المواطنة والدولة

لا يجوز الامتناع عن استجواب التاريخ عن مآسيه، ولا يجوز، لأيٍّ كان، مصادرة أحلام شعب نحو مستقبل يتطلع إليه، أو أن يقلل الحاضر من أهميته، لأن أي انتساب للزمن الماضي فقد مبرراته التاريخية، ولأننا نعيش في تطور لم يعد فيه لأساليب الماضي في الحكم، وجود كممارسة.

إن الشعب هو اليوم من الوعي بحيث لا يسمح أن يُغلب، لأن مقاومته ستكون، حتمًا، أكثر فاعلية، ولأن نضاله من أجل الحرية والكرامة هما وجه واحد لحقيقة المواطنة، ولإيجاد تعريف لهوية وطنية جديدة، وهما من السمات الكبرى للعصر. كما أن التغيير المنشود أصبح وعدًا غير محدد بالمواطنة، ويشكل امتدادًا لا ينتهي لمستقبل أفضل. وعدًا متميزًا وملتزمًا في آن واحد، متميز لأن الديمقراطية السياسية هي مرحلة تاريخية في التنظيم الاجتماعي، وملتزم لأن الحرية هي الشرط التمهيدي للمواطنة، وهي حرية يمتلكها ويستحقها كل كائن إنساني، لأنه كائن إنساني تكَّون في ضميره أن الحرية حقٌ طبيعي لا يجوز انتقاصها أو النيل منها، ولا يمكنه أن يعيش، بوصفه كائنًا إنسانيًا، إن لم يتمتع بها في مسيرة حياته اليومية، وكل محاولة لتجريد الإنسان منها هي محاولة حرمانه من إنسانيته، وهي الشرط الأساسي للكرامة الإنسانية، لأنها تعني التحرر من العبودية، ومن التشييء أي أن الإنسان يفكر ويشعر ويقوم بأفعاله، بإرادته لا بإرادة شخص آخر أو سلطة خارجية، ولأنها تعني أن الإنسان فاعل لا وسيلة، يعيش كعقل وبعقله يدير أموره، ويعبر عن نفسه في المكان، وعن التحرر من العوز. ولا بدّ لحالة الإنسان الحر، لكي تدوم وتتنامى، من تضمينها حرية إيجابية خلاَّقة مظهرها الأول حرية المواطن السياسية والتي هي حقه في المساهمة في القرار السياسي.

ولتحقيق الحرية الفردية شروط، منها: بناء الدولة على القانون، وركن القانون هو الدستور، والقانون يجب أن يكون عادلًا، وتتمثل عدالته في مدى تجسيده إرادة الشعب العامة، أي مصالحه المشتركة من حرية وضمان وعدالة اجتماعية، ومن سعي وراء السعادة.

وبما أن الشعب هو المواطنون الذين يمثلون المجتمع بأجمعه، أي الأفراد الذين يساهمون عمليًا في حياة الدولة، وأن إرادته هي السلطة العليا في دولة المواطنة، وعليه أن يكتشف ويعبر عن إرادته كشعب، أي كجماعة إنسانية متحدة بأهدافها ورغباتها وبطريقة تحقق هذه الأهداف والرغبات، وبقدرته، رغم الاختلاف، بمؤهلاته النفسية، والأخلاقية، والعقلية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، أن يتصور، ويوافق، وينفذ القانون، ويدرك أن حقوقه الجوهرية كجماعة إنسانية، هي المصالح الواقية الضرورية لازدهاره كبشر، وأن هذه المصالح تصونها وتحميها الدولة.

إن الدولة هي مجموعة من الأفراد يمارسون نشاطهم على إقليم جغرافي محدد، ويخضعون لنظام سياسي معين يتولى شؤونها، وتشرف على أنشطة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، تهدف إلى تقدمها وازدهارها، وتحسين مستوى حياة أفرادها، وأساسها الوحيد هو الأساس العقلي للإرادة العامة، حسب (روسو)، وهي اتحاد قانوني يتكون بإرادة وقرار الشعب الذي يضع دستورًا، وعلى أساس هذا الدستور يتعاقد الناس على الاندماج في كيان سياسي. وبهذا تكون الدولة تجسيدًا للشعب، ويكون المواطن عنصرها الأساس، وهي (الدولة) حقيقة المجتمع المدني، والشكل الأعلى لتحقيق الفكرة أو المثال (هيغل)، وهي مؤسسة تسهر على تسيير المجتمع وإدارة شؤونه، وغايتها تحقيق السلم (هوبز)، والحرية (سبينوزا)، وتجسيد العقل (هيغل).

