المثاليّة في أيديولوجيا إنكار الطائفية السياسية – مقال حواري

سوف يأخذ هذا المقال صيغة حوارية؛ تعقيبًا على مقالي “العلويّة السياسية.. الطائفية.. لوازم الاستبداد”، المنشور في شبكة (جيرون) الإعلامية، في 4 حزيران/ يونيو 2017، حيث كتب علاء الدين الخطيب نقدًا مُوسعًا للمقال، قام بنشره كتعقيب أسفل المقال حينئذ. يمكن الاطلاع على المقال والتعقيب على الرابط التالي:

سأقوم بتقسيم مقال السيد الخطيب إلى فقرات متتالية، ثم أكتبُ تعقيبًا منفصلًا على كل فقرة أسفل منها.

علاء الدين الخطيب: مع التقدير للسيد حمزة ومساهماته، لكن هذا المقال يُعاني من الكثير من الخلل أولًا، طبعًا كل كاتب أو إنسان من حقه الكتابة في أي موضوع أراد. لكن منذ قرأت العنوان قفز السؤال إلى رأسي: للمرة الألف كلام في النظام الطائفي والعلوية السياسية؟ بغض النظر عما سبق 2011، فقد أُشبعت الصحافة والإعلام العربي والغربي كلامًا عن النظام “العلوي” أو “الطائفي” في سورية، وانطلق مصطلح المرحوم الدكتور العظم “العلوية السياسية” لينافس عناوين المسلسلات في الفضاء السوري! وكل هذه المقالات، بما فيها طروح الدكتور العظم، تدور في الفلك نفسه من حجج ظاهرية. وبصراحة -مع احترامي للكاتب- لا أرى جديدًا هنا يتجاوز ما طُرح، سوى تطعيمه ببعض من منهجية المنطق الحيوي.

حمزة رستناوي:

بداية المادة المنشورة في موقع (جيرون)، والمُعنونة بـ (العلويّة السياسية، الطائفية، لوازم الاستبداد)، ليست دراسة أكاديمية أو بحثًا علميًا، وإنما هي مقال.. شكل مفتوح للكتابة، يجمع بين الموضوعي والذاتي.. لا بل الذكريات، يناقش -في سياق نقدي غالبًا- العديدَ من المقولات والأفكار الشائعة ذات الصلة بقضايا الطائفية والمجتمع والسلطة السورية.

لا يوجد علاقة ضرورية أو عكسية بين دقّة المُصطلح الاجتماعي-السياسي، وبين درجة التشويق والتحفيز التي يعرضها، وعلى كل حال يبقى التحفيز الإيجابي مطلوبًا من جهة إطلاق العنان لآليات التفكير والنقاش العام، ما لم يترتّب على ذلك تلفيق أو تبرير ازدواجية المعايير. أما بخصوص منهجية المنطق الحيوي، فقد استُخدِمت لنفي وجود جوهر ثابت للكينونة الاجتماعية بما يشمل الفئويات العقائدية الدينية/ الطائفية، وفي سياق لفت الانتباه إلى ضرورة عدم التعميم في إطلاق الأحكام، وكذلك عند تفسير المنسوب الحيوي للكينونة الاجتماعية، باستخدام مصطلحي التفرّد والشَّخصنة، وهو ما لم يقف عنده السيد علاء الدين الخطيب، ورأى فيه مجرد تطعيم زائد!

* * *

علاء الدين الخطيب: ثانيًا، طبعًا لا نجد هنا تعريفًا للعلوية السياسية التي كانت عنوانًا جاذبًا جدًا، وبالتالي؛ يمكن الافتراض أنها مستخدمة هنا حسب تعريف الدكتور العظم، مُطلقُ هذا المصطلح، حيث أيضًا لا يوجد تعريف واضح لها عند العظم، سوى أنها تُعبّر عن ديكتاتور وضباط من الطائفة العلوية، كان لهم السلطة الأكبر في سورية، وحفلات عشاء أغنياء دمشق، حيث كرهها السنة ضمنًا (حسب تعبيرات الدكتور العظم)، وطبعًا ربطها العظم أو شبّهها بالمارونية السياسية، دون إيراد أي تبرير.

