جريمة التعزية

أطلقت وفاة العماد أول مصطفى طلاس، وزير الدفاع المزمن في عهد السلالة الأسدية (1972 – 2004)، حربًا كلامية ضروسًا، داخل أوساط (المعارضة) السورية، دارت بين فريقَين، فريق ترحّم على الرجل وقدم التعزية به، وفريق رفض هذا التصرف وأدانه، على اعتبار أن الرجل كان جزءًا من النظام، وساهم على مدى سنيّ خدمته الطويلة في دعمه وتغطيته وتنفيذ رغباته.

ساحة المعركة كانت مواقع التواصل الاجتماعي، ولا سيّما موقع (فيسبوك)، واستخدمت فيها جميع الأسلحة الكلامية، وأشد العبارات فتكًا، بما فيها تلك المحرمة أدبيًا وأخلاقيًا، واتخذت فيها أقسى المواقف والقرارات المتاحة فيسبوكيًا. وربما يجدر بنا أن نحمد الله أن الساحة كانت إلكترونية، والأسلحة كانت كلامية، وإلا لتطايرت الرؤوس، وسالت الدماء، وتيتمت الولدان.

كل من عزَّى وترحَّم، وكل من علق على تلك التعازي مؤيدًا، أو وضع عليها إعجابًا، واجه غضبًا شديدًا من الفريق الآخر، واتهامًا بالنفاق والتخاذل، وربما الخيانة والتنكر لدماء السوريين؛ ما ترتب عنه إصدار أحكام مبرمة بالشطب من سجلِّ المعارضين، ومن العلاقة الفيسبوكية حُكمًا. ولا أبالغ لو قلت إن الأمر وصل ببعضهم إلى درجة إحصاء التعليقات والإعجابات وإصدار الأحكام على أصحابها، وتنظيف صفحته منهم.

حرب فيسبوكية لا تضاهيها إلا تلك التي نشبت بسبب الثورة، مع فارق جوهري هو أن تلك الحرب كان لها ما يبررها، فقد دارت بين موالين ومعارضين، وكان محورها الموقف من النظام والثورة، بينما حرب اليوم هي بين معارضين فحسب، ومحورها ليس الموقف من النظام، ولا من أحد رجالاته، بل الموقف من التعزية بوفاة الوزير الأسبق. أما أكثر ما كان لافتًا في الموضوع، وما دفعني لكتابة هذه الأسطر، فهو ليس هذا النقاش بحد ذاته، ولا درجة اتساعه وشموله، بل المستوى والطريقة التي جرى بها، والأحكام التي انتهى إليها.

أقدّم في البداية لمحةً مختصرةً عن العماد، ثم عن أولاده، لأنهم سبب رئيس غير مباشر من أسباب تلك الحرب، ثم أنتقل لمناقشة موضوع المقال، وهو مسألة التعزية وردات الفعل عليها، وما ينطوي عليه كل ذلك.

نظريًا، كان المنصب الذي تبوأه العماد مصطفى طلاس في نظام الأسد، على مدى ثلاثة عقود ونيف، منصبًا رفيعًا بالغ الأهمية، خاصة أن سورية دولة مواجهة. أما عمليًا وواقعيًا، فكان المنصب شكليًا، ولم يكن للرجل أي دور في صناعة القرار، مثل كل المسؤولين غير العلويين، الذين اختارهم الأسد بعناية للتغطية والتمويه على سلطته الحقيقية. أما رِضى الأسد عنه فلم يكن بسبب عبقريته العسكرية وعقله الاستراتيجي الفذ، بل لأسباب أخرى تمامًا، منها فهمه لعقلية الأسد وتركيبة نظامه وقواعد اللعبة فيه، ومنها سنيَّته، وما توفره هذه السنيَّة من غطاءً لنظام يقوم على نواة علوية خالصة، وكذلك إخلاصه وطاعته وانعدام طموحه. لقد كان طلاس بحق النموذج الذي يتوفر على كل المواصفات التي يريدها الأسد في المسؤولين الرسميين المحيطين به.

