المجزرة القادمة في إدلب!

منذ زمن بعيد، كفّ الإعلام عن أن يكون محايدًا إلا ما ندر، وبشكل ضيق جدًا، إذ بات موظفًا ضمن أجندة محدّدة تهدف إلى تحقيق أهداف محدّدة، فهو اليوم من يصنع الرأي العام؛ إذ يعمل على صناعة القبول (كما يقول تشومسكي) أو الموافقة لحدث سيأتي لاحقًا. هذا أمر شهدناه مرارًا خلال محطات الربيع العربي وقبلها، إذ يكفي أن يتم الترويج للسلمية حتى تتحوّل إلى أيقونة، ثم تعود المحطة ذاتها لتشجع على حمل السلاح تحت مسمّيات براقة، تبدأ من الدفاع عن النفس ولا تنتهي عند إطلاق لفظة الأحرار والثوار على كل ما هب ودب، ثم يأتي يوم يتحول فيه هؤلاء، لدى المحطات ذاتها أو محطات أخرى -عبر تبادل الأدوار- إلى “إرهابيين”.

هذا أمرٌ شهدناه في الإعلام العالمي مرارًا، إذ كان المقاتلون الإسلاميون، ضد السوفييت في أفغانستان، يسمّون المقاتلين من أجل الحرية، وبعد هزيمة الاتحاد السوفياتي أضحوا الإرهابيين! ما جرى ضمن هذا السياق، خلال محطات الربيع العربي، كثير وكبير جدًا، ونحتاج إلى مراجعة شاملة لتقويم ما حدث، وهذا من الصعب حصوله اليوم نظرًا إلى كثافة الأحداث التي تتلاحق؛ ما يجعل التفكير الرصين الهادئ ترفًا، عدا عن صعوبة القيام به في ظلّ بقاء الكثير من الحروف غير منقوطة بعد، ما يجعل الطريق وعرة أمام من يبحث عن الحقيقة، وهذا ما يسهّل أجندة هؤلاء، بمتابعة خططهم الجهنمية في ظل هذا الإبهام والغموض الذي يبدو، في كثير من الأحيان، متعمّدًا لأجل تحقيق المراد تحقيقه.

مناسبة الكلام السابق هو التصويب الإعلامي الذي يجري اليوم على مدينة إدلب، إذ فجأة اكتشف هذا الإعلام أن إدلب يسكنها “جهاديون” و”إرهابيون” من كلّ حدب وصوب؛ الأمر الذي يطرح السؤال التالي: ما الذي يُعدّ لإدلب في المستقبل القريب؟ وما الذي يعمل الإعلام على صناعة القبول به اليوم لكي يغدو مقبولًا غدًا؟

كان ملفتًا، في السياق السوري، أن إدلب تحولت تدريجيًا إلى مأوى من لا مأوى له، فهي، من جهةٍ، نافذة المدنيين المهجرين من مناطقهم للعبور إلى خارج البلاد عبر ممرات ومعابر سرية نحو تركيا، ثم تحولت إلى ملاذ آمن (حتى الآن) لكل مقاتلي المناطق التي وقّعت هدنًا أو مصالحات مع النظام، بغض النظر عن أيديولوجية المقاتلين، سواء كانوا من الجيش الحر أو من القاعدة أو جبهة النصرة أو (داعش) أو فصائل إسلامية أخرى، وذلك في اللحظة التي تعلن فيها تلك الدول (التي رعت تلك الهدن) أنها لن تتساهل كليًا مع النصرة أو (داعش) أو غيرها؛ الأمر الذي يدفع إلى التساؤل: ما سر تجميع كل هؤلاء المقاتلين في إدلب؟ وهل هذا الأمر يتم برضى أميركي/ أوروبي؟ (يصعب القول هنا إن الأخيرتين غير موافقتين).

وإذا أضفنا إلى ما سبق أن كلّ “المجاهدين” القادمين من خارج سورية، وخاصة من المحيط الروسي والصيني وأفغانستان، والجهاديين الأجانب (ذووي الجنسيات الغربية).. إلخ، يتجمع القسم الأبرز منهم في إدلب وريفها وبعض أرياف حلب وباتجاه الرقة التي يجري الإعداد لـ “تحريرها”، حينذاك سندرك أنّ وراء الأكمة ما وراءها، وأن هذا التجميع ليس لوجه الله، إذ يبدو واضحًا أنّ السياق العالمي يجعل من الإرهاب لا الاستبداد عدوه الأول، وأن الجميع يعمل على التخّلص من “الإرهابيين” الذين يؤرقون أمنه القومي في سورية التي تحولت مكبّ نفايات “الجهاد العالمي”، وبشكل مخطط ومبرمج له، مذ منع تسليح الجيش الحر، ومذ منعت أي محاولة جادة لفرز المعتدل (إن وجد أساسًا خارج الجيش الحر) عن الجهادي والقاعدي في سورية، إذ كان المراد دائمًا أن يبقى هذا الالتباس قائمًا (جزء من الغموض البناء الذي تحدثنا عنه سابقًا) لكي تسهل عملية التلاعب بهذه الفصائل وأخذها نحو حتفها الأخير، عبر تهيئة المشهد الملائم للمجزرة الأخيرة التي لن يتوّرع جزار الشيشان السابق (بوتين) عن القيام بها، وبرضى وموافقة أميركية أوروبية كلية، فليس لأي أحد مصلحة في عودة هؤلاء المجاهدين أو حتى في بقائهم في سورية أحياء بعد تسوية ما، إذ بينت حروب أفغانستان والعراق والعمليات الممتدة من الشمال الإفريقي حتى نيجيريا وجوارها (بوكو حرام) أن هؤلاء الإرهابيين يجدون دومًا طريقهم نحو ساحات الجهاد ما إن تفتح أبوابها.

إذن، إن ما يجري ليس إلا نصب المشنقة التي تشارك تلك الفصائل بالتعاون مع غباء المعارضة في نصبها لنفسها، وحين يكتمل المشهد يأتي دور الإعلام لتقديم إدلب باعتبارها قلعة التشدّد والإرهاب، معقل القاعدة والجهاديين؛ وستصبح الحرب عليها مقدّسة، ولعل “تذكير” ترامب لأردوغان، في زيارته الأخيرة، بأنّ القضاء على الإرهاب هو أولوية واشنطن، يعطي دلالة واضحة في هذا السياق. وهنا يكون دور الإعلام العملَ على صناعة القبول والرضى للمجزرة القادمة في إدلب.

على الرغم من كل ما سبق، تبقى المشكلة دائمًا هي مشكلة تلك الفصائل والمعارضة السورية، إذ لم يدركوا أنّ فصائل من نوع “أحرار الشام” و”جيش الإسلام”.. وغيرها، وهي المصنّفة “معتدلة” تجاه القاعدة وداعش والنصرة، لن تكون مقبولةً -لا محليًا ولا دوليًا- بأن تكون شريكًا في الحكم أو أن تحكم، ولنا في حماس والإخوان والنهضة شاهدٌ، ومثله في حزب العدالة والتنمية المغربي (مع أنه يُعدّ “سوبر حداثة” إذا ما قيس بغيره من الإسلام السياسي)؛ ولهذا سيكون التخلّص منها -اليوم أو غدًا- “مصلحة دولية” تحت ستار الحرب على الإرهاب، فهل بدأ العد العكسي للمجزرة القادمة أم قد تنقذ التسوية السياسية (إن تمّت قبل المجزرة) أهاليَ إدلب الطيبين والبسطاء من مصير الهولوكوست هذا؟