حمزة رستناوي:

ورد تعريف واضح ودقيق للمقصود بالعلويّة السياسية، ولا بأس من التذكير به اقتباسًا “الطبيعة الطائفية للنظام السوري، ليست طبيعة جوهرانية مطلقة، والأكثر دقّة هو القول بحضور البعد الطائفي للنظام السوري، كعصبية سياسية اجتماعية –بالمعنى الخلدوني- تُعزِّز بقاء النظام، وليس كإيديولوجيا رسمية تتبنّاها السلطة، كما هو حال نظام ولاية الفقيه في إيران أو في نظام دولة طالبان أفغانستان، أو بعض أنظمة الخليج مثلًا. للنظام السوري صفة مركّبة، ويشتغل على شبكة ولاءات ليست عائلية فقط، وليست طائفية فقط، وليست اقتصادية فقط، وليست سياسية فقط. الطائفية هي صفة للنظام والسلطة الحاكمة، وليست صفة للسوريين العلويين، كما أنّ الطائفيّة هي صفة لطَيفٍ واسع من المعارضة السياسية والمُسلحة ضد النظام، وليست صفة للسوريين السنّة” انتهى الاقتباس.

بالنسبة للمقارنة بين العلوية السياسية والمارونية السياسية، يمكن الإحالة إلى الاقتباس التالي من المقال “النظام الطائفي لا يأخذ شكلًا واحدًا بل هو طريقة تشكّل وصيرورة حركية احتوائية احتمالية نسبية -ربطًا بنظرية المنطق الحيوي- وبالتالي فالنُظم الطائفية لا تتطابق بل تختلف عن بعضها البعض، وفقًا للسياقات الزمكانية الاجتماعية. إنّ وصف أي نظام بأنه طائفي يجب أن يكون بناء على معايير موّحدة، ليست مُنحازة لفئوية طائفية دون أخرى؛ بما يستلزم مثلًا وصف النظام البحريني بالطائفية مثلًا، أي سلطة استبدادية تستند على عصبيات عائلية أو عرقية أو طائفية أو.. إلخ أو جميعها. إنّ طبيعة النُظم الاستبدادية لا تتوافق مع حيادها تجاه الفئويات الاجتماعية والعقائدية المختلفة، لأن السلطة تقوم أساسًا على الولاء الأعمى للسلطة والزعيم”. انتهى الاقتباس؛ وبناء على ذلك فإن اختلاف المارونية السياسية عن العلوية السياسية -وهو اختلاف قانوني وموجود- لا يعني نفي الصفة الطائفية عن كلتا الظاهرتين، وإنّ مجرد حضور الانتماء العقائدي الفئوي بشكل فعّال، في المجال السياسي العام، سبب كاف للقول بعصبية اجتماعية سياسية، هي عينها الطائفية.

* * *

علاء الدين الخطيب: ثالثًا، يعتمد المقال في أحد حججه الأساسية على “دراسة إحصائية” لما نشره موقع كلنا شركاء (ذو التوجه الطائفي الواضح منذ 2011) عن (مركز الشام للدراسات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية) في شهر 8 عام 2011! بالبحث الطويل على الإنترنت لا نجد سوى صفحة (فيسبوك) متواضعة للمركز لا تقول شيئًا عن المركز، وبضعة أخبار متناثرة على بلوغات أو مواقع بسيطة التركيب دون أي معلومات. على كلٍّ، المصيبة هي في نص المقال المنقول عن (كلنا شركاء) كدراسة علمية! فلو افترضنا جدلًا أن هذا المركز هو فعلًا ما يدّعي، من يُصدّق أنه في صيف 2011 في الشهر الثامن، والنظام الأسدي واستخباراته وجيشه وكل عصاباته بأوج قوتها، كان من الممكن للمركز أن يقوم بدراسة استبيانية استطلاعية للرأي، بين كل هؤلاء السوريين؛ ومن ثم يعممها على ملايين الناس!! المقال لا يضع رابط مقال (كلنا شركاء)، لكن سأورده في نهاية التعليق، ليرى القارئ أي بؤس علمي في هذا التقرير، وأنه تقرير من مبتدئ في إعلام التحريض الطائفي.

