السوريون وسؤال المستقبل

منذ دوران عجلة الحراك فوق دربها الوعر وانتشار “العسكرة والأسلمة”، دخلت سورية في معترك الأزمة المركبة التي تُعدّ الأولى من نوعها، في مقياس الأزمات الدولية ما بعد الحرب العالمية الثانية؛ فالانتقالات المتسارعة، نحو التدخلات الإقليمية والدولية والمنظمات العابرة للحدود “داعش والنصرة”، وما رافقها من خلط أوراق واصطفافات، فرضت متغيرات كثيرة في النظرة العامة للسوريين إلى ما حدث ويحدث في سورية.

شهد المجتمع السوري، منذ بداية الحراك، انقسامًا واضحًا بين ثلاثة أطياف، وهي الموالاة والمعارضة والأغلبية الصامتة، هذه الأغلبية الصامتة التي لم تكن يومًا صاحبة موقف أيديولوجي، بالمعنى السياسي، كما هو حال المتحاربين والمتحزّبين لهم، ولم تستحوذ عليها الرغبة في التغيير، مهما كانت التوقعات والوعود مرتفعة من هذا التغيير؛ وبالتالي لم تنخرط مباشرة في العنف الدائر، إنما حاولت التأقلمَ مع المستجدات والآثار السلبية المباشرة للصراع، دون الدخول الفعلي في معتركه، أو حمل السلاح بوجه أحد الأطراف، أو تحميل طرف دون آخر مسؤولية ما آلت إليه الأمور؛ وهذا لا يمكن ردّه فعليًا إلى سلوك يتمثل في حب البقاء والاستمرار، أو إلى التعاطي بعبثية “فخّار يكسر بعضه”، ثم النوم على الجهة المريحة في تبريرات الحرب وحججها فحسب، وإنما إلى الأخطاء الكبيرة التي انتهجها الطرفان؛ فهذه الأخطاء شكّلت ميزانًا شديد الدقة بالنسبة إلى كثيرين ممن يمارسون عملية النقد لكلا الطرفَين، بعيدًا عن تركيبة “مؤيد-معارض” التي ترجّح كفة الإدانة لأحد الطرفين، كأن ترى أن المعارضة هي السبب في كسر حالة الاستقرار، أو أن تدينَ النظام وسياسته الاقتصادية والاجتماعية وعجزه عن الإصلاح، كسبب لما حدث من انفجار، لكنها لا تتجه نحو الحدّية في موقفها النقدي المعلن الذي تتخذه التصنيفات التي واكبت الحراك “الموالاة والمعارضة” والتي لم يكن لها في ميزان القوى سوى دعم هذا ومساندة ذاك في البداية، ثم انكفأت عن المساندة العملية لهما مع ازدياد حجم القتل، وهو ما تجلّى عند جمهور كبير من “الموالاة” في الامتناع عن إرسال أولادهم للقتال إلى جانب النظام، على الرغم من شراستهم بالدفاع عنه، وعدِّ مَن يعاديه خائنًا وإرهابيًا تجب تصفيته، وعند جمهور كبير من المعارضة في كمية النقد الموجهة، لتشكيلات المعارضة التي توكّلت بتمثيل الثورة، لتحاور وتجادل باسمهم في المحافل الدولية، وتحديدًا “المجلس الوطني السوري” و”الائتلاف الوطني السوري” و”الهيئة العليا للمفاوضات”، وهي التي فشلت في العمل السياسي على الأرض والتواصل مع ناشطي الثورة وتشكيل رافعة سياسية لحراك المنتفضين ومطالبهم في نيل الحرية والكرامة، وفشلت في انتقالها نحو العنف المنظّم في تشكيل ذراع عسكري موحّد، يعزّز موقعَها السياسي في المحافل الدولية، على الرغم من رهانها على الميدان وإمكانية الحسم العسكري الذي لن يتسنى له النجاح، دون وجود توافق دولي إقليمي، حول مصير سورية، وستفشل أكثر في عدم امتلاكها أي برنامج واضح لما يسمى المرحلة الانتقالية، واعتقادها بأن رحيل النظام هو شرط كاف لاستقرار سورية.

الوضع السوري المعقد وتداعياته السريعة، في حربٍ لم تسفر عن منتصر، انعكس فعليًا على قطبَي الصراع؛ فالهيئات المعارضة المشار إليها سابقًا لم تستطع خلق فرصة حقيقة لمحاولة لملمة خرابها، على الرغم ممّا تعرضت له من النقد والاستنكار حتى من كوادرها، والموالاةُ -وإن بدت أكثر تماسكًا وتمسّكًا بقيادتها- معظمُها بات يرفض ما وصلت إليه الحال من حجم الدمار والدماء التي لم تعد تلقى مبررات كافية بأذهانهم، إضافة إلى الانتهاكات الكثيرة التي يقوم بها أزلام النظام، بحقهم وبحق بقية الشعب، أما الغالبية الكبرى التي تتعاطى مع الواقع بعيدًا عن أدلجة المتصارعين ودورانهم في حلقة مفرغة، على الرغم من استعار الحرب، فهي لم تعد تفرّق كثيرًا  بين الموالاة والمعارضة الذين نصّبوا أنفسهم ناطقًا باسم تلك الأغلبية، في محاولة لإضفاء الشرعية على ما يمارسانه بحقها، ولن تتأثر كثيرًا حتى لو خسرت الطرفَين معًا، بعد أن بات واضحًا أن جلّ اهتمامهما يقع على كيفية إرضاء كل منهما القوى الداعمة له. فهذه الأغلبية تسير بما يمليه عليها تطوّرُ الصراع وتأمل إيجابيات نهايته، بما يحسّن شروط حياتها واستمرارها الذي لا يتم دون استقرار، والذي ترجمه الطرفان -المعارضة والنظام- بأنه سيقبل بأي “منتصر” تتوافق عليه الدول العظمى، في إدارة ما يسمى المرحلة الانتقالية، وهذا ما بدا واضحًا في تعاملهم حتى الآن مع هذه الأغلبية على أنها “قطيع” سيمشي خلف القوة، قوة السلطة أو قوة العقيدة الدينية. هذا الرهان المسنود إلى رغبة معظم السوريين بالخلاص من الحرب وتبعاتها ليس قطعيًا؛ فبعد كل هذا العنف والدمار وما دفعته هذه الأغلبية من أرواح ونكبات وتهجير وفقر، فإنها لن ترضى بذاك “المنتصر” الذي لا يترافق وجوده مع خلق سلم أهلي في سورية، والتعويض المادي والمعنوي على المتضررين، وتحسين أوضاعهم المعيشية كحد أدنى.

المجتمع السوري، بكافة تصنيفاته السياسية، وقد تحوّل إلى حطب تتغذى عليه كافة النيران المنتشرة، كان -وما يزال- المستهدفَ بالأنشطة العسكرية الدامية على الأرض، والأنشطة السياسية التي يقوم بها النظام والقوى الرافضة لوجوده على حدّ سواء في المحافل الدولية، لكن لا دور له بتطلّعات الطرفَين لإيجاد مخارج للحرب، وكيف ستدار دفة الحكم لاحقًا، فالحرب لن تدوم إلى الأبد، ويبقى السؤال: هل ستستطيع الحكومة المؤقتة، مهما كانت تركيبتها، الاستمرارَ إن لم تكن قادرة على تحقيق شروط السوريين ككل؟