلّ لبنان ثلاثة عقود (1975 – 2005)، صدحت حنجرة سمير قصير، ينبههم عن خطورة الإساءة للسوريين المتواجدين في لبنان، موضحًا أن هؤلاء هم أيضًا مثل اللبنانيين ضحايا القمع والبؤس الذي تصنعه سلطة الدكتاتور في سورية، ووجّه نداءاته للحشود مبينًا أن التناقض بين اللبنانيين وسلطة الطاغية، وليس بينهم وبين الشعب السوري العظيم.

هذا الموقف أسسه سمير قصير، بمقوماته العميقة في وعيه، فهو من رأى أن استقلال لبنان لا يتحقق دون انتصار الديمقراطية في سورية، ولا استقلالَ حقيقيًا في لبنان دون انتهاء النظام البوليسي الأمني في سورية ونظيره اللبناني.

لم يكن سلاحه حزامًا ناسفًا، ولا برميلًا من الديناميت ليُرهب أحدًا بالقوة وتحت التهديد بالموت. الكلمة والفكرة بالقلم والحنجرة كانتا سلاحه الوحيد وبامتياز، فانقضوا عليه بآلة القتل وبتنسيق بين القتلة في البلدين (مخابرات سلطة الأسد وشراذم العصابات اللبنانية التي ترفع راية: “المقاومة والممانعة” بوجه أميركا و”إسرائيل”)، فمزّقوا جسده أشلاءً، ولم يخلصوا من رعبهم وخوفهم من أفكاره التي هي مشتركة مع مئات المثقفين اللبنانيين.

الكلمات التي وجهها قصير للحشود في ساحة الشهداء 2005، بعدم الإساءة للسوريين أو المساس بمصالحهم وكرامتهم، كان بسبب حوادث فردية لا مرجعية وراءها أو سلطة، ولم ينتج عنها أي جريمة قتل. أما ما شهدته تجمعات النازحين السوريين في لبنان، منذ اضطرارهم للحفاظ على أرواحهم، مغادرة مدنهم وبلداتهم، فهو عمليات قتل واضطهاد وإساءة لها مرجعياتها، هي نفسها التي قتلتهم في سورية ودمرت ممتلكاتهم. فـ “حزب الله” الذي ذهب شريكًا لسلطة بشار ضد مطالبة السوريين بالحرية، هو المحرك الأساس للحقد على النازحين السوريين في لبنان، سواء بتعبئة بيئته الحاضنة بروح البغضاء العنصرية والطائفية، بإشاعة فكرة أن المنبت الطائفي لهؤلاء النازحين يضعف من وزن طائفة الحزب، أو بتوظيف شعار “الحرب على الإرهاب” ومنعه من الانتشار في لبنان، ليسوّغ بتلك الدعايات كل أعمال الجبن والنذالة التي ارتكبتها ميليشياته ضد النازحين السوريين، مع عصابات مسلحة لبنانية أخرى، أو تلك التي تقوم بها القوات “النظامية” اللبنانية، ويد “حزب الله” هي التي تمسك بقرارها، وهو ما يعرفه الجميع.

عشرات الضحايا من النازحين السوريين أزهقتهم أعمال الانتقام التي مارسها الطائفيون العنصريون، الذين أقل ما يقال فيهم: “أنهم أسوأ ناكرين للجميل”. وما جرى في بلدة عرسال في الأسبوع الأخير، وتداعياته بعد اجتياح قوات عسكرية وأمنية لبنانية لتجمعاتهم في البلدة، ساذج وغبي من يصدق أنها جريمة جاءت في إطار ملاحقة “الإرهابيين” بعملية استباقية ووقائية! فما معنى القتل تحت التعذيب لأشخاص تم اختطافهم من عرسال وقبل اتضاح نتائج التحقيق، بل قبل بدء التحقيق الفعلي معهم.  وتكشف التصريحات المتكررة لأقطاب في النظام اللبناني أن ما جرى في جريمة عرسال يأتي ضمن أجندة سياسية مشتركة بين “حزب الله” وبطانة ميشيل عون. فالتصريحات المتواصلة حول ضرورة إعادة السوريين إلى بلدهم، والإيحاء العنصري، لتعبئة المواطن اللبناني ضدهم، بالقول إن “تكاثر الزبالة” سببه السوريون، وتشوه مناظر المدن كذلك، فضلًا عن الكلام المتكرر عن فرص العمل التي يسرقها السوريون ويحرمون اللبنانيين منها. وهؤلاء من بطانة رئيس الجمهورية ميشيل عون، الحليف الصادق والمخلص لـ “حزب الله”، والملتزم بالحزمة الأهم من أجنداته.