حمزة رستناوي:

أوافقك الرأي في أنه يمكن التشكيك باستطلاع الرأي في موضوع توزيع نسبة موالاة السلطة على طوائف السوريين، وللأسف صفحة الموقع (مركز الشام للدراسات الديمقراطية وحقوق الإنسان في سورية) على الشابكة أُغلقت، ولم يعد ممكنًا الرجوع إلى الرابط الأصل؛ مما اضطرني إلى الرجوع إلى المصدر الناقل. لكن ينبغي هنا الإشارة إلى نقطتين على صلة؛ الأولى، صعوبة إجراء أي استطلاع رأي، يحقق معايير موضوعية، للسوريين تحت حكم السلطة السورية الشمولية المتوحشة، لغياب الشفافية وانتشار ثقافة الخوف، وهذا الخلل تتحمّل مسؤوليته السلطة ذاتها. والثانية، لم تأت الإشارة إلى هذه الدراسة الإحصائية كقرينة مفردة، في كون السلطة السورية تحظى بتأييد أكبر بكثير ضمن أوساط السوريين العلويين مقارنة بالسوريين السنة، ولا أعتقد أنّ هذا مثار خلاف بين الباحثين المُنصفين أو حتى عموم السوريين، خاصة في السنة الأولى للثورة، وقبل استفحال موجة القمع العنيف والإرهاب، أقول: ربما يقع الخلاف بين الباحثين والسوريين حول دوافع وأشكال هذا الولاء للسلطة، وليس حول رجحان نسبة الولاء للسلطة السورية في مجتمعات السوريين العلويين. لا بأس هنا من التذكير اقتباسًا بما ورد في المقال الذي علّق عليه علاء الدين الخطيب “وهذا التأييد معروف لكل من يعيش في الداخل السوري، فكلمة الأحياء والقرى الموالية للسلطة هي غالبًا تسمية مرادفة للأحياء ذات الغالبية العلوية. والأحياء والقرى المعارضة هي تسمية مرادفة للأحياء ذات الغالبية السنّية في المناطق الساخنة”، وكذلك “من قرائن حضور البعد الطائفي للنظام السوري، وجود توزيع غير متوازن وغير متناسب خاصة في المؤسسة الأمنية والعسكرية بين السوريين من منظور عقائدي فئوي. حيث يشغل الضباط المنتسبون إلى الطائفة العلوية معظمَ المناصب الحسَّاسة والوازنة في أجهزة الاستخبارات والحرس الجمهوري والجيش”، ثم بماذا يُفسّر علاء الدين الخطيب ارتكاب قوات النظام لمجازر إبادة طائفية ضد مجتمعات سنّية حصرًا، وبماذا يُفسّر استعانة النظام بميليشيات طائفية شيعية عراقية وأفغانية وحرس ثوري إيراني و(حزب الله) لقمع ثورة شعبية. بماذا يفسّر حماس علويين خارج سورية في لواء إسكندرون ولبنان في موالاة النظام؟! وبماذا يُفسّر مولاة غالبية الشيعة حول العالم للنظام في قمعه للثورة؟! مع التأكيد أننا هنا في سياق مناقشة الطبيعة الطائفية للنظام السوري، وليس أي شيء آخر.

* * *

علاء الدين الخطيب: رابعًا، يورد الكاتب عددًا من الأفكار أو بالأحرى الأحكام المطلقة بصيغة الإقرار والتعميم بصورة خطيرة، لا تختلف عن المقولات الشعبية المنتشرة حول التفسير الطائفي والديني للواقع والتاريخ، ويستند بذلك إلى مقولات أشخاص وخبراتهم الشخصية، وما يتناقله الناس من كلام وإشاعات وقصص. من هذه الأحكام الكارثية في تعميمها، وحسب نص المقال، قوله “إنّ الممارسات الأكثر قسوة تجاه المعارضين السياسيين والمدنيين والقمع الأكثر وحشيّة… كانت مختلطة بدوافع ثأر طائفية ضد الفئوية السنّة”، وأيضًا “شعور نفسي مسيطر لدى سوريين من الفئوية العلوية بأن السلطة السورية تمثّلهم، وأنها “سلطتنا” بصيغة الملكية، حيث يجري النظر إلى أحداث/ مجزرة حماة 1982 على أنها انتصار لنا نحن -العلويين- على أنتم -السنّة-. بأي دراسة استطلاعية علمية بحثية، وصل الكاتب إلى هذه التعميمات على ما يزيد على مليوني علوي سوري أو على نحو 16 مليون سوري سني؟ هناك فرق هائل في دراسة المجتمعات بين القول “هذا المجتمع جاهل لأن نسبة الأمية فيه تصل إلى 60 بالمئة” أو أنه “محافظ متدين مما يظهر في شارعه ولباسه ودور عبادته وعاداته وتقاليده”، وبين القول “هذا المجتمع يريد الثأر من ذاك”، أو “هذا المجتمع سعيد بقتل آلاف الناس، إنه هدم للعلم والمنطق، يوم نُطلق أحكامًا على نيّات ومشاعر جماعات بشرية كاملة، وفق طائفتها أو دينها أو قوميتها وجنسها أو علمها أو غناها.. لا يوجد دراسة علمية عصرية تقبل هذه التعميمات، ومنطق ابن خلدون -على الرغم من ثوريته في زمانه وعصره- قاصرٌ جدًا عن علم القرن 21.