لقد ترك ولاءُ طلاس المطلق لحافظ الأسد، ودعمه اللامحدود له، بدءًا بانقلاب 1970، وانتهاء بعملية التوريث، وما بينهما، أثرًا سيئًا في ذاكرة السوريين، حيث ارتبط اسمه بعائلة الأسد وتاريخها الأسود، ولم يخفف من ذلك ابتعاده عن النظام منذ صيف العام 2004، وعدم مشاركته في المقتلة التي ينفذها الأسد ضد شعبه، منذ ربيع 2011.

لأولاد العماد، فراس ومناف تحديدًا، قصة أخرى، ووضع مختلف أكثر تعقيدًا بكثير من قصة والدِهم المكشوفة للجميع، فهم، ولا شك، كانوا جزءًا من النظام، وربطتهم بعائلة الأسد صداقات وعلاقات طيبة، وتمتعوا بثروة والدهم، واستفادوا من المزايا والتسهيلات التي وفرها لهم موقع الوالد، ووفرتها لهم تلك العلاقات، لكنهم فارقوا النظام، وانشقوا عنه، وأعلنوا بصراحة انحيازهم إلى جانب ثورة السوريين، وهم يُقِرُّون، في كل مناسبة، بأنهم كانوا جزءًا من هذا النظام، وقد سمعت هذا من فراس غير مرة، في لقاءات حوارية إلكترونية استمع إليها الآلاف، وكان يُتبِع إقراراته هذه بإعلان استعداده للمثول أمام أي محكمة وطنية مستقلة، لمساءلته عن تلك الفترة. وانشقاق العميد مناف تحديدًا، بوصفه ضابطًا كبيرًا في الحرس الجمهوري، وصديقًا سابقًا مقربًا من بشار الأسد، كان له وقع طيّب جدًا في صفوف الثورة والمعارضة، وقد هلل الجميع فرحًا بهذا الانشقاق الأهم نوعيًا.

ينقلني هذا إلى نقطة مهمة، تُثير استغرابي واستيائي دائمًا، وهي هذا الفصام وهذا الغباء الذي يُمارسه أغلب المعارضين والثوريين في مقاربتهم لمسألة الانشقاق والمنشقين؛ فتراهم يريدون لأتباع النظام ومواليه وموظفيه وجنوده الانشقاق، ويستهجنون بقاءهم إلى جانب القاتل، ويُهللون فرحين لانشقاق أحدهم؛ لكن ما إن يحصل الانشقاق حتى يتذكروا أن هؤلاء كانوا جزءًا من النظام، فيتعاملون معهم كأعداء للثورة أحيانًا، وكأغيار غير موثوق بهم في أحسن الأحوال، ولا يتورعون عن تذكيرهم بتاريخهم الأسود في كل مناسبة، وبأنهم ليسوا موضع ثقة مهما فعلوا، ويطعنون بولائهم وشرفهم وصدقهم، خاصةً عندما يرفع أحدهم صوته، ويحاول الإتيان بعمل ما، مصدقًا أنه بين صفوف المعارضة؛ فيحطمون معنوياتهم ويدفعونهم لليأس والإحباط، ويجعلونهم نادمين على الساعة التي أنصتوا فيها لضمائرهم. ويعطون في الوقت ذاته رسالة إلى من بقي إلى جانب النظام مفادها: إياك أن تفكر بالانشقاق، ابقَ إلى جانب النظام مهما حصل، فلا شيء أقسى وأسوأ من وجودك في الجانب الآخر.

النتيجة أن الانشقاقات توقفت، وأجزم أن معظم من انشق نادم على فعلته، وها هم آلاف الضباط المنشقين يقبعون في المخيمات، مهمَلين مقهورين معدومين متفرغين لمطاردة لقمة العيش، بينما يقود العملَ العسكري في الداخل طيانٌ ونجارٌ وبائعُ خضار!

