“انتصارات” هامشيةٌ تُخفي الهزيمة الكبرى

تحمل المخيلة الشعبية أمثالًا عديدة تُشير إلى من ينشغل بالثانوي، ويغض النظر عن الأساسي. فقد قال القدماء مثلًا “من لم يجد له همًّا، قام بقطع يده وأوجد هذا الهمّ”.

أما في الأمور الجسام -والمسألة السورية من أشدّها تشعبًّا وتعقيدًا- فيخال المراقب أن مثل هذا المثل لا يمكن تطبيقه لوجود الهمّ المركزي وصعوبة تجاوزه وعلاجه؛ إلا أن معطيات السنوات الأخيرة بيّنت أن السوريات والسوريين قادرون على اختراع الهموم الهامشية لينشغلوا بها، أو للتلهّي والتسلّي بها، ويجيبون السائل إنهم منهمكون في العمل، فلا حرج على المنهمك، ولا يمكن التوجه إليه بطلب القيام بأي خطوة، يمكن أن يخال أحد “المغرضين” أنها مهمة في مسار “ثورتهم”، أو في مسار الخروج من مأزقهم الدامي والمُدمّر.

لقد مارس السوريون، طوال عقود “ثقافة” التشكيك للتشكيك، والانتقاد المستباح، والتخوين للتخوين، والتكفير للتكفير؛ نتيجة سيطرة “ثقافة الخوف” التي جثمت على صدورهم وعقولهم، الثقافة التي صنّعها وأقامها نظامٌ قمعي، تجاوز السياسة لكي “يعتني” بكل جوانب وتفاصيل حيواتهم وممارساتهم وحتى أحلامهم. ومع انتفاضتهم الشعبية قبل ثورتهم التي تحولت لاحقًا إلى نزاع مسلح، استنشقوا زفرات من الحرية -ولا سيّما في التعبير- على الرغم من الأثمان الفادحة التي قدموها، مقابل هذا المكسب الهائل. وبدى للبعض أن الحرية هي استباحة القول والفعل بعيدًا عن أيّ مرجعية قانونية أو أخلاقية. وأتاحت وسائل التواصل الاجتماعي المجالَ أمام من يرغب لكي يُعبّر عمّا يرغب، بعيدًا عن المسؤولية التي يرغب المنطق في احترامها، مهما كانت هذه المسؤولية.

وفي أتون الموت والنزف المستمر والخراب المنهجي واللجوء الكثيف والصمت الإقليمي والدولي الشريك، بدأ بعض السوريين، وخصوصًا من لم ينخرط في الشأن العام، في أيٍ من زواياه، أي أنه لم يشتغل بحثًا أو دراسةً، ولم يساهم في العمل الإنساني الإغاثي أو التربوي أو حتى الدعوي، بالاكتفاء الذاتي عبر نضالات افتراضية، خففت عنهم ثقل السؤال الدائم: “ماذا فعلتم، وما أنتم فاعلون؟”. حيث مضى هؤلاء في مراقبة شهيق وزفير الآخرين من أي طرف كانوا، وخصوصًا مَن يعمل منهم بصمت أو بشيء من الإشهار؛ فمكثوا يتربصون بهناتهم ويتوقفون عند عثراتهم، ويدينون تصريحاتهم ويُشهّرون بإنجازاتهم ويُسلّطون الضوء -أو هكذا يعتقدون- على علاقاتهم “المشبوهة”، أو على أنشطتهم الاجتماعية الخاصة.

ويكاد المرء أن يعتقد أن هذه المجموعة البشرية قد سخّرت جُلّ وقتها، ووظفت عصارة ذهنها في المكوث خلف الشاشة وترصّد الذاهب والآتي، للقفز عليه بالمخالب أو بالألفاظ أو بالأنياب أو بما تيسّر من أعضاء خاملة أو موظّفة.

من المؤكد أن على الرقيب الحصيف والواعي أن يُمارس دوره، بعيدًا عن الهم الإقصائي أو التخويني أو التكفيري أو التشكيكي، وهذا هو مطلبٌ أساسيٌ لأي فعل ديمقراطي. وقد تعلمنا -أو هكذا نظن- أن دور الإعلام هو مراقبة الأداء العام والإشارة أولًا إلى هناته، قبل الإشادة بإيجابياته. إنها ألف باء المسألة، ولا حاجة للتذكير بها، خصوصًا للمهتمين جدّيًا. بالمقابل، التلطي خلف هذه القاعدة لإيراد الأكاذيب أو تحوير الحقائق أو لتشويه السمعة -حيث لا قوانين ناظمة- أو لمجرد التسلية المبنية على الفهم النفسي التحليلي لطبائع من “يخفي” شرّه علاقاتيًا ويُكشّر عنه افتراضيًا، فيبدو أنه الشغل الشاغل لمن لا عمل له.

انتشرت الحملات الافتراضية التي تهتم بالقشور أو بالهوامش وتبني عليها، أو التي تستند إلى مطلب حق بوسائل غير محقة، وغالبًا ما تكون عبارة عن اختلاق لأحداث أو استنتاجات، يقول عنها الفرنجة إنها “مشدودة من شعرها”، أو يغوص المبادرون فيها إلى البحث في جنس الملائكة.. إلخ.

تتنوع المعارك الافتراضية الجانبية والهامشية، لتُظهر خواءً معرفيًا أو جهلًا منهجيًا أو سوء نية مبطنة، أو ما شئتم، في حين يستمر النزف والموت والخراب. فمرة يتصدون لمجموعة بشرية لم يعجبهم منظرُها أو ممارستها أو موقفها، ومرة ينددون بوسيلة إعلامية لم تكن “ثورية” بما يكفي، ظنًا منهم، عن جهل محض، أن الإعلام يجب أن يكون ثوريًا حصرًا، وبالتالي، فعليه أن ينقل صوت وصورة وخبر وتحليل مَن يبصمون له بالوطنية. وهم في ذلك متأثرون تأثرًا شديدًا بتربية عقائدية، لطالما ادّعوا أنهم ثاروا عليها، ولكنها ترسّخت في ممارساتهم. وفي بعض الأحيان، يصممون على تلقف شخصية عامة، والخوض في تفاصيل حياتها الشخصية والوصول إلى أسلافها للتحريض عليها، لأن لها موقفًا لم يعجب ذلك “المناضل” الفيسبوكي العتيد.

يعتقد علم النفس على الأقل، أن من يختلق المعارك الوهمية والهامشية والجانبية، ويعتقد أنه سجّل انتصارات ما من خلالها، ما هو إلا شخص مهزوم في معركته الأساسية. ويبدو أن على بعض السوريات وبعض السوريين اختراعَ الكثير من المعارك من هذا الصنف، ليُخفوا خيباتهم الذاتية والعامة، وتساعدهم في ذلك وسائل تواصل اجتماعية متحررة من الرقيب ومن الحسيب.

منذ عدة أيام، كتبت دبلوماسية ألمانية مستعربة ومعنية بالملف السوري ومهتمة بالمجتمع المدني تحديدًا هذه الجملة المؤلمة لدرجة واقعيتها على صفحتها في (فيسبوك): “كم تعبتُ من قصص التخوين والتشهير والافتراء والشتائم.. و و و..! لم أعد أحتمل كل هذه القذارة… كفى.. كفى..!”.

فهل من سميع؟.

1 عدد الردود

Trackbacks & Pingbacks

  1. […] “انتصارات” هامشيةٌ تُخفي الهزيمة الكبرى 7 تموز / يوليو، 2017التصنيف مقالات الرأي سلام الكواكبي […]

التعليقات مغلقة