إن ما جرى في عرسال، وما يمكن أن نشهده من جرائم عنصرية جديدة بحق النازحين السوريين في لبنان، آثاره المأسوية المفجعة التي لحقت بالسوريين، هي النتيجة المباشرة للجريمة، لكن ما هو أبعد وأعمق من المباشر والمتوقع يحيلنا إلى الفكرة التي أعلنها سمير قصير، وتوصل إليها عدد كبير من المثقفين الديمقراطيين اللبنانيين، وهي: “أن الديمقراطية في سورية هي التي تضمن الاستقلال الحقيقي للبنان”. فالعمل الدؤوب للقوى الفاشية والعنصرية اللبنانية، لتدعيم بقاء سلطة الأسد في سورية، ينطوي على تلمُس لمآل لبنان الحالي إذا انهارت سلطة الطغيان في سورية. ويشكِل التنكيل بالسوريين في لبنان أحد الطرق الخسيسة والإجرامية لجعل السوريين في بلداتهم يفضلون البقاء تحت سلطة الطاغية، على الرغم من الموت والتدمير، على التفكير بالنزوح إلى لبنان باعتباره محاذيًا لسورية والوصول إليه ليس مكلفًا كالوصول لبلدان أوروبا. كما تستشعر تلك القوى اللبنانية العنصرية خطورة هذا العدد من السوريين، في حال انهيار سلطة الطغيان في سورية، افتراضًا منها بأنهم سيشكلون رافدًا للتغيير في لبنان نحو استقلاله وديمقراطية النظام فيه، بعيدًا عن أجندات طهران التي تعتمد على تغلغل حزبها وميليشياته “حزب الله” في المجتمع ومؤسسات السلطة، والأمنية العسكرية منها بشكل خاص.

لقد كشفت تجربة الثورة السورية، من خلال تعاطي القوى السياسية في لبنان مع مجرياتها، أن القوى المرعوبة من التغيير الديمقراطي في سورية، هي ذاتها التي تسعى لترسيخ النظام البوليسي الأمني في لبنان، وترى في الثورة السورية والشعب السوري عدوًا لسلطتها وبرامجها ومصالحها. وهي أول من أدخل الإرهاب إلى لبنان، بعمليات الاغتيال والتفجيرات والتهديدات التي استهدفت دعاة الحرية والاستقلال. وسمير قصير كان أحد ضحايا تلك الجرائم التي لم تتوقف حتى اليوم، ولن تتوقف إلا باستقلال لبنان عن سلطة الطاغية في سورية، وتحرره من أدوات السيطرة التابعة له وللسلطة الظلامية في طهران.

أختم بالقول إن الجرائم التي يتعرض لها السوريون في لبنان جاءت لتؤكد أن لبنان المستقل لن يقوم إلا بسقوط الطغيان من سلطة الأسد على مقدراته. ومحاولة هذه الأدوات الفاشية اغتيال فكرة سمير قصير، ستفشل، وسيتأكد من لم يتأكد بعد، أن جريمة عرسال وغيرها وغيرها، هي جزء من استهداف لبنان لإبقائه مرتهنًا لعصابات طائفية فاشية، تدعمها العصابة الهمجية القاتلة المتسلطة على سورية، وتحركها “دولة” ظلامية متوحشة بقيادة ملالي طهران.