حمزة رستناوي:

أزعمُ أنّ لغة المقال جاءت بعيدة إلى حدّ كبير عن الوثوقية والتعميم غير البرهاني. إنّ أيّ مقاربة للظواهر الاجتماعية التاريخية السياسية، ينبغي ألّا تُغفل أشكال الوعي والاعتقاد والقناعات في المجتمعات كما هي وكما تعبّر عن نفسها، بغض النظر عن درجة برهان حدوثها تأكيده في الواقع. إنّ هذه الاعتقادات الدينية والاجتماعية والسياسية تلعب دورًا مهمًّا ومؤثرًا في صناعة الحدث وصيرورة التاريخ السياسي والاجتماعي؛ وبالتالي فإنّ اعتقاد مجموعة قومية أو دينية بالمظلومية التاريخية أو اعتقادها بتفوّق عنصري أو اعتقادها برمز سياسي معيّن، هو أمر يؤخذ بالحسبان في البحث والقول الاجتماعي السياسي والتاريخي، بغض النظر عن برهان حدوث أو صدقية هذا الاعتقاد وقائعيًا، ومن هنا جاء التمييز بين التاريخانية أو التاريخية الجديدة وعلم التاريخ مثلًا.

إنّ الشهادات التي وردت في المقال، على لسان سياسيين ومثقفين ومن بيئة كاتب المقال، ليست دراسات علمية بل هي شواهد وأمثلة، وآراء، تعرض وجهة نظر كاتب المقال. مع الإقرار بصعوبة الالتزام بمنهجية العلم “النظري أو الطبيعي” في العلوم الاجتماعية عامة، والعلم السياسي الخاص بالشأن السوري لنقص المعلومات وصعوبة توثيقها بسبب ظروف الصراع.

أوافق السيد الخطيب بضرورة عدم الحكم على النيات والمشاعر، ولكن الحكم يكون بناء على المواقف والسلوك والمصالح الظاهرة التي تتجسّد بها وتعرضها هذه الكمائن والنيّات والدوافع النفسية. مثلًا عندما تُرتكب مجزرة إبادة جماعية لأبرياء على أساس طائفي، مجزرة الحولة أيار/ مايو 2012، من قبل مجموعات طائفية (علوية) مجاورة وسلطة حكومية مشاركة أو متواطئة معها، ونجد غياب مظاهر تنديد أو تعاطف أو حداد مع ضحايا هذه المجزرة، من قبل السلطة الحاكمة والمجتمعات المحلّية، عندئذ نحن لا نتكلم عن مشاعر ونيّات، بل عن مواقف وسلوك ومصالح ينبغي الوثوق بها وتحليلها، وبالطبع دونما تعميم أو شطط.

* * *

علاء الدين الخطيب: خامسًا، هل يوجد لهجة علوية في سورية؟ للأسف إن الكاتب لا يعرف أن ما يُسمى شعبيًا لهجة علوية هو في الواقع لهجة بعض ريف جبلة، ولهجة علويي هذا الريف مختلفة تمامًا عن علويي طرطوس أو حماة أو اللاذقية.

حمزة رستناوي:

هل يوجد لهجة علوية في سورية؟ سؤال أحيله إلى عموم السوريين، ومن واقع معاشهم اليومي، لم أكن أعتقد بأن وجود اللهجة العلوية هو مثار خلاف! مع التذكير بأنّ وجود أي لهجة شعبية لا يمنع وجود لهجات فرعية واختلافات ضمن اللهجة نفسها. ومع التذكير بأن اختلاف اللهجة يكون بالمقارنة مع لهجات سورية رئيسية أخرى كاللهجة البدوية أو اللهجة الديرية أو لهجة مدينة حلب أو لهجة مدينة اللاذقية أو اللهجة الدرزية مثلًا. وبشكل مبدئي يمكن تعداد سمات للهجة العلوية من قبيل “استخدام القاف استخدام منكين، واحدكين، عنكِين.. في اللهجة العلوية مقابل منكون، واحدكون، عنكون – استخدام موي مقابل مَي – أفينك (ألا تستطيع) في اللهجة العلوية مقابل فينك – عبارة مرحبا يا حبيب.. هلا بالغالي – كثرة استخدام كلمة قرد.. إلخ” وعلى الأقل يستطيع ساكنو الجغرافيا السورية في ريف حماة الشمالي -وقد نشأ فيها كاتب السطور- تمييزَ السوريين من سكان القرى العلوية المجاورة من خلال سمات لسانية مشتركة. كذلك ينبغي الإشارة إلى متابعة طريقة تسويق اللهجة العلوية كلهجة سلطة في الدراما التلفزيونية السورية وليس غيرها!

* * *

علاء الدين الخطيب: سادسًا، يُكثر الكاتب من تكرار حوادث وكلام الناس عن الضباط والمسؤولين، وما يتناقلونه شعبيًا الشعوب تاريخيًا أو حاضرًا تُحاول أن تُفسر حالتها المزرية كشعب محكوم بديكتاتور عبر مقولاته الشعبية، لكنها غالبًا تخطئ! فهل يمكننا الاستشهاد بما كانوا يقولونه ويصدقونه في ثلاثينيات القرن الماضي عن الجن والسحر والشعوذة؟ وهل نأخذ الآن ما يقوله السنّة عن الشيعة وبالعكس؟ حتى في سورية هناك مقولة سنّية، على الأقل في منطقتي بريف دمشق تقول “لا تأكل عند الدرزي ولا تنام عن المسيحي”؟ صحيح، أن الشعوب ولّدت كثيرًا من الحكم بخبراتها التاريخية المتراكمة، لكنها أيضًا ولدت كثيرًا من المقولات الساذجة وأحيانًا الحمقاء لأن الشعوب بعمومها كثيرًا ما عجزت وتعجز عن فهم واقعها وأسبابه (الكلام هنا ككتلة جماعية وليس تسفيها للشعوب) والدليل الواضح أن كل شعوب الأرض عاشت آلاف السنين تحت حكم ديكتاتوري ظالم فاسد دموي، بل حتى الآن ما زالت شعوب البلاد الديمقراطية الغربية، ككتلة جماعية بشرية، لا تعرف سبب مشكلاتها وما زال القرار قرار الإعلام والمال نسبيًا.

حمزة رستناوي:

لا ينبغي موافقة الآراء أو العقائد الاجتماعية السائدة، كما لا ينبغي رفضها لذاتها، بل يجب نقدها وتجاوز قصورها وتعزيز الحيوي منها، ولكن في كل الحالات لا ينبغي إهمالها، فهي تشكّل أحد عوامل الحدث والتغيير الاجتماعي السياسي. ومقولة مثل “لا تأكل عند الدرزي، ولا تنام عن المسيحي” إنّ شيوعها يعكس صورة انغلاق عقائدي اجتماعي، وقد يؤثر في خيارات الآخر الدرزي أو المسيحي في التعامل مع المجتمع الذي يوالي هكذا مقولات.. والعكس بالعكس.

* * *

علاء الدين الخطيب: أخيرًا، يقول الأستاذ حمزة، أن يُجابه الواقع بشجاعة الطبيب! وهي حجة مُكررة عند كثيرين ممن ناقشوا الوضع الطائفي في سورية من منطلق أن “النظام السوري نظام علوي أو طائفي” أو حتى جماعات شيطنة العلوية والشيعة، والكاتب طبعًا ليس منهم في أي شكل، بل على العكس تمامًا، هو يعمل بجد لمواجهتهم. طبعًا المشكلة الطائفية والطبقية والعائلية والقبلية والعرقية موجودة في سورية مثل أي مجتمع، وقاسية لأن سورية حتى الآن لم تصل إلى الديمقراطية والعلمانية، وأقسى لأن الطائفية كانت سلاحًا إعلاميًا مُدمرًا، استخدمه النظام الأسدي وحلفاؤه وكل حكومات المنطقة والإعلام وغالبية ممن يدّعي أنه إعلام ثورة. لكن هل فعلًا اتبع منهجًا علميًا في مواجهة المشكلة؟ بالواقع كما مر سابقًا هنا لا يوجد منهج علمي يعتد به في المقال. بالعكس، الأحكام المطلقة أو شبه المطلقة التي أطلقها المقال، تساهم في تعزيز المشكلة وليس حلها. والكتابة ليست بالنوايا، فالكلام حق المستمع والقارئ ليفسره، فإن فهمه كما أراد فهو خطأ المتكلم وليس المتلقي، وما ورد من فرضيات كحقائق، أوردت بما سبق مثالين عنها، ليست مبضع جراح عرف المرض بأسبابه الأساسية، بل هو طبيب رأى تظاهرات المرض على الجلد ولم يستطع إدراك المسبب الأساسي في الأعضاء الداخلية للجسم.

