قول في القِيم الآن

الثورة ضد الدكتاتورية والاستبداد والفساد والعنف إلى جانب أنها قضاء على نظام سياسي أسس لهذا كله، وقام على هذا، واستمر بفضل هذا، والإتيان عليه من جذوره، فإنها أيضًا ثورة للقضاء على عالم القيم السلبية التي أشاعها النظام الدكتاتوري في المدرسة، في المؤسسة، في الشارع، في الجامعة وفي كل مجالات الحياة والعلاقات المعشرية، وإذا كانت القيم قد نشأت للحفاظ على السلم الأهلي والعلاقات الحميدة بين البشر، وهذا ما نسميه القيم الإيجابية؛ فإن القيم السلبية هي على النقيض من تلك، إنها القضاء على السلم الأهلي، إنها نفي وجود الآخر. ومن أهم القيم السلبية التي تجذّرت في عالم القيم، خلال هذه السنوات الطويلة من الظلم:

1 – التقيّة، وما يترتب عليها من إخفاء وكبت وظهور كاذب.

2 – العنف، بكل أشكاله من العنف اللفظي إلى العنف الجسدي.

3 – الوقاحة، بوصفها فقدانًا للحياء، يؤدي إلى فقدان الضمير.

4 – نفي الآخر، وبالتالي يصير كل شيء مباحًا.

فالخوف من الظهور الحقيقي يقود إلى تدمير الثقة بالآخر، وبالتالي تحطيم قوة الحقيقة التي بدونها لا تقوم ثقة بين الناس؛ وعليه، تسود ثقافة القِناع التي تظهر بأعلى صورها في الموقف الانتهازي من الواقع.

وإذا أضفنا عنف السلطة المادي والمعنوي كمصدر أساسي للتقية، فإن العنف مع استمراره فترة طويلة من الزمن يتحول إلى وعي بالآخر؛ فيصبح التعبير العدواني تجاه الآخر قيمة سلبية سائدة، وتظهر هذه القيمة السلبية السائدة أكثر ما تظهر في الوقاحة وتعبيراتها في الشتيمة وسهولة النيل من الآخر، بل الآخر قد مات كقيمة عليا وصار مباحًا لكل أشكال العنف المادي والمعنوي.

ولا شك أن أجيالًا عاشت في ظل هذا الدمار الأخلاقي، ولا سيما التي ولدت في ظله وعاشت فلن تفلت من آثاره السلبية بدرجات مختلفة، بل قد تتحول هذه القيم السلبية إلى بنية لا شعورية لدى الفرد الذي ثار على هذه القيم بفعل إرادي، ولكنه احتفظ في الوقت نفسه بالبنية اللاشعورية من القيم السلبية التي تربى عليها.

المتأمل، في بعض أشكال التعبير عن الاختلاف في أوساط المنتمين إلى المعارضة السورية الثورية، يُدرك تجذّر القيم السلبية بعد نصف قرن من تعميمها، فاللغة -بوصفها أداة تواصل وتعبير وحوار وتفاهم واختلاف- إذا لم ترتق إلى لغة الاعتراف بالآخر، والتحرر من العنف، فلن تستطيع أن تقوم بدورها الإيجابي في تشكيل الوعي الجديد أو العصبية الأخلاقية السامية، فكلُّ خطاب عنفي، داخل حركة التجاوز وبين أطراف حركة التجاوز، مقدمةٌ لشرخ بل لشروخ، يصعب تجاوزها.

إن إعادةَ الاعتبار، لعالم القيم الإيجابية التي هي قيم الحرية حيث لا تقية ولا وقاحة ولا عنف بل انتصار للفرد وقيمته بوصفه ذاتًا، عمليةٌ طويلة جدًا، لأن تجاوز خمسة عقود من الخراب الأخلاقي أمرٌ ليس سهلًا، وما يدعو إلى الحزن هو أن بعض أفراد النخبة المثقفة التي من شأنها الدفاع عن القيم الإيجابية غارقةٌ في مستنقع القيم السلبية، ولم تستطع التحرر منها.

مع ذلك، فإن دور النخبة المثقفة حاسمٌ في التحرر من القيم السلبية، لكن عليها أولًا أن تتحرر هي، قبل أي شيء، من الخراب الأخلاقي، لأن دورها في البناء الأخلاقي الجديد كبير جدًا، أنا لا أعرف ما الطريق إلى ذلك، لكني أعرف شيئًا واحدًا، هو أن أحدًا لا يستطيع أن يُعلن انحيازه للحرية، إذا لم ينطو هو ذاته على قيم الحرية.