لا بدّ من التأكيد بأن الدولة ليست توترًا بين قوى متضادة (قوة الحكومة وقوة الشعب) بل هي وحدة عضوية، وجماعة إنسانية. لذا فإن السلطة التي تدير شؤونها يجب أن تنبثق من إرادة الشعب، وأن تسير بفاعليتها من الأسفل نحو الأعلى، الحقوق غير القابلة للنزع: الحياة، التملك وحق الجميع في الوصول إلى الثروة، التعبير.. وعلى الدولة أن تعمل على تحصين روح المواطنة ونشرها في المجتمع، سبيلًا لتأسيس وضمان سعادة شاملة ومتساوية بين الجميع.

وكما أن غاية التجمع السياسي هي التعاون لتحقيق الحرية الفردية، يكون هدف الدولة هو تكريس هذه الحرية أي أن يحكم الشعب ذاته، وأن حرية الفرد أمر سابق على قيام الدولة، وعلى الدستور أن يقوم بدور الكاشف عن حقوقه الأصيلة، وهذا ما يجب أن تنطلق منه، وأن ترسخه كل مواد الدستور.

إن الدستور هو السلطة العليا في الدولة، ولكي يقوم بوظيفته هذه، في قوننة جميع شؤون الدولة، يجب أن يتضمن على البنية التي تحمي وحدة حكم القانون وسياسته. والدولة الديمقراطية جوهريًا، دولة قانونية، يحكمها القانون، لا الإرادة الإنسانية. وتكون صدقية الدستور بقدر ما يحمي ويساعد على نشر حقوق المواطنين الأساسية، ومبرر وجوده حماية هذه الحقوق. ولكي يكون واسطة فعالة في التقدم الاجتماعي، يجب أن يحتوي على آلية تساعد على انبثاق السلطة السياسية من إرادة الشعب الحيَّة أو التاريخية ومن صميم واقعهم الوجودي. ويكون احترامه شرطًا لثبات الثقة في النظام القانوني.

إن الدستور كأداة للتقدم الاجتماعي، يجب أن تتحقق فيه عدة شروط أهمها:

– أن يكون معيارًا للقانون الأعلى الذي يفرض منهجًا يعتمد عليه المجتمع في تشريع قوانينه.

– أن تكون مواده التي تشكل وحدته هي المقياس الأسمى الذي يحدد نظام وكيفية إدارة حياة الشعب.

– أن يكون هو السلطة العليا في الدولة التي يعتمد عليها الشعب، في تعريف معنى عدالة وخير الأحكام عامة.

– أن يضع الأساس لنظام قانوني عادل، يحوي في جوفه شروط المساواة الاجتماعية،

– أن يكون أساسًا لجماعة إنسانية.

– أن يؤكد تمتع المواطن بمرتبة الكائن الإنساني.

ولكي يلعب الدستور دورًا فعالًا في التقدم الاجتماعي، يجب أن ينظر إليه من جميع فئات الشعب كقانون له صفة الديمومة. ومن مميزاته خدمة الأجيال القادمة، كما يجب أن يتضمن، دومًا، آليات وإجراءات عملية تمنع إساءة استعمال السلطة السياسية عامة، أو الإساءة إلى العدالة، بخاصة. وبذلك يبقى الدستور بمواده، هو المقياس والشرط الضروري الذي يجب توفره في عملية سن قوانين الدولة. وهو المعبر عن إرادة الشعب الكلية، لا يجوز انتهاكه لأن له صفة عقدية، وهو فوق نزعات وآراء ومصالح الأفراد.

