تكيّف النظام السوري

سبق للصديق سلام الكواكبي أن تحدث، في مقال له، عن تكيّف أنظمة الاستبداد مع التحولات والتغيرات الجارية محليًا ودوليًا، بحيث تعمل تلك الأنظمة على حدثنة (من الحداثة) استبدادها، بما يحقّق مصالحها في البقاء، مقدمة تنازلًا هنا وتنازلًا هناك، فيما لا يطال التنازل جوهر النظام، أي البقاء في السلطة والإمساك بمفاصلها باعتبارها المدخل إلى الثروة.

والحق أن التكيف في مرحلة “الاستقرار” يختلف عن التكيّف في مرحلة الثورة والحرب، فلكل مرحلة آليات تكيفها التي تختلف عن الأخرى ظاهرًا، دون أن يتغير الهدف الذي يجري التكيف لأجله، أي البقاء في السلطة، ففي الحالة الأولى، يكون الهدف ضبط الداخل عبر استخدام القوة الناعمة، عبر تقليل القمع إلى حده الأدنى مقابل تجميل صورة النظام، عبر شعارات الإصلاح والمجتمع المدني والحداثة الشكلية، إذ تكثر هذه الأنظمة وأدواتها وإعلامها في هذه الفترة من المؤتمرات والمهرجانات والخطابات والتسويق؛ لتقديم أجمل صورة ممكنة عن نظام الاستبداد الساعي والهادف للإصلاح ونقل البلد إلى الديمقراطية، دون أن تنسى هذه الأنظمة طبعا الترويج للمعيقات التي “تمنعها” (كذبًا طبعًا) من تحقيق هذا الإصلاح، كي تبعد المسؤولية عن نفسها؛ ما يعني أن التكيف في هذه المرحلة يقتصر على الداخل باعتبار أن هذه الأنظمة تكون “محصنة” دوليًا وإقليميًا عبر تحالفات معينة، في حين أن الأمر يختلف في الحالة الثانية (الثورة والحرب)، فتكشف النظم عن وجهها الحقيقي داخلًا عبر اللجوء إلى القمع الصريح والمباشر، فيما يتركز تكيّفها على الخارج، أي محاولة فهم ما يريده هذا الخارج والتكيف معه عبر تقديم التنازل تلو التنازل كي تحافظ على بقائها في السلطة، ولو على خراب البلد.

إن التأمل في تاريخ النظام السوري، من هذه الزاوية، يبين أن النظام السوري أحد أكثر الأنظمة تكيفًا مع تلك التحولات، بل هو تكيّف يكاد يتجاوز المحلي، إذ يصل إلى حد التكيف مع الأجندة الدولية، بشكلها الأكثر رثاثة وقبحًا وجنونًا، بما يصل حد أن يكون وصف هذا النظام بمفردات من نوع النظام والحكومة والسلطة أمرًا لا يمكن أن يستوعبه العقل والتحليل المنطقي، لأننا هنا أمام تكيف الجنون المحلي مع الجنون العالمي، وبأشكاله الأكثر رثاثة وقبحًا، وكأننا أمام أبشع وأحط ما أنتجه التاريخ البشري، إذ ترتد البشرية كلها إلى هذا المستوى من القدرة على الإجرام والقتل تحت اسم المصالح الدولية وغيرها من مفردات لم تكن يومًا إلا ذريعة لتبرير الجرائم العالمية، بدءًا من جريمة الصمت على الموت المتكاثر إلى الشراكة في هذا الموت بشكل فعلي ومباشر.

