انتهى دور الأسد

أكاد أسمع همسَ أفيغدور ليبرمان، وزير الدفاع الإسرائيلي، لـ (تيلرسون، ولافروف، وماكرون): اتركوا الأسد فإنه لي، وأنا أولى به؟!!

قال ليبرمان: إن بلاده لن تقبل بتسوية في سورية، تتضمن بقاء الرئيس بشار الأسد إلى جانب قوات من (حزب الله) وأخرى إيرانية، داخل الأراضي السورية. وكان الملفت أن ذلك التصريح جاء، بعد أقل من أسبوع، من موقف مختلف جدًا، أبلغه وزير خارجية الولايات المتحدة ريكس تيلرسون للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، خلال لقاء خاص معه، بأن أولويات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في سورية باتت تقتصر على محاربة تنظيم (داعش) وأكد تيلرسون لغوتيريش، حسب مجلة (فورين بوليسي) الأميركية، أن النشاط العسكري الأميركي ضد القوات الحكومية السورية يسعى في الأشهر الأخيرة إلى تحقيق أهداف تكتيكية محدودة، مثل ردع هجمات كيميائية محتملة، وحماية القوات التي تدعمها واشنطن في قتالها ضد (داعش)، وليس إضعاف حكومة الأسد أو تعزيز موقف المعارضة في المفاوضات حول سورية، ويتناقض هذا الموقف كليًا مع تصريح لتليرسون نفسه، قبل نحو ثلاثة أشهر، كما أشارت المجلة، إذ كان تيلرسون قد أصر على ضرورة رحيل الأسد عن السلطة، بسبب تورطه في استخدام السلاح الكيماوي في البلاد.

موقف آخر مفاجئ ومُستغرب لرئيس جمهورية فرنسا الجديد إيمانوئيل ماكرون، فقد قال في مقابلة مع ثمان صحف أوروبية: “منظوري الجديد بشأن المسألة السورية هو أن رحيل بشار الأسد ليس شرطًا مسبقًا لكل شيء، لأني لم أرَ بديلًا شرعيًا له”، وأضاف: “إن الأسد عدو للشعب السوري لكنه ليس عدوًا لفرنسا، وإن أولوية باريس هي الالتزام التام بمحاربة الجماعات الإرهابية، وضمان ألا تصبح سورية دولة فاشلة”.

تلك التصريحات تتناقض بشكل حاد مع تصريحات للإدارة الفرنسية السابقة، بل مع تصريحاته خلال حملته الانتخابية، وأصبحت تتفق مع موقف موسكو بأنه لا يوجد بديل مناسب للأسد. يبدو لي وكأنَّ “إسرائيل”، بما تملك من نفوذ على الأطراف الثلاثة، قد أبلغتهم بأنَّ مصير الأسد يهمها أكثر من أيٍّ منهم، وبأن عليهم الاهتمام بمصالحهم في سورية، بما لا يتعارض مع ما تعتبره مصلحة عليا لأمنها واقتصادها بل وجودها.

ما يقوله بشار الأسد للإعلام، وما يحاول فعله على الأرض للسيطرة على كامل التراب السوري، هو ما يتمناه وما يروق لمؤيديه سماعه وتصديقه. لكن نظرة واقعية فاحصة جيوسياسية وديموغرافية على حال سورية اليوم تجعل أمنياتِه وفعله مجردَ عبث وأضغاث أحلام. هو في المشهد السوري ليس أكثر من بطل من ورق، لا وزن له ولا قيمة، وكل أحاديث القوى الكبرى الفاعلة على الأرض السورية، وفي المحافل الدولية عن بقائه في السلطة أو استبداله، هي في المحصلة كلام في السياسية، يتغير حسب التقدم الذي تحرزه تلك القوى في تنفيذ مخططاتها التي تتوافق عليها، وفقًا لمصالح كل منها.

رمزية الأسد -كرئيس بلدٍ ما يزال يحتفظ بمقعده في منظمة الأمم المتحدة- تستفيد منها روسيا وإيران، كمرجع قانوني لاحتلالها ودفاعها عنه، وهي مفيدة لأميركا و”إسرائيل” لتبرير تدخلهم المسلح ضد رئيس يستخدم السلاح الكيماوي ضد شعبه، أو يُمرر الصواريخ الإيرانية من حدوده الشرقية مع العراق إلى (حزب الله)، العدو المُفترض لـ “إسرائيل” وأميركا، وتحتضن بلده تنظيمات إرهابية مثل (داعش) و(النصرة).

الحقيقة الساطعة أنَّ ما يجري هو تنفيذ مخطط تقسيم سورية، بمباركة أميركية أوروبية إسرائيلية، وبإذعان روسي تركي إيراني، يُحقق لهم أهم مصالحهم السياسية والاقتصادية والديموغرافية. رمزية الأسد والمحافظة على نظامه كانت من أهم العوامل التي أتاحت لتلك القوى أن تثبت وجودها على الأرض السورية، ويتخذ كلٌّ منها منطقة نفوذ مستقلة أشبه ما تكون بدولة. وفي العودة إلى نجاح مخططات التقسيم في السودان والعراق، كما رسمها برنارد لويس المستشرق البريطاني الأميركي عام 1980، فإن احتمال نجاحها في سورية أصبح واقعًا إلى حدٍ كبير. وهكذا فإن دور الأسد، كرمز لدولة ذات سيادة، يتضاءل مع الوقت، خصوصًا أنه أدى ما عليه في تدمير قدرة شعبه على الدفاع عن وطنه الذي بات مستباحًا بطلب منه للروس والإيرانيين، واستدعائه بالضرورة لبقية القوى الإقليمية والدولية التي رأت في وجودها على الأرض السورية مصلحةً وطنية وأمنية، في مواجهة ما تُسمّيه الإرهاب الذي يواجهه الغرب. أو الخطر الكردي، كما تسميه تركيا على حدودها، أو الخطر الوجودي كما تسميه “إسرائيل”.

لعلَّ أفيغدور ليبرمان وزير الدفاع الإسرائيلي لم يدلِ بتصريح سياسي فحسب، بل كان تصريحه أشبه ما يكون بقرار عسكري، اتخذ لإزاحة الأسد بعدما قام بمهمته، قصدًا أو بسبب غبائه، في استجلاب كارثة إنسانية ووطنية وتاريخية لسورية وشعبها. وإن من حق “إسرائيل” (حسب ليبرمان) مثل غيرها أن تأخذ حصتها التي لن تكون قطعة أرض جديدة بالضرورة، لكنها ستكون -بالتأكيد- سيطرةً على القرار السياسي وعلى الثروة النفطية الكامنة، تحت سطح البحر الأبيض المتوسط المتاخمة لحدودها البحرية، وإرهاصات تقسيم الخليج العربي وإعادة رسم خارطته السياسية أصبحت منظورةً لعين المحللين السياسيين أكثر من أي وقت مضى.