المواطنة والمجتمع الديمقراطي

تحتاج البشرية باستمرار إلى صياغة رؤاها ومواقفها، والصياغة وسيلة لغايات إنسانية أهمها غاية الحرية، وغاية التقدم، وغاية المساواة، وضمن هذه الصياغة يبقى الفرد غاية في حد ذاته لا وسيلة؛ لأنه أسبق من المجتمع وأسمى منه.

والحرية في جدل الإنسان، هي للإنسان وحده، وإن فهمنا يكون بمعرفة كيفية قيادة الإنسان حركة التطور عن طريق إخضاع المادة والفكر لإرادته، وإن كل محاولة لإيقاف حركة التطور هذه هي محاولة مضادة للحرية، لأنها غاية كل الغايات، وتاريخ الإنسان يتجه إليها. وكل خطوة نحوها هو تقدمٌ، وكل قيد عليها هو تأخر.

وإذا ما عرف الفرد المعنى الحقيقي للحرية، فإنه بالضرورة سيختار المشاركة في تقدم المجتمع والبشرية بإرادته الحرة. والحرية لم تعد من اهتمام الفلاسفة والمفكرين فحسب، بل أصبحت تشغل الحكام والمواطنين لحل مشكلات، كمشكلة الحرية والسلطة، ومشكلة الحرية والدولة، ومشكلة الحرية في المجتمع.

وبما أن الحرية هي وعي الضرورة، كما عرفها (سبينوزا)، أي معرفتها وتفهمها وتغييرها، بمعنى إحلالها إذا كانت مناسبة للذات الإنسانية، وتحريرها إذا كانت غير مناسبة؛ فإن الحرية والضرورة مرتبطتان معًا وليست كل منهما غريبة عن الأخرى، فالضرورة: هي الواقع السائد في مرحلة ما، بكل مضامينه ومعطياته ومناحي تطوره، وهي ليست عقبة في وجه الحرية، بل هي إغناء لها.

وإذا كانت الحرية هي القدرة على عمل كل ما لا يضر بالغير (بحسب المادة 4 من إعلان حقوق الإنسان)، فهذا يعني أنها قدرة الاختيار، والاختيار ليس حالةً، وإنما هو فعل تفرضه الحياة، ويعني أنها الأساسُ في تحمل المسؤولية، وهي فعل التغيير الإنساني المستند إلى وعي معرفي عميق وشامل، أي أن الحرية، هي مطابقة الحرية لنفسها، وهي فعل ممارسة الحرية، إنها فاعليتنا، وإلا سقط الفرد في (حرية الخواء)، حسب هيغل.

لا تتحقق الحرية إلا في حالتين خالصتين وهما المجتمع والدولة. ولا تكون حرية إلّا وهي معانقة للواقع لتتجاوزه إلى حريتها الحقة. وبذلك تكون الممارسة التغييرية المنظمة، ويكون الإنسان حرًا بقدر ما يسهم في عملية التغيير، وتكون الحريات كلها أساسية ومتناسقة، ويستطيع المجتمع المدني المتقدم تجاوزَ ما يبدو من تنازع، بما تضعه قوانينه من حدود تكفل للأفراد حريتهم ضمنها. وكما يقول أديب إسحق، وهو أحد مفكري عصر النهضة العرب، في (الكتابات السياسية الاجتماعية): الحرية ثالوث موحد الذات، متلازم الصفات، يكون بمظهر الوجود فيقال له الحرية الطبيعية، وبمظهر الاجتماع فيعرف بالحرية المدنية، وبمظهر العلائق الجامعة فيسمى بالحرية السياسية.

إن الحرية مقدسة، سواء في أوامر الديانات المقدسة أو القوانين الاجتماعية أو العقود الاجتماعية، وكلها تدعو إلى تأكيد حقوق الأفراد والحريات العامة، وخضوع السلطة السياسية لحكم القانون.