والدستور ليس، فقط، واسطة تقدم اجتماعي، بل هو، أيضًا، نظام فيه تتحقق وتتبلور مصالح الشعب تحت شروط الحرية والعدالة والأمن، وفي عملية تحقيق أهدافهم كأفراد وكأعضاء مسؤولين في المجتمع، ويحمي حقوقهم التي لا يمكن الاستغناء عنها في تقدمهم الإنساني (حق الضمير، الملكية، الاعتقاد، الاختيار، السعي وراء السعادة وفقًا لرغبة إرادة الفرد، التجمع، التعبير عن الرأي، التنقل، التصويت، السلامة، الثقافة….)، وهذه الحقوق هي امتياز مطلق لجميع الكائنات البشرية، وكل إنسان يمتلكها بقدر ما يستطيع ممارسة الحرية أو بمقدار ما يستطيع القيام بواجباته كمواطن مسؤول. ويؤكد الدستور أن لا سيادة لفرد ولا لقلةٍ، على الشعب، بل السيطرة لأحكام القانون والمساواة أمامه. وأن الشعب هو مصدر السلطات.

يحقق الدستور مبدأ فصل السلطات بهدف منع احتمال إساءة استعمال أو اغتصاب سلطة الدولة من قبل شخص أو مجموعة من الأشخاص أو حزب ما… ومنع احتمال تطور الحزبية أو الطائفية أو المجموعات الاقتصادية أو السياسية أو الدينية أو الأيديولوجية لمرحلة الاستحواذ على الدولة.

ويهدف فصل السلطات تأسيس نظام من الضبط والموازنات، وتشكل كل سلطة نوعًا من الوازع الأخلاقي للسلطة الأخرى، سلطات مستقلة، ولكنها ليست منفصلة، وتشكل نوعًا من الوحدة المتأصلة في الدستور، أي في إرادة الشعب.

ويؤسس الدستور منظومة من الحقوق والحريات العامة مصانة قضائيًا ومجتمعيًا، من خلال تنمية قدرة الرأي العام ومنظمات المجتمع المدني على الدفاع عنها، منها:

– تداول السلطة سلميًا بشكل دوري، وفق انتخابات دورية عامة وحرة ونزيهة تحت إشراف قضائي، وبشفافية عالية تحد من الفساد والإفساد والتظليل، وترسيخ الحقوق الاجتماعية والاقتصادية كشرط لممارسة مبدأ المواطنة على أرض الواقع، وانتماء المواطن وولائه لوطنه وتفاعله الإيجابي مع بقية المواطنين. المساواة بين المواطنين كقيمة اجتماعية وممارسة سلوكية يعبر أداؤها عن نضج ثقافي وإدراك حقيقي لفضيلة معاملة جميع المواطنين، على قدم المساواة، دون تمييز.

– المواطنة كتجسيد لنوع من الشعب يتكون من مواطنين يحترم كل منهم الفرد الآخر، ويتحلون بالتسامح، حيال التنوع الذي يزخر به المجتمع.

– تجسيد المواطنة واقعيًا وقانونيًا، من خلال معاملة كل الذين يُعتبرون أعضاءً في المجتمع على قدم المساواة، وحماية كرامتهم وحريتهم واستقلالهم واحترامهم، وضمان منع أي تعديات على حقوقهم المدنية والسياسية، وضمان قيام الشروط الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق العدالة والإنصاف، وأن يُمَكِّن الأفراد من المشاركة بفاعلية في اتخاذ القرارات التي تؤثر على حياتهم، وأن يمكنهم من المشاركة الفاعلة في عملية اتخاذ القرارات السياسية في المجتمعات التي ينتسبون إليها.

وبذلك تتلخص غاية الدستور، بأن الحكمة التشريعية هي الحاكم الأعلى في تقرير مسيرة الدولة المستقبلية وإدارتها، وفي تنظيم حياة الشعب، بـترسيخ قيمة الحرية والحريات العامة والفردية، لأنها محرك مهمّ لذلك الصراع الأبدي، وقوة دافعة للإنسان والمجتمع بعيدًا عن حيازة الدولة. وفي إقامة المجتمع المدني حيث يعيش الناس كأفراد في جماعة إنسانية متحققة ذاتيًا ولها خياراتها الواعية، في نظام ديمقراطي تعددي.

