الداعشية

تتحول بعض المظاهر السياسية أو الأيديولوجية أو الوقائع التاريخية إلى شبه مفاهيم عامة ذات دلالة عامة، تتجاوز الظاهرة نفسها؛ فالنازية -كظاهرة قومية ألمانية عرقية، وممارسة مرتبطة بها- صارت مصطلحًا، يُطلق على كل ما يشابه في جوهره النازية، وقس على ذلك الفاشية والمكارثية.. إلخ. وهذا ينطبق على ظاهرة (داعش) التي أصبحت مصطلحًا ذا ماهية تنطبق على ظواهر متعددة.

كلّ وعي نكوصي عنفي متعصب، سواء أخذ تصوراته من الدين أو من الأيديولوجيا القومية أو من الطائفية أو من أي أيديولوجيًا أخرى، هو “داعشية”. وبالتالي؛ فإن مواجهة (داعش) لا تتم ولن تتم ولن يصيبها النجاح إلا إذا كانت مواجهةً نقيضة كل التناقض مع (داعش)، فلا يمكن للجماعات التي تنطوي على ماهية (داعش) أن تكون نقيضًا لـ (داعش)، حتى لو انتصرت على (داعش).

جميع الميليشيات العنفية المقاتلة المرتبطة بإيران، وتقاتل من منطلق طائفي إلغائي للآخر، وعلى أساس طائفي متعصب، وتسعى نحو توسيع سلطة دولة ولاية الفقيه، بوصفها دولة دينية، هي ميليشيات داعشية. ودولة الخلافة التي وقفت وراء سلوك (داعش) بكل عنفها، لا تختلف من حيث الكيف عن دولة ولاية الفقيه التي تقف وراء الميليشيات الطائفية التي أنتجها وليّ الفقيه وحرسه الثوري.

علينا هنا ألا نأخذ الاختلاف الشكلي – الكمي للتمييز بين هذه الجماعة أو تلك من جماعات النكوص التاريخي العنفية، بل يجب النظر إلى الجوهر، إلى الهوية المشتركة، إلى الكيف الذي لكل جماعات النكوص التاريخي الإسلاموي، سواء كان نكوصًا تاريخيًا شيعيًا أو نكوصًا تاريخيًا سنيًا، وهو في كل أحواله نكوصٌ، يتميز بأهداف سياسية تخرج عن ماهية الدين الأخلاقية وطقوس الإيمان الخاص.

بهذا المعنى، كلّ تسييس للدين مرتبط بسلوك عنفي أو ما يشبه العنفي أو لا عنفي، مهما كان شكله ومضمونه، هو نمط من أنماط الداعشية. وليس هذا فحسب، بل كل من يجعل أيديولوجيا ما، أيديولوجيا شبيهة بالأيديولوجيا الدينية المتعصبة هو، ودون أن يدري، داعشي بامتياز.

ولهذا، ولا شكّ عندي، فإنّ الداعشية، بالمعنى العام الذي أشرت إليه، خطرٌ على مسار الحرية والتقدم والأمن والسلم الأهلي وعلى البلاد والأوطان.

قال ماركس يومًا: “لكي يتحرر اليهود يجب تحرير المجتمع من اليهودية”، وهذا ينطبق على الصراع مع (داعش) بكل ألوانها وأشكالها؛ فلكي نتحرر من (داعش) علينا أن نتحرر ونحرر المجتمع من الداعشية كلها، وليست القيمُ الإيجابية المناقضة للداعشية، بما هي ظاهرة كلية بخافيةٍ على أحد: إنها السلم والأمن والحرية والمواطنة والتنمية والسعادة والإيمان بمستقبل أفضل، قيم الحياة الكريمة. أما قتال (داعش) بداعشية مقابلة؛ فهذا نوع من المسخرة التاريخية السيئة النتائج.