بعد عقد من حكم الأسد الأب، وصل النظام السوري إلى طريق مسدود، إذ بدأت قاعدته الاجتماعية تضيق وبدأت المشكلة الاقتصادية الاجتماعية تطل برأسها، بعد استنفاذ التحولات الاجتماعية الاقتصادية التي جرت خلال هذا العقد، فأطلق النظام آنذاك حملة ضد الفساد تحت شعار “من أين لك هذا؟”، ليقدم نفسه بصفته نظام قادر على إصلاح نفسه واجتثاث الفساد الذي بدأ ينخر جسد الدولة. ولأن الفساد جزء أصيل من هذه الأنظمة، فإن الحرب عليه تعني حرب النظام على نفسه، ففشل التكيف الذي قاد إلى تجربة الثمانينيات المريرة، فأشهر النظام قمعه الوحشي الصريح، وبدأ لعبة تكيفه مع القوى الدولية، عبر السند السوفياتي آنذاك، ومد خطوط التواصل مع طهران بعد الثورة، والتحول إلى لاعب أساس في لبنان؛ بما مهد له لاحقًا مد خطوط التواصل مع الأميركيين، ليتحوّل ضامنًا لأمن (إسرائيل) عبر صمت جبهة الجولان. ولكن مع نجاح تكيف النظام في البقاء، برزت الأزمة الداخلية مجددًا، ومن الشق الاقتصادي؛ فاضطر النظام مع نهاية الثمانينيات إلى إجراء تكيف اقتصادي عبر مزيد من التحرير الاقتصادي؛ ما أوصل إلى قانون رقم 10 الشهير، والذي أطلق يد رأسمالية الدولة وأبناء الحرس القديم، أي توظيف المال المنهوب من الدولة في الفساد في الدولة نفسها، في عملية شرعنة لهذا الفساد، ولكن بالتوازي مع السماح للرأسمالية التقليدية بالعمل ما أنشأ مصالح جديدة، توّجت بتخفيف القبضة الأمنية (إطلاق سراح السجناء).

إلا أن التكيّف الأهم على صعيد الداخل وفي مرحلة الاستقرار، كان مع بداية عهد الأسد الابن، إذ تم تقديم النظام بوصفه نظامًا حداثيًا علمانيًا يحمل مشروعًا واعدًا للتغيير، وقد صدّق الداخل والخارج هذه الكذبةَ الكبرى، حدّ أن البعض كان يبحث عن مبررات لعدم نجاح الإصلاح الذي لم يكن النظام يريده إلا بمقدار ما يعزز سلطته، وهو الأمر الذي انكشف مع اندلاع الثورة، بعد فقدان الناس لأي أمل؛ فعاد النظام إلى وجهه القمعي داخلًا، وبدأ رحلة التكيف خارجًا، في محاولة منه لفهم ماذا يريد هذا الخارج لكي يصمت عن بقائه، فإذا كانت إيران تريد ممرًا بريًا من طهران إلى بيروت، فهو يقدمه لها، وإذا كانت تريد تغييرًا ديموغرافيًا بحيث يجعل من التغيير الذي تجريه أبديًا، فهو مستعد للموافقة عليه، وإذا كانت روسيا تريد أن تضمن مصالحها اليوم وغدًا وأن تجعل من سورية أرضًا للرد على الإمبريالية الأميركية، فليكن، وإذا كان حزب الاتحاد الديمقراطي يريد حكمًا ذاتيًا وأرضًا ينطلق منها للحرب ضد تركيا، فليكن، وإذا كانت (إسرائيل) تريد أمنها وهضبة الجولان معها، فليكن، شرط أن يضمن النظام أن (إسرائيل) تضمن بقاءه، وإن أراد الأميركيون إقامة قواعد عسكرية وتقسيم سورية فليكن، وإذا كان العالم يبحث عن “أرض جهاد” تستقبل كل جهاديي العالم، لتكون الحرب على الإرهاب بعيدة عنهم، فلتكن الأرض السورية، وإذا كانت دول الاستبداد الإقليمية تريد إظهار الربيع بوصفه خريفًا وحربًا أهلية، لتمنع شعوبها عن خوض التجربة، فلتكن الحرب في سورية أهلية وطائفية ودولية، وإذا كان رأس المال المعولم يبحث عن أسواق ربح جديدة، فلتهدم سورية على رأس الجميع، ومن ثم يتم إرضاء الجميع بعقود إعادة الإعمار التي يتجهز لها العالم اليوم لقبض الأثمان (ثمن الصمت عن نظام قاتل ومجرم) فيما دماء الضحايا لم تنشف بعد.. إذن بحث النظام عما يريده كل طرف خارجي، وقدّمه له في تكيّف أبقاه حتى اليوم.

إن جولات الأسد الأخيرة تشير إلى أن مرحلة التكيف مع الخارج انتهت، وأن العودة للتكيف مع الداخل بدأت عبر إعادة ترميم الشرعية، فهل حقًا نجا النظام والأسد معًا؟.