أختم حديثي، في مسألة الانشقاق، بالإشارة إلى بضع نقاط، أولاها أن ثقافة التخوين والطعن القائمة على افتراض سوء النيّات للمنشقين، دون أدلة، هي ثقافة وضيعة ومعيقة، فضلًا عما تحمله من ظلمٍ وتجنٍ، وهي، كما ثقافة التكفير، لا تترك أحدًا من شرّها، فمعظمنا كان، بشكل أو بآخر، جزءًا من مؤسسات الدولة، لذلك فإن هذه الثقافة ستطال الجميع، ويصبح الجميع متهمًا من قبل الجميع. وثاني هذه النقاط أننا بأمس الحاجة إلى الأصدقاء والشركاء والمتعاونين، في زمنٍ تخلى فيه الجميع عنا، وبأمس الحاجة إلى تفكيك وإضعاف معسكر النظام، وثقافة التخوين تفعل العكس. وثالث هذه النقاط أن انتماءنا للثورة والمعارضة ليس صكّ شرف ووطنية وبراءة، يمنحنا حق تقويم الآخرين ومحاكمتهم؛ فبيننا، في صفوف الثورة والمعارضة، ما لا يحصى من الشبيحة واللصوص والمنافقين والمتسلقين والجهلة وصغار العقل وعديمي الضمير، ويجدر بنا أن نتواضع قليلًا قبل الطعن بالآخرين. ورابع هذه النقاط أنه يجدر بنا الانتقال إلى محاسبة الآخرين على أساس مواقفهم وأقوالهم وممارساتهم الملموسة، وليس على أساس نيّاتهم التي لا يعرفها سوى خالقهم.

آتي الآن إلى موضوع الترحُّم والتعزية، وما أثاره من عواصف، فأبدأ بالقول إن للكثيرين أسبابهم في التعزية، منها هذا الموقف الخاص من الموت والأموات، والذي تفرضه الثقافة والمعتقدات، ويقوم على أن الميت أصبح في عهدة خالقه، وهو من يتولى حسابه الآن، ولا تجوز عليه سوى الرحمة. ومنها هذه العلاقات والصداقات التي تربط الكثيرين بأبناء العماد، وتوجب عليهم تعزية أصدقائهم بوفاة والدهم، لأنه والدُهم حصرًا، وليس لأنه العماد والوزير ونصير النظام. وربما يكون لآخرين أسباب أخرى، لكن لا يحق لأحد اعتبار أن التعزية هي موقف إيجابي من العماد وما كان يمثله. وتبقى للتعزية، حتى لو خطَّأناها، أبعادها المحدودة المتعلقة غالبًا بالموقف من استحقاق الموت، أو بما تفرضه أدبيات التعامل بين الأصدقاء.

مهما كانت دوافع المعزين، ومهما كان خلافنا حولها، فهل كانت قضية التعزية تستوجب تلك الغضبة المُضَريّة من مناهضي التعزية، وتلك الكلمات الجارحة والإجراءات القاسية بحق من عزّى، طالما أن الأمر لا يتعدى طقس التعزية؟ ثم ماذا عن الحرية الشخصية التي دفع السوريون كل هذه الأثمان من أجلها؟

أختم بالقول، إن أكثر ما يؤسف في هذا الموضوع الخلافي، وفي أي موضوع خلافي يعترضنا، ليس هو الاختلاف بحد ذاته، بل طريقتنا في الاختلاف، والمفردات والأدوات التي نستخدمها فيه، والقرارات التي نتخذها إثره، والتي إن دلت على شيء فإنها تدل على ما تمور به عقول ونفوس معظمنا من عُقد وأمراض مزمنة، تبدأ بانعدام الذوق واللباقة، والرغبة بالأبوَّة والوصاية، ومصادرة الرأي الآخر، ومجافاة العقل والسياسة.. ولا تنتهي بالمزاودات الثوروية الرخيصة.

بلدنا يُحتضر، ويكاد أن يتلاشى، ووزننا -السوريين- في معادلة القوة أصبح صفرًا، ومع ذلك ترانا نتحيّن المناسبات الصغيرة، ونخترع الأسباب التافهة، لنمعن ببعضنا بهدلة وتمزيقًا..

كم هو شاق دربنا، وكم هو ثقيل صليبنا!.