الإسلام بين التجديد والتلفيق!

منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أي منذ ما جرى وصفه بعصر النهضة، حُرم الإسلام دينًا وثقافة وحضارة في عصرنا الحديث، من عقلانييه الذين أرادوا استعادته وتجديده، بعد أربعة قرون من الكمون، مثلما حُرِمَ من ثمرات عملهم الدؤوب، وكذلك من إمكان استمرار هذا العمل على أيدي أبناء الأجيال التي جاءت بعدهم وتوالت منذ ذلك الحين. لكنه ابتلي أيضًا بكل ضرب من ضروب المزاودات البخسة أو الكسل العقلي أو الجهل الموصوف أو الغايات السياسية الآنية، سواء ممن زعموا المنافحة عنه، وهم يدّعون العلم والمعرفة به، أو ممن ظنوا أنهم يستطيعون، ببعض الحجج التلفيقية، القفز لا على التاريخ فحسب، بل على الواقع المادي نفسه، الاجتماعي والثقافي، كما كان، وكما لا يزال، في عالمنا العربي، مقدمين إسلامًا على مقاس جهلهم أو رطانتهم، يؤولون أحكامه دينًا ويلفقونه ثقافة ويشوهونه حضارة.

وبما أن مفردة الإسلام تغطي عددًا من الدلالات في آن واحد: الدين، والثقافة، والحضارة، فقد برزت في هذا المجال، عنصرًا أساسًا، وإن لم يكن وحيدًا، يمكن أن يميز بين هؤلاء وهؤلاء في كيفية استخدامهم مفهوم الإسلام في خطاباتهم. ففي الوقت الذي أحسن العقلانيون العرب في عصرنا التمييز في أبحاثهم بين هذه المفاهيم الثلاثة، بسبب تباين مجالاتها وما يقتضيه كلٌّ منها من طرق في الفهم ومن مناهج في التحليل، كان خصومهم، سواء منهم العلماء أو الجهلة، كلًا على طريقته وحسب قدرته، يواجهونهم بمفهوم إسلام شامل وشمولي، ضاربين عرض الحائط لا بمختلف النصوص المؤسسة فحسب، بل بكل ما حفل به التاريخ القديم والحديث من وقائع عيانية، على صعيدي العمل والنظر، ولا سيما تلك التي ما تزال مخلفاتها أو عواقبها قائمة حتى اليوم.

لا تتمثل المشكلة التي تعنينا هنا في ممارسات الجهلة في هذا المجال خصوصًا. بل في بعض سلوك وعمل من هم علماء في واقع الحال، أو يُنظَرُ إليهم، خطأ أو صوابًا، بناء على هذه الصفة، أو ممن يعتبرون أنفسهم كذلك. فمن الملاحظ أنهم جميعًا، وهذا على اختلافهم في دقة الصفة، لا يتمايزون كثيرًا في الطريقة وفي الممارسة، ولا سيما أنهم، وهم يعتمدون على النص أو النصوص المؤسسة، يستندون على الدوام إلى أقوال الفقهاء الذين توالوا على امتداد العصور الإسلامية حتى بدايات القرن الثاني عشر الميلادي أو القرن السادس الهجري.

إلا أنه لا بدَّ لكل من درس تاريخ الفقه الإسلامي، في مختلف الأقطار الإسلامية، أن لاحظ، وهو ينعم النظر في العصر وفي البيئة التي عاش فيهما الفقيه، أن هذا الأخير يستجيب لما يطرحه المكان والزمان، والبشر الذين يعيشون فيهما أيضًا، من أسئلة، ويحاول أن تكون إجاباته واجتهاداته لا نسخة طبق الأصل عن تلك التي قدمها أسلافه قبل قرن أو قرون، ولا إعادة كتابة لما كان مكتوبًا ومعروفًا من الخاصة والعامة، بل اجتهادًا جاء نتيجة المعرفة والخبرة المكتسبة عمومًا، وإعمال العقل تحليلًا وتفكيكًا، بما لا يخرج عن روح النص العام إن وجد النص، أو بما يستقيم مع مبادئ العقل ومتطلباته. لم يخرج عن هذا المنهج العام معظم هؤلاء الذين كتبوا تاريخ الفقه باجتهاداتهم وبأبحاثهم. وعلى أنهم اختلفوا في ما بينهم في اجتهاداتهم حول هذه المسألة أو تلك، على الرغم من اعتمادهم النص المؤسس قاعدة والعقل منهجًا، إلا أن هذا الاختلاف لم يكن نتيجة عناد أو سوء فهم من الطرفين، بل نتيجة الاستجابة للبيئة التي كان يعيش فيها كل منهما والتي لا تتطابق شروط الحياة والمعيشة فيها مع سواها في أماكن أخرى من عالم إسلامي مترامي الأطراف، خلال تلك الحقب التي شهدت ألق البحث والدراسة والاجتهاد والتفكير العقلاني الحر.