يرتبط تعريف الحرية بمعنى المواطنة الحرة الفردية داخل حيز سياسي–اجتماعي، يشتمل على بعض المسؤوليات حيال ذلك الحيز نفسه، وتتطلب هذه المسؤوليات بعضًا من المحرض الحقيقي من أجل النهوض بها إراديًا، وهو محرض سيادي بدوره، بروح داخلية تحث على التضحية والخدمة وممارسة ضبط الذات، من منطلق أن المواطنة السليمة هي إطار العمل لتعريف الحرية المدنية داخل المجتمع الديمقراطي.

إن الحرية هي امتياز غير محدد ولا مسبب، وهي في حدها الأدنى المقدمة لإنشاء الحق، والحرية أكثر اتساعًا، وهي أصل الحقوق كافة (الفقيه الفرنسي جوسبران نظرية التعسف باستعمال الحق)، والحرية والحق من منبع واحد، والحرية هي الأصل العام لكافة الحقوق، وإن الحرية التي لا تبنى على العدالة كلمة فارغة مليئة بألوان الخداع.

الحق ليس مقولة إنسانية مجردة، بل هو تعبير تاريخي وضرورة تاريخية لتنظيم علاقات المجتمع، ويرتبط بالمجتمعات البشرية، ويتطور بتطورها، ويظل دائمًا أمرًا اجتماعيًا محددًا بمجموعة من المعايير والقوانين. والحقوق هي حصيلة تطور ثقافة الإنسان في مجتمعه، ومضمونها لا يوجد إلاَّ بالتماس مع حقوق الآخرين في المجتمع. وحقوق الإنسان هي حبل النجاة للمواطن، لذا يجب رفع مستواها من الالتزام الأخلاقي إلى الالتزام القانوني، ومن نطاق الأمل والنظرية إلى نطاق العمل والواقع، وأمل الإنسان في المستقبل والمصير هو همه الدائم.

تقييدًا للنزاع الدائم بين الحرية والنظام العام، قدّم التاريخ قاعدة صحيحة تُعتمد أساسًا لنظام حكم سليم يضمن مصلحة المواطنين إلى أطول السنين، وهذه القاعدة هي حق الشعب في أن يكون هو سلطة الحكم على صلاح الحاكم ومحاسبته في الثواب والعقاب، وأن الهدف من وجود السلطة السياسية هو تنظيم المجتمع، وضمان انسجامه، وصون الحرية وحمايتها. وفرضت الفلسفة الديمقراطية على السلطة احترام الحريات باعتبارها مقدسة، وقررت أنه في حال حدوث تعارض بين السلطة والحرية، فإنه يجب تغليب الحرية.

لقد خاض الإنسان معارك هائلة من أجل الديمقراطية، ومرَّ بتجارب كثيرة، وأعمل المفكرون عقولهم طويلًا في استخراج بعض منها وتحديده وتوضيحه وتعميقه، انطلاقًا من أن الديمقراطية ضرورة مجتمعية، وضرورة لدولة المواطنة، وضرورة للمجتمع المدني، وضرورة للهوية والانتماء، وضرورة للمؤسسة التي هي سلطة تنظيم حياة الناس، وضرورة لوحدة النسيج المجتمعي، وضرورة للعدالة الاجتماعية.

حددت مرجعية الديمقراطية بأنها الاجتهاد الإنساني المتحرك، انطلاقًا من أن الديمقراطية هي نظام الجدل الاجتماعي، ووسيلة الشعب في إدراك مشكلاته وحلَّها، وتنفيذ الحل بالعمل. وهي نظام تجد الحرية فيها مضمونها، حيث تكون حرية الحياة آمنة من الخوف والجوع والمرض، وحرية الفكر (علمًا وثقافة) متاحة ومزدهرة بدون إرهاب وتسطيح، وتكون الحرية السياسية إسهامًا إيجابيًا في الحكم والحفاظ على الدولة، وهي إدراك مستحدث للحاجات الاجتماعية المتلائمة مع التطور، حتى لا تترك حريات المواطنين وحياتهم لمخاطر الاجتهاد في الممارسة الفعلية، وتصبح منوطة بأهواء الحكام.