لكي يقوم الدستور بوظيفته -كمعيار قانوني أعلى في المجتمع- يجب أن يضع الأساس لنظام قانوني يحقق المواطنة بمفاهيمها وقيمها. ولكي يلعب دورًا فعالًا في تحقيق إرادة الشعب يجب أن يكون سعيه الدائب والدؤوب ترسيخ العدالة والحرية، والديمقراطية، وتلافي كل ما يهدد ترسيخها أو يعمل على تهميشها، ومحاربة الأنانية، والتعسف، واللاعقلانية. كما يجب أن يقوم بوظيفة المعيار القانوني الأعلى في الدولة، ويتصف بالديمومة ويحتوي على آليات تحفظ حرية الفرد في المجتمع، وتجسد روحه جميع المؤسسات الاجتماعية والسياسية. ويجب أن يُوَلِدَ إحساسًا بالعدالة عند الشعب، من خلال مؤسسات، ويخلق الشروط القانونية والسياسية الضرورية لحماية سيادة هذه المؤسسات في الدولة أي (سلطة القانون لا سلطة الفرد أو المجموعة).

أي إن الدستور يجب أن يثبت دولة المواطنة، ويعمق مفهوم المواطنة كبديل للمفاهيم الانقسامية، أي دولة لا يحكمها إلاَّ القانون، وأنْ يؤسس لدولة حيادية بعدم سن أي قانون يؤسس دينًا للدولة، وحظر الحد من حرية ممارسة المواطنين من شعائر أيما دين أو أيديولوجية. وأن يشيَّد دولة تبتعد عن الطغيان وذلك بالحد من سلطتها، وامتناعها عن الحد من حريات المواطنين بطرق قانونية أو تعسفية، وعليها أن تقيم في جهازها السياسي آلية تساعد على جمع وتوحيد قوة الشعب الواقعية، وتؤهل المواطن ليدافع عن نفسه ضد الدولة، وهي تحفظ، أيضًا، سلامة وحكم القانون.

إن القانون هو المحرك الأول للحياة الاجتماعية، وهو الواسطة الأولية في أنسنة وتحضر الإنسان، ويتصدر كل الضوابط الاجتماعية الأخرى، ويكون كل الأفراد (ذكورًا وإناثًا) أمامه سواء، ويتبع أفراد هذا المجتمع في سلوكهم النسق المتقدم لقواعد التحليل والاختيار، ويلجؤون إلى أسلوب التوافق، وينبذون العنف في حل اختلافاتهم وصراعاتهم، وهو القوة الأولى في تربية الشخصية الاجتماعية والسياسية. وعند أفلاطون: (الإنسان الذي يرى أن القانون يجب أن يحكم، هو نفسه الإنسان الذي يذهب إلى أن الله والعقل فقط، يجب أن يحكما، وهو العقل الخالي من الانفعالات). وأن (قوانين الدولة هي أساس الحرية التي يتمتع بها المواطنون، ونحن جميعًا عبيدٌ لها لكي نكون أحرارًا)، عند شيشرون. وتتحقق ثقافة المشاركة كثقافة خاصة بالنسق الاجتماعي المتقدم حينما يسود القانون، وتتحمل سلطات الدولة مسؤوليتها في احترامه والالتزام بأحكامه.

إن السلطة مسؤولة عن ضرورة تنمية السياسي، والذكاء السياسي، والمسؤولية السياسية أي (التربية السياسية)، مقترنة بالتربية العقلية والأخلاقية، وتدريب قوى العقل على التفكير السليم والحكم السليم في أمور الحياة العملية والنظرية، وأن تكون الغاية هي تكوين شخصية مستقلة تشعر من ذاتها وتفكر من ذاتها، وتفتح نوافذ العقل، وتحقق إنسانية الإنسان الذي يعرف حقوقه وواجباته، وتصون الشعب المتنور الذي يعرف نفسه ويعرف ما يريد.

