“الماكِرونَ” في السياسة

وهكذا انتصر إيمانويل ماكرون، في الانتخابات الرئاسية، بنسبة مريحة من الأصوات؛ وأُسقِط في يد متطرفي اليسار واليمين كليهما، بعد أن سعوا إلى ترجيح كفّة مرشحيهما (جان لوك ميلانشون ومارين لوبين) المتشابهين في الكثير من المحاور الرئيسة، والمختلفين في عدد لا بأس فيه أيضًا؛ وقد تلا هذا النجاحَ الكاسح جدلٌ بيزنطي حول حقيقة النسب على أنها لا تمثل قناعة كاملة ببرنامج الرئيس المنتخب، بقدر ما هي ممانعة لوصول المتطرفة لوبين إلى الحكم، وهي التي نافسته في الدورة الثانية والحاسمة للانتخابات. وتناسى المنتقدون أن هذه هي حال عددٍ، لا يستهان به من الانتخابات الرئاسية؛ حيث يختار جزء معقول التصويتَ لمرشحهم، وهم حاملون للقناعة التامة بمشروعه السياسي والاقتصادي، كما يقوم جزء لا يستهان به من الناخبين بالتصويت للمرشح ذاته؛ حماية لأنفسهم ولأطفالهم من عواقب قدوم من ينافسه ومن حيثما أتى. وباستعراض سريع للانتخابات السابقة، نرى بأن لهذه القاعدة استثناءات محدودة؛ فإن لم يكن المرشح الآخر من فئة سياسية خطيرة الوقع كمارين لوبين، فإن بعض الناخبين بتصويتهم يعبرون عن رفضهم للمرشح الآخر أو عن رغبتهم في عقابه أكثر مما يتبنون برنامج المرشح الذين يدلون بأصواتهم له.

في المحصلة، جاء ابن الـ 39 عامًا وصاحب التكوين العلمي والإداري الرفيع إلى سدة الحكم في فرنسا، حاملًا معه تغييرات عدة في الممارسة وفي التصوّر. وعبّر، منذ يوم ترشحه الأول، عن سعيه لكسر الثنائية المستدامة بين يسار تقليدي ويمين تقليدي صار من الصعب على الناخبين التمييز بين سياستيهما في العقود الأخيرة؛ فعلى سبيل المثال، “اقترفت” حكومات الاشتراكية التقليدية المتعاقبة ما لا يمكن أن يجرؤ اليمين التقليدي على الإقدام عليه، في ما يتعلق بالتخصيص أو بسياسات الهجرة أو حتى في ما يتعلق بالسياسات التربوية؛ فصار من الصعب على الاشتراكي الملتزم أن يجد نفسه في حزب، يحمل عنوان عقيدته، وصار اليميني الديغولي التقليدي يشعر بأن الحزب الاشتراكي أكثر جرأة من حزبه اليميني التقليدي على تجاوز الخطوط الحمر الاجتماعية والاقتصادية، وفي التوجه نحو مزيد من الانفتاح ومن الليبرالية الاقتصادية. ومن جهتها، حملت حكومات اليمين التقليدي نوعًا من ضعف الصدقية أمام النقابات النافذة، في المشهد الفرنسي، التي عطّلت مرارًا وتكرارًا مختلف التوجهات الليبرالية الخجولة وساهمت في ركود العمل الاقتصادي بالمفهوم التحرري والتحريري. ولم تستطع هذه الحكومات أن تحدّ من هجرة الثروات وهروب أموال الأغنياء من الضرائب والمستحقات، ومن تعقيدات بيروقراطية، ساهم تعدد القوانين وتداخلها في ترسيخها عمومًا في المشهد الفرنسي؛ فباتت متهمة بالسعي للحد من المكتسبات الاجتماعية شبه المقدسة، لدى المواطن الفرنسي، تلك التي نالها بعد عقود طويلة من النضال العمالي خصوصًا وجرى تعزيزها بطبقة وسطى ذات ثقل وتأثير في المشهد السياسي.

