قناع “حزب الله” الأخير

لم تكن صور مشاهد السوريين ممدّدين أرضًا على بطونهم، في عرسال، تحت رقابة جنود من الجيش اللبناني نشرتها الصحف مؤخرًا، وكذلك تلك التي سربت عن تعذيب آخرين من السوريين أثناء التحقيق معهم، إلا تكرارًا لصور مشاهد أخرى، كانت تتم على أيدي جنود الأسد أو شبيحته أو عملائه، مماثلة في عنفها وشناعتها، ومتطابقة في الرسائل التي أراد مسربوها بثها عبرها. ملأت هذه الأخيرة، من قبل وطوال سنوات، صفحات وشاشات الوسائل الإعلامية على اختلافها في العالم كله، مثلما أذاعتها مختلف وسائل التواصل الاجتماعي على الشبكة العنكبوتية. كان النظام الأسدي وحلفاؤه وعملاؤه يحاولون أن يُرهبوا بها من خرجوا يطالبون بالحرية وبالكرامة؛ فكانت الرسالة واضحة: لا حرية للسوريين ما دام تنظيم الأسد قائمًا، ولا كرامة لهم وحلفاؤه، من مرتزقة إيران في لبنان المنضوين تحت راية “حزب الله”، يعيثون جرائمَ وفسادًا في الأرض السورية، ويشوهون بأفعالهم ومزاعمهم كلَّ معاني النضال والمقاومة والتضامن والأريحية التي وسمت حياة السوريين، حتى باتت تقليدًا راسخًا في تاريخهم، لا منذ ضياع فلسطين، بل منذ أن وطأت أقدام المستعمرين الأراضي العربية، بدءًا من الجزائر والمغرب الأقصى وانتهاء بالعراق.

ست سنوات من الثورة أيضًا، من أجل استعادة الحرية والكرامة، وكذلك وخصوصًا من أجل استعادة المعاني الحقيقية لمفاهيم فُرِّغَت من مضامينها بالكذب والنفاق والجريمة والعمالة والخيانة، وكان عنوانها الاستثمار في الطائفية تشجيعًا عليها وتحريضًا من أجل تتويجها سلوكًا ورؤية وسياسة.

وها هي المشاهد الجديدة في عرسال تستعيد صورًا طبق الأصل، في الأوضاع وفي الإخراج، ولصالح مَنْ وضعوا عليها توقيع “الدولة” و”الجيش” في لبنان، عن كل ما سبق للسوريين أن رأوه من قبل، مع فارق واحد جديد، هذه المرة، لا يقال علنًا، بل يشحن بكل ما يحمل على فهمه فعلًا: العنصرية، لا في أبشع معانيها فحسب، بل في أكثر صورها إثارة لضرب من السخرية مريرة.

لا يحتاج المراقب إلى كبير عناء كي يفهم في هذه الحلقة الأخيرة التي أريد لها أن تكون أكثر صراخًا وشناعة، كي يعرف مَنِ الذي يختبئ وراء ما أريد له أن يظهر بوصفه فعل “الدولة” وممارسة “الجيش” في لبنان. إذ ليس من قبيل الصدفة أن نلاحظ أن هذه “الدولة” التي يعجز ممثلوها عن القيام بأبسط واجباتهم تجاه مواطنيها، تهرع فجأة إلى مخيمات اللاجئين السوريين كي تستعيد، عن طريق المشاهد التي رأيناها، هيبتَها الممرغة في التراب. ولا يمكن لأحد أن يجهل أو يتجاهل أن الحزب اللبناني الذي يرتكب جرائمه الموصوفة والطائفية في سورية، ولا يتواجد فيها بقراره، بل بقرار من أنشأه ولا يزال يضخ فيه القوة والحياة، وكل ذلك باسم “المقاومة” و”الممانعة”، هو الحزب الوحيد الذي يبرر لنفسه، بقوة الترسانة العسكرية التي يملكها، أن يكون فوق الدولة وفوق الجيش، وأن يسخِّرهما، بالتالي، لخدمة أهداف القوة الإقليمية التي يدين لها بوجوده وباستمراره. سيحاول البعض تنزيه الجيش اللبناني عن هذه الممارسات الشنيعة بحق من يفترض به حمايتهم. سوى أن الجيش اللبناني، حتى كتابة هذه السطور على الأقل، لم يتبرأ -إن لم أكن مخطئًا- مما نشر على أنه فعله وممارسته.