حمزة رستناوي:

هذا قد يدخل في باب الكلام المُرسل، ربّما كان من الأنسب القول مثلًا “إن القول بالعلوية السياسية أو بوجود بعد طائفي للنظام السوري” هو أمر خلافي لا أوافق عليه بقرينة كذا وكذا.. ولا أجد مبررات كافية لوصف المقال بالسطحية والشعبوية.

* * *

علاء الدين الخطيب: وأضيف حقيقة أخرى يُقررها الكاتب، وهذا قرار ظالم خارج العلم، وهو مكتوب بخط غامق في المقال، أي أنها مكتوبة بحذر “من المُغالطة القول إن العلويين جيدون لا علاقة لهم بالنظام، أو بالمقابل من المغالطة القول إن العلويين سيئون ويتحمّلون مسؤولية جرائم النظام”، كان يمكن أن أشكر الأستاذ حمزة بعمق على جملته الثانية لولا أنه سبقها بحكمه الأول! لماذا هي مغالطة أن نقول إن مجموعة بشرية، بمعنى من طائفة أو دين أو بلد أو عرق، هي مجموعة جيدة، وحُكمًا سيتم فهمها كغالبية؟ ما المشكلة أن أقول إن السوريين أو العراقيين أو الأميركيين أو الروس أو الصينيين أو السنة أو الشيعة.. هم جيدون؟ أين المغالطة؟ هل كون ديكتاتور السوريين الأسد ساهم في حرب دموية في لبنان؟ وأرسل الإرهابيين إلى العراق في 2003 يعني أن السوريين ليسوا جيدين؟ ومغالطة أن أقول إنهم جيدون؟ لو حذف الكاتب كلمة “جيدون”؛ لكان يمكن النقاش، لكن نفي حكم الجودة، هو حكم لا علمي ولا مقبول إنسانيًا.

حمزة رستناوي:

أميل إلى القول إنّ المعروض أعلاه هو مثالية مُتعالية عن تشخيص الواقع وصيرورة التاريخ. ببساطة رسالتي هي: نفي التعميم الإيجابي أو السلبي ومحاولة فهم الكينونة الاجتماعية من منطق وجود قوى حيوية وقوى قصور ضمن كل كينونة اجتماعية، وإن المنسوب الحيوي للكينونة الاجتماعية يتعلق بحصيلة الصراع ما بين قوى القوى الحيوية وقوى القصور ضمنها. وما ينطبق على الفئوية العلويّة هنا ينطبق على أي كينونة اجتماعية بشرية، بما يشمل الفئوية السنيّة أو العلوية أو فئوية قبائل الهوتو أو المجتمع السويسري أو عائلة رستناوي وعائلة الخطيب أو قبيلة شمّر.. إلخ. وفقًا لنظرية المنطق الحيوي، إنّ أي كينونة اجتماعية هي شكل حركي احتمالي احتوائي نسبي، وهي تعرض لمصالح أكثر أو أقل حيوية قياسًا وربطًا بأولويات الحياة والعدل والحرية، وإن المنسوب الحيوي للكينونة الاجتماعية “المجتمع” هو حصيلة توازنات القوى والصراع بين القوى الحيوية “قوى التفرّد” وقوى القصور “قوى الشَّخصنة” وهي مصطلحات أراها مفيدة ودقيقة من وضع رائق النقري “فقه المصالح، رائق النقري، دار الامين، 1999، ص53″، وللتوسع في تطبيق هذه النظرية والمصطلحات على الخطاب السياسي السوري المواكب للثورة/ الحرب السورية، يمكن مراجعة الفصل الخامس، والمُعنون من كتابي “الغريب النجس في الخطاب السياسي السوري، حمزة رستناوي، دار كتابوك، 2017”.