أتى ماكرون بصيغة سياسية جديدة حطمت، أو هي تسعى إلى تفكيك الثنائية المستمرة منذ أكثر من أربعة عقود، بين حزبين يتناوبان السلطة مع بعض التحالفات الضيقة التي تضم أحزابًا هامشية. وقد مثّلت النقابات العمالية والمهنية الحزب الثالث القوي، ولكن المبني على المجهول وغير القادر على فرض واقتراح السياسات البديلة بقدر ما هو قادر على تعطيل تنفيذ بعض السياسات التي تتعارض مع مصالح من يمثلهم أو يظن بذلك.

ومن خلال مبادرته إلى تشكيل حكومة، يرأسها يميني معتدل، أطلق ماكرون رصاصة التحذير الأولى لليمين التقليدي، عبر السعي إلى إضعافه، وليس القضاء عليه، بقدر ما هو سعيٌ لإرغامه على قبول مصيره الذي يجول في خاطر ماكرون، وهو الاندماج في حركته أو التعاون معها على الأقل كعنصر أضعف. أما بالنسبة إلى الحزب الاشتراكي، فمع ميل التشكيلة الحكومية إلى اليمين المعتدل والوسطيين إلا أنه اختار لها بعضًا قليلًا من الاشتراكيين ممعنًا، من خلال ذلك، في تأجيج الانقسام داخل الحزب المتهالك الذي ما لم يُعَد بناؤه، على أسس واضحة، فمن المؤكد أن عتاته سيتوجهون نحو المتطرف الشعبوي ميلانشون، ليسًا حبًا بنرجسيته، وإنما إحباطًا من اشتراكية تقليدية، تعاني الأمراض المزمنة وترفض العلاج.

من مؤشّرات التجديد، إضافة إلى الانفتاح على اليمين المعتدل، إدماج شخصيات مجتمعية ثقافية وتربوية وصحية في الوزارة الجديدة مع التركيز على المناصفة بين الرجال والنساء كما تم الالتزام به في أثناء الحملة الانتخابية، إضافة إلى تعيين وزيرين سياديين شديدي التمسك بالمشروع الأوروبي سياسيًا ودفاعيًا واقتصاديًا، وهما وزير الخارجية ووزيرة الدفاع. ومن خلال هذا المحور “الدفاعي الخارجي” يسعى ماكرون إلى تعزيز موقع فرنسا السياسي وتأثيرها العسكري، في ظل تغوّل روسي وتهوّر أميركي صبياني.

من السابق لأوانه الجزم باستمرارية الوزارة أو اعتبارها وزارة انتقالية، بانتظار الانتخابات التشريعية، ولكن من المحسوم أنه ستُعدل في إثر إعلان نتائج الانتخابات، خلال شهر أو أكثر من الآن. وعلى الأقل، سيغادرها الوزراء الذين لن ينجحوا في الحصول على مقعد نيابي، محافظة على تقليد تُبنّي سنة 2007 ويُرمَزُ من خلاله إلى ضرورة أن يتمتع الوزير بثقة شعبية، تُضاف إلى ثقة المؤسسات به.

تتسرّع الأقلام المستاءة من كل تغيير أو المشككة في النيّات إلى الحكم والحسم على وزارة ماكرون، ويتهمه كثيرون بأنه استخدم المكر والدهاء في الوصول إلى سدة الرئاسة كما في خطواته التي تلت، ويعيب كثيرون عليه اختيارَه رئيس حكومة، سبق له أن انتقده بكلمات شديدة اللهجة. لا علاقة للسياسة بكل ما ورد، فعالمها مليء بالانتقادات والمماحكات التي لا تفسد للتواصل المتجدد وتغيير التحالفات ودًا.

“الماكِرون” في السياسة، إن هم سعوا لتعزيز حظوظ مشروعهم الجامع وليس الذاتي، فهم معذورون نسبيًا. ويبدو أن ماكرون قد نجح -حتى الآن- في وضع الأسس الضرورية لتنفيذ برنامجه الذي يؤمن به.