بين جدي وحفيدي

تمرّ في رأسي بين حين وآخر صورةُ جدي، مقرونة بصورة حفيدي؛ فأتساءل: هل بقي شيء من عصر جدي، من قيم ومعتقدات وأفكار ونظم مجتمع، يوائم عصر حفيدي ويلائمه؟ وهل تصلح أسس وقيم وأنظمة وأفكار تلك الأجيال القديمة لنلبسها لأجيالنا المقبلة؟

(جدي)

وُلد جدي أواخر القرن التاسع عشر، بينما ولد حفيدي مطلع العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين، أي ثمة 135 سنة بينهما. وإذا ما عدتُ إلى جيل سابق لجدي، ولجد جدي، ستكون الفوارق أكبر مما سأورده هنا، فكيف إذا رجعنا إلى جيل ما قبل 1000 أو 2000 عام أو أكثر؟

قبل قرن واحد، أو أكثر بقليل، عاش جدي في صباه؛ وحتى مماته، في بيت طيني من غرفة واحدة، وإلى جانبها غرفة صغيرة للحيوانات، وما يشبه غرفة صغيرة من طين بثلاثة جدران، يتوسطها الموقد “الدفية” الذي يعمل على “الجلّة”، وبجانبه قن للدجاج، وفي بداية الخريف من كل عام، كان جدي وجدتي وابناهما، بمساعدة الجيران يقومون بـ “تطيين” البيت بطينة قوامها التراب الأبيض والتبن، وكانت أرض الدار مرصوفة بالحجارة.

كانت إنارة البيت فانوسًا صغيرًا (نمرة 4)، يعمل بزيت الكاز، يشعلونه بعد غياب الشمس، ويطفئونه حين ينامون، وكان نومهم باكرًا بعد العشاء مباشرة، ويستيقظون باكرًا، ويرتدون ثيابهم ذاتها طوال نهارهم. لم يكن لديهم كثير من الثياب، كانت بدلة واحدة، وكان يُعدّ محظوظًا من لم تكن ثيابه مرقّعة.

كان سرير جدي فراشًا من الصوف، يمده على أخشاب يرفعها على قوائم أربع “العرزال”، يقع خلف خلية “المونة” التي تتسع لبعض القمح والدقيق، وبعض البرغل. وكانت خابية “الشنكليش” تقف إلى جانب أكياس فيها بعض العدس والحمص والبرغل، و”تنكة” زيت الزيتون، وجرة السمن البقري، ويقف إلى جانبه إناء زجاجي كبير “مقشش” مليء بالعرق، وآخر بالنبيذ، وإلى جانبها إناء مصنوع من سيقان نبات القمح “قَصَلْ”، فيه بعض من الزبيب وآخر مليء بالجوز، ويعلّق في السقف الخشبي كيسًا قماشية، فيها بعض الكشك، وإلى جانبه بعض الخضار المجففة، يحفظها للشتاء، وكان السقف أسودَ من كثرة دخان حطب التدفئة المشتعل في “المنقل”، طوال أيام الشتاء الباردة.

احتوى بيت جدي مرآة واحدة عتيقة، محاطة بإطار خشبي، اشتراها في جهاز عرسه، وصندوقًا خشبيًا فيه ثوب واحد له وآخر لجدتي يرتديانه في المناسبات، وكان يحفظ في الصندوق عقد شراء الدار، ملفوفًا ومحفوظًا في علبة حديدية، وكانت هي الوثيقة الوحيدة التي يملكها على وجه الأرض، إلى جانب وثيقة أخرى هي بطاقته الشخصية منذ أيام فرنسا، بشاربيه الكبيرين في الصورة، وكان ملمًا ببعض القراءة، ويقرأ بصعوبة في كتب دينية كبيرة، أما جدتي فكانت أميّة، تملك ذكاءً فطريًا ظاهرًا.

كان جدي صاحب دكان صغير، لا تزيد مساحته عن 15 م2، وكان أشبه بالسوبر ماركت “بأقسامه” المتعددة، حيث كان يبيع فيه كل شيء تقريبًا، فهو بقالية وبائع ملبوسات وبعض أدوات يحتاج إليها الفلاحون، كما كان لديه بعض الأدوية، ومن بين الأدوية زجاجة كونياك، فكان يأتيه من لديه “مُغْصْ” في البطن؛ بسبب البرد (وربما لسبب آخر)؛ فيناوله ملء غطاء الزجاجة من هذه المادة الحارقة.

كانت لديه أدوات للحلاقة والنجارة وتصليح الأحذية. وكان في الدار بضع بقرات ودجاجات. وفي فصل الشتاء البارد، كان يُدخل البقرات إلى البيت؛ لأن البقرات يخلقن بعض الدفء، ولكم أن تتصوروا الروائح والبراغيث والقمل. أما في فصل الصيف، فكانت البقرات تبيت في الدار، أما هو وجدتي وأطفالهما، فيبيتون على سطح البيت الطيني.