وبما أن الديمقراطية هي تجربة الروح البشرية السارية في التاريخ، حسب تعبير هيغل الذي يحتم أن تتحقق الحرية والمساواة للإنسان بما هو إنسان. أو يتحقق العقل في عالم الواقع، وهو يقضي بأن يحكم “الفرد نفسه” كما يحكم الشعب نفسه، سواء بسواء، أي أن يتحقق الاستقلال الذاتي للفرد، كما أشار كانط، وتكون حريته هي التجديد الذاتي، بحيث يأتي سلوكه معبرًا عن ذاته، كما قال هيغل، أو أن يضع هو نفسه القوانين التي يسير عليها فيصبح هو الذي يحدد نفسه بنفسه لنفسه، كما أشار لنكولن.

من هذه المفاهيم، تكون الديمقراطية وسيلة من وسائل تنسيق المصالح الإنسانية المتنوعة، ضمن مستويات ثلاثة في وقت واحد: مصالح الأفراد، ومصالح المجموعات الاجتماعية والعلاقات القائمة بين الدولة، ومصالح التراث الثقافي لبني البشر جميعًا.

ما يجب أن يبقى ماثلًا هو أن المجتمع المدني هو مكان الديمقراطية ومنبتها، أي المكان الذي تتحد فيه المجموعات والاتحادات والنوادي والنقابات والمؤسسات والاتحادات والأحزاب مع بعضها، لتشكل حاجزًا بين الدولة والمواطن، وأن المجتمع المدني هو الصورة المثلى للديمقراطية، وهو ضرورة حيوية لها، وهو الذي يحافظ على حيوية الديمقراطية وديمومتها، بشحنها، دومًا، بقوة التجدد التي تمكنها من إعادة الانطلاق في ثوب جديد، كلما استهلك الزمن شكلًا قديمًا لها، ويكون المجتمع الديمقراطي ضمان التجدد وشيوعه، وتتطلب الضرورة التاريخية الاستمرار لإنجاز عملية تغير ديمقراطي عميق، انطلاقًا من أن العلاقة بين الواقع والفعل التغييري علاقة اعتماد متبادل وتداخل، أي أن الواقع يحمل في بنيته عوامل تغييره، وأن الواقع الموجود يتلازم مع الممكن المطلوب تلازمًا بنيويًا.

إن التعددية في الديمقراطية ليست كمًّا، بل هي نوع وكم، وبذلك تكون الديمقراطية هي اشتراك الشعب في تنظيم مشاريعه الحياتية، وتقرير مصيره، وهي انسجام القوانين والمؤسسات وآلية تنفيذها مع الأحكام السياسية التي تحدد أفعاله اليومية وتوقعاته المستقبلية مع حسه الثقافي والأخلاقي والاجتماعي، وحينما تختفي الديمقراطية كنظام حكم، يختفي معها الحديث عن الحرية.

بهذا المفهوم، فإن الديمقراطية بمعناها العام هي طريقة في الحياة يستطيع فيها كل فرد في المجتمع أن يتمتع بتكافؤ الفرص، عندما يشارك في الحياة الاجتماعية، وهي الفرصة التي يتيحها المجتمع لأفراده للمشاركة بحرية في اتخاذ القرارات في نواحي الحياة المختلفة؛ ولذلك، فإن القوى الديمقراطية في المجتمع الديمقراطي تناضل لتحقيق إرادة الشعب كسلطة عليا، بهدف تأسيس دولة يحكمها قانون عادل يعبر عن مصالح المواطنين، كما يهدف إلى خلق إحساس بعدالة القانون من خلال مؤسسات الدولة، ويعمل على توفير الشروط القانونية والسياسية الأساسية لحماية استقلالية هذه المؤسسات وتطويرها باستمرار نحو تأمين العدالة، وبهدف تنمية العامل السياسي لسيادة الدستور والحرية والديمقراطية.