ما يمكن أن يراه الناس من فَرق بين مشاهد السوريين ممددين على الأرض أو صور تعذيبهم في عرسال أو صور التمثيل المريعة بجثامين من ماتوا أثناء اعتقالهم، وبين تلك التي رأوا مثيلها، في مختلف المناطق السورية، خلال السنوات الست الماضية، هو “لبنانيتها”. فما يُرادُ لهم أن يفهموه، أن السوري اليوم يُهان أو يعذب من قِبل “اللبناني”. وحين يقدم اللبناني على أنه الجيش أو الدولة، فهذا يعني كل لبناني، لا مجرد أولئك الذين يأتمرون بأوامر مندوب إيران السامي في لبنان. وهذا، على وجه الدقة، ما أراد “حزب الله” وربُّ عمله بطهران أن يستثمرا فيه هذه المرة، بعد أن استنفذا ما سِواه من مجالات الاستثمار الأخرى. ذلك أنه سبق لـ “حزب الله” وشارك مباركًا وفاعلًا في جعل اللبنانيين يعانون شرَّ أنواع الهوان، تحت هيمنة السلطة الأسدية عليهم ثلاثين عامًا. ولم يكن يقال إن هذه الهيمنة هي فعل نظام استبدادي، بل كان يقال عنها “هيمنة السوريين”، في الوقت الذي كان فيه السوريون أنفسهم، مثلهم مثل اللبنانيين، يعيشون تحت وطأتها ويعانون مثلهم من شرورها. بذلك يضيف “حزب الله” ومن وراءه إلى جرائمهم، جرائمَ تجذير وتأصيل نزعة عنصرية لا شكّ بوجودها لدى حفنة من اللبنانيين تجاه السوريين، كي تنسحب على جميع اللبنانيين الذين يعانون اليوم، هم أيضًا، من هذه السلطة خارج كل سلطة، ومن هذا الاحتلال الذي لا يشبه أي احتلال آخر، ومن هذا الحزب الذي اتخذ من اسم الله اسمًا مستعارًا لضرورات “العمل”، وكان واضحًا منذ اللحظة الأولى التي ولد فيها أنه حزب إيران ومندوبها السامي في لبنان.

يعلم قادة هذا الحزب وأرباب عملهم بطهران ما الذي يعتمل في نفوس السوريين ضد هؤلاء الرجال الذين جُنِّدوا واستنفروا من بقاع لبنان أو من جنوبه، بحجج واهية أو كاذبة، للمجيء إلى سورية حاملين راياتهم الصفراء، كي يعززوا سلطة الأسد وزمرته، فأعملوا في قراها وأراضيها قتلًا ونهبًا وتخريبًا. كما يعلمون أن السوريين لا يجهلون هوية من يقف وراء التحريض على الإساءة إلى من لجأ منهم مكرهًا إلى لبنان، بعد أن جُرِّدوا من كل ما يملكونه: قراهم وبيوتهم وأموالهم، في القلمون خصوصًا. ويدركون أنه لن تقوى الأيام ولا السنون على محو شرور أعمالهم من الذاكرة السورية، وأن هذه الأخيرة ستكون لهم، تعيينًا، بالمرصاد في يومٍ لن يكون بعيدًا. فكان لا بدّ لهم من أن يستنسخوا بعضًا من جرائمهم في سورية، ضد السوريين على الأرض اللبنانية، هذه المرة، بعد أن صاروا فيها لاجئين. وها هو “حزب الله”، حاكم لبنان الفعلي اليوم، وبدعم من حلفائه المحليين، ينجز ذلك، لا باسمه مباشرة وعلى رؤوس الأشهاد هذه المرة، كما فعل في سورية، بل باسم اللبنانيين، وعلى يد من يعلن إعلامه مسؤوليتهم: الدولة والجيش. أي لبنان كله!

يتطلع “حزب الله” وربّ عمله بطهران إلى تبرير وجوده في سورية عن طريق الزج باللبنانيين جميعًا، حتى لو تطلب ذلك منه تشويهَ سمعة أهم رموزهم، الجيش، من خلال استخدام هذا الأخير غطاءً لممارساته ذات الطابع العنصري الصريح في عرسال، حيث يتواجد اللاجئون السوريون الذين وصل الأمر بوسائل إعلامه وإعلام حلفائه إلى أن تطالب بإخراجهم من لبنان.

هكذا، بعد أن استثمر في الطائفية حتى استنفد كافة طاقاتها، لم يبق لـ “حزب الله” إلا العنصرية التي أراد استثمار وجودها، لدى بعض اللبنانيين، كي يعممه عليهم جميعًا، مستخدمًا كافة إمكاناته التلفيقية والإجرامية والإعلامية التي أتقن استغلالها في سورية، ويريد أن يجعل منها مثلًا يحتذى في لبنان، بدءًا بالسوريين الذين كان هو بالذات وأرباب عمله بطهران وراء لجوئهم.

سوى أن حبل الكذب -كما يرى السوريون قصير- وإن غدًا، كما يقولون عادة، “لناظره قريب”.