والسلطة التي تمنع العمل السياسي عن مواطنيها هي سلطة لا تبالي بمستقبل شعبها، ولا تبالي بالتزاماته التاريخية ومصيره، وبذلك لا تكون ثمرة عقد اجتماعي، ولا عقد سياسي، وتبتلع الدولة والمجتمع، وتدخل في مأزق التناقض بين التطور الموضوعي والعفوي للمجتمع وبين بنيتها المتسلطة، وهذا التناقض يؤدي إلى بروز عدة ظواهر، منها:

1- استخدام أعلى درجات القمع المادي والروحي.

2- البحث عن العصبيات التقليدية وإيقاظها لتستند إليها.

3- إنهاء العمل السياسي والمجتمع المدني.

4- الاعتماد على الحماية الخارجية.

5- فشل محاولات التنمية وعدم تحقيق الحد الأدنى للتقدم.

6- تركيز كل جهودها للاستمرار في الحكم.

إنها سلطة تؤسس لحكم استبدادي، يوقف التاريخ ليجعل من ذاته بداية مطلقة جديدة له، ثم يُلحق التاريخ العام بتاريخه الخاص. ويقف حجر عثرة في سبيل تطور المجتمع وتقدمه، ويبقيه مسحوقًا داخل دائرة الكبت والخوف والحرمان والتردد والإهمال. ويمنع كل ممارسة حرة، وأي مشاركة في أنشطة المجتمع، خشية تفجير طاقات المواطن، وتحرير مكوناته الذهنية. وينشر ثقافة الخضوع، أي ثقافة النسق الاجتماعي المتخلف، وسلوك أفراده الانفعالي وسيطرة العنف، والتحجر العقائدي، والعجز عن الاحتكام إلى العقل والمنطق.

إن الاستبداد هو الفكر البدائي في السياسة بثوابته وأهدافه وآلياته من عبادة الشخصية، ورفض الواقع، وفرض الرأي الواحد بالعنف، وسيطرة البطانة.

إن حكم الاستبداد يعني سيطرة هيكلٍ، يقوم بطقوس العبادة وبحكم الشخص المؤله… وبمصادرة الذكاء، ومحاصرة المخيلة، ومنع الفكر المستقل، ومصادرة الفضيلة، وتحريم المحاسبة، وإفساد وتعفين كل القيم والمؤسسات الضرورية لأي مجتمع إنساني، وتنمية التخلف والانكفاء، واصطفاء الذل، تصرفًا وموقفًا ووسيلةً للعيش وقيمةً، والتعرض لقيم الكرامة والسلم وإرادة المشاركة.

إنه سيطرة جهاز كلي الوجود، مسلح بقيود قانونية وشرعية تكون فيه سيادة المواطن عبارة عن منحة أكثر منها حقًا قانونيًا.

إن تجربة الحياة تؤكد أن المواطنة والعدالة لا تمرّان بالاستبداد إطلاقًا، لأن القانون في الدولة الاستبدادية موضوعٌ من قبل من ليس لهم الحق في وضعه، وخارج على القانون الدولي وروح العصر، وهو تشريع وتطبيع للاستبداد، ومجعول للتضييق على الحقوق والحريات، ومطبوع بعقلية الزجر والترهيب، ويجعل من المواطنة شيئًا تافهًا، وتنفذه سلطة فاقدة الصدقية والاستقلالية.

كما تؤكد تجربة الحياة أن المجتمع الديمقراطي ومؤسساته، يبقى شرطًا لتنشيط منظمات المجتمع المدني في مختلف مجالات الحياة وحقولها، وجعلها قادرة على مقاومة ممارسات نفوذ السلطة الاستبدادية.

وتؤكد أن الدولة والمجتمع المدني متساندان ومتعاضدان ولا تناقض بينهما، وهي (الدولة) تقوى وتتعمق وتصبح أكثر استقرارًا به، لأنه يعمل على تحسين أداء السلطة، وبتجمعاته يقدم منفذًا للتعبير الحر عن الأفكار السياسية، وتحقيق مشروع سياسي يجسد المساواة والعدالة والحرية والكرامة والسلم المجتمعي، وسيادة هذه القيم في المجتمع لتكون متحكمة في نواصيه. وتكون منفذًا للتغيير بعودة السياسة إلى الشعب بكل ألوان طيفه، وبناء المجتمع على السياسة، وتكريس دولة المواطنة.