المجتمع الديمقراطي يمد، دومًا، النظام الديمقراطي بالوقود الدائم، ويقيم حوله سياجًا لحمايته واستمراره، ويقاوم أي انحراف نحو الاستبداد لأنه هادر للقيمة الإنسانية للإنسان، ومصادر لحريته وكرامته، ومنتج لأحادية في الحياة الاجتماعية، ويفقد التنوع في البنى والمؤسسات التي تُعدّ ضرورية من أجل عملية التطور الاجتماعي، ومن أجل تحقيق مجموعة القيم والمفاهيم الديمقراطية لأفراده، ونقل ثقافتها السياسية وترسيخها في ضمير المجتمع، بما يضمن بقاءها واستمرارها في الزمن عبر مجموعة من المعايير، تترجم بدورها إلى سلوك ومعتقدات وقيم يلتزم بها الأفراد، وهي تنتقل إليهم من ثقافتهم عبر الأجيال المختلفة، ومن أهم هذه القيم: تقدير المشاركة العامة في اتخاذ القرار، وضمان حرية التعبير، ومسؤولية الفرد عن أعماله، والاهتمام بالحقوق الإنسانية، والابتعاد عن استغلال الآخرين، وتحقيق العدالة بين جميع أفراد المجتمع، وقياس القيم والاتجاهات التي توجه سلوك الأفراد في المواقف المختلفة.

من خلال آليات الديمقراطية، يمكن اكتشاف مصالح الشعب كحقيقة تاريخية، وتنظيمها بناء على أهميتها، ومن هذه الآليات: الانتخابات – حرية الرأي – حرية التنظيم – السلطة المضادة – التجدد السلمي للسلطة – المشاركة – فصل السلطات – استقلال القضاء كي لا يتغلف الظلم برداء العدل، وعبر سلوك ديمقراطي، يتصف بــ: المشاركة الاجتماعية والمساواة في هذه المشاركة – الاجتهاد في فهم الآخرين واهتماماتهم – تقبل الآخرين على أنهم متساوون بينهم جميعًا – حصر الصراع خارج مرحلة العنف – تقبل الاختلاف على أنه أمر محتوم وطبيعي.

يهدف المجتمع الديمقراطي إلى بناء المواطنة السليمة، المواطنة بوصفها مفهومًا وقيمًا حضاريةً وسلوكًا. كي تدل المواطنة، ضمنًا، على مرتبة من الحرية مع ما يصاحبها من مسؤوليات، وهي تسبغ على المواطن حقوقًا سياسية (دائرة المعارف البريطانية). وهي أكثر أشكال العضوية في جماعة سياسية اكتمالًا (موسوعة كولير الأميركية). وعليه فإن استخدام كلمة “المواطنة” يصبح مقرونًا بالسعي إلى المساواة والمطالبة بالعدل والإنصاف وممارسة المشاركة السياسية بالنسبة إلى جميع من يحمل جنسية الدولة.

إن المرونة في التعبير عن متطلبات مفهوم المواطنة لا يجوز أن تصل إلى حد الإخلال بمتطلبات مراعاة مبدأ المواطنة بما يحتوي عليه من عناصر ومقومات مشتركة لا بد من توافرها مع وجود الشروط والحقوق القانونية والدستورية وضمانات المشاركة السياسية الفاعلة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تمكن المواطن من التعبير عن رأيه ومصالحه بحرية.

وختامًا، يكون الوطن عزيزًا ومنيعًا بأبنائه، ويكون أبناء الوطن أعزاء بقدر وعيهم لحريتهم وممارستها، ويتكوّن هذا الوعي من خلال معرفة الحقيقة، وقدر كبير من هذه الحقيقة لا يصل إليه المواطن إلاّ في نظام ديمقراطي.