كانت حكايات بني هلال والزير سالم وفهد الخيل، ورواية مناماتهم وقصصهم عن الجن، وحكاياتهم عن الصيد، أو ما حدث مع آبائهم وأجدادهم هي التزجية الوحيدة، يكررونها من دون ملل، وكان ضارب المزمار “أبو حنا” في البلدة هو الموسيقي الوحيد الذي عرفوه في حياتهم، وكان طبل النوَر يدخل بهجة عظيمة حين يقرع في الأعراس. كانت الأعراس والأعياد مناسبات للغناء والدبكة والطبخ بكميات كبيرة.

لم يسافر جدي إلى أي مكان في الدنيا، وأبعد سفرةٍ سافرها هي إلى مدينة حماة، على بعد 50 كم. وفي شبابه لم يكن الراديو قد وصل سورية، وبقي بيته خاليًا من الراديو حتى مماته. كانت حياته بسيطة، والأدوات التي يتعامل بها بسيطة، وكانت الأماكن التي زارها محدودة، ومعلوماته عن العالم ضيقة، وهذا أنموذج لرجل وامرأة عاديين، شكّل أمثالهما 99 في المئة من مجتمعات الأمس.

(حفيدي)

قبل أن يولد حفيدي الأول، روقب، وهو جنين، أُخذت له صور “إيكو” كل شهر على نحو منتظم، وقبل أن يولد جُهّز السرير والثياب والألعاب والزينة، ومنذ لحظة ولادته توثق وقائع حياته كل يوم، صور وفيديوهات، وفحوصات طبية دورية وتطعيمات.

بلغ عامه الخامس قبل شهور، وقد أصبحت لديه أكوامٌ من الثياب والأحذية، ومن الألعاب التي تستبدل لتُوائم عمره دائمًا، ولديه “سكوتر” ودراجتان يتقن قيادتهما، ويتقن اللعب بالحاسوب واستخدام الموبايل الذكي، وقد فتح عينيه على الدنيا في بيت مُنار بالكهرباء، وفيه كثير من أدوات الكهرباء، وفي بيته تلفاز وهاتف، وسافر بالسيارة والقطار والطائرة والباخرة، وتعامل مع كثير من منتجات التكنولوجيا العجيبة، وسمع حتى الآن قصصًا من عشرات كتب الأطفال، وزار حتى الآن عدة مدن في عدة بلدان في ألمانيا والإمارات وإيطاليا وهولندا وبولندا والدانِمارك وتونس. تذوق كثيرًا من الأطعمة التي تعود إلى ثقافات مختلفة، وتحدث مع أشخاص من ثقافات مختلفة أكثر بكثير مما فعل جدي الذي تجاوز الثمانين حين وفاته. ولديه مكتبة أطفال، فيها عشرات الكتب منذ الآن. ويعرف شيئًا عن خريطة العالم، وعن المجموعة الشمسية، وأسماء كواكبها، ويعرف أن الأرض مكورة، وأنها تدور كل سنة مرة واحدة حول الشمس، بينما توفي جدي، ولم يقتنع أن الأرض بيضوية، وأنها تدور حول الشمس. سيكبر حفيدي ويتعلم ويتخرج في الجامعة باختصاص، وسيخضع لدورات ودورات، ويزور بلدانًا كثيرةً. لكني لن أكمل ماذا سيفعل مستقبلًا؛ لأنني لا أعرف كيف سيكون المستقبل.

ربما لا يمثل حفيدي حال أغلبية أطفال هذا العمر، ولكن حتى لو أخذنا الحال السائدة لمعظمهم، وتشمل الجزء الأكبر من أطفال الخامسة، فإن ما أتيح لهم وما سيُتاح، وما عرفوه وما سيعرفونه، وتجارب جيلهم في الحياة وقدراتهم على المحاكمة، أكبر وأوسع ألف مرة من جيل أجدادهم، ولا يمكن مقارنة الحياة اليوم بما كانت عليه أيام أجدادهم.

السؤال بينهما

هاتان الصورتان المتباعدتان، بين جدي وحفيدي، تطرحان السؤال: هل تصلح القيم والمعتقدات والمبادئ والأسس وتنظيمات الحياة من النواحي الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والإدارية والثقافية وأنماط العيش والتفكير التي قام عليها مجتمع جيل جدي، أو ما قبله من أجيال، هل تصلح لجيل حفيدي وللأجيال المقبلة؟

وإن كانت لا تصلح، على الرغم من أن الفارق بينهما قرنٌ واحدٌ ونيف فحسب؛ فما بال بعضهم يريد أن يستحضر قيمًا ومفاهيمًا وأنظمةَ مجتمع وأساليبَ عيش، مضى عليها ألف عامٍ وأكثر؟