ليس هذا ديدن بعض من يتصدون اليوم للحديث في الإسلام من دون أي اعتبار للمعايير اللغوية أو الدلالية، فضلًا عن الافتقار إلى أدنى مبادئ الثقافة التاريخية والاجتماعية. يكفي الاستماع إلى ما تبثه كل يوم مختلف الفضائيات أو القنوات المنتشرة كالنار في الهشيم في العالم العربي أو على الشبكات العنكبوتية، كي نسمع ضروبًا من الرطانة والضحالة تتخذ من التقنية الحديثة أسبابًا لبث جهالتها من دون أن تنتبه إلى التناقض المضحك في سلوكها.

لكن ثمة بعضٌ آخر لا يخرج عن المنطق التقليدي في قراءة النصوص وفي فهمها الذي ساد عصورًا، أي الوقوف عند حدود النصوص. مثال ذلك المقال الذي نشره السيد محمد حبش مؤخرًا في “جيرون” تحت عنوان “المسكوت عنه في الإسلام”، ولم يدعُ فيه، مثلًا، إلى قراءة جديدة أو مختلفة، بل إلى بيان الحرية التي منحتها النصوص المؤسسة للشارع اليوم من خلال “المسكوت” عنه والذي يظنه، كما يبدو، محاولة “للتجديد” في قراءتها.

صحيح أنه مقال سريع، يحاول فيه الكاتب تقديم تفسيره لهذا “المسكوت” عنه، إلا أنه جاء حافلًا بكل ما يؤخذ على ما يكتبه أو يذيعه من يتصدون للحديث في وعن الإسلام اليوم، بدءًا بالأخطاء ومرورًا بالمنهج وانتهاء بالمفاهيم.

فلأنه، مثلًا، يريد تأريخ مفهوم “القياس” في الفقه الإسلامي، يبدأ بتقديم مثلٍ عليه من القرآن. وهو ما يزعم أنه اكتشاف المسلمين، كما يكتب، أنَّ “شعبًا جديدًا لم يرد ذكره في القرآن ولا في السنة، وهو المجوس، وبعد جدل طويل بين الصحابة اختاروا موقفًا حكيمًا وهو القياس، حيث سنوا بهم سنة أهل الكتاب”! غير أن القرآن -وهو ما يجهله الكاتب كما يبدو- ذكَرَ المجوس مرة واحدة، في سورة الحج (الآية 22). إلا أنه يمضي في استنتاجه إلى أن المجوس، كما يقول، “ليسوا نهاية العالم”، وبالتالي فلا “يمكن أن يبنى قياس العالم كله والتاريخ كله على معايير الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي”!

مثل آخر يثير العجب؛ فالكاتب يقول إن السنة الصحيحة قد أخبرت ــ بما يقطع الشك ــ “أن الله أمر بأشياء فلا تتركوها، ونهى عن أشياء فلا تقربوها، وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان، فلا تسألوا عنها”. يقفز الكاتب ببهلوانية عجيبة على معنى القول “فلا تسألوا عنها” لكي يقول إنه لا يشارك من يقول إن سكوت الشريعة عن أمر ما نقص وضعف “بل هو كمال وحيوية”! وبذلك يتيح لنفسه أن يعدد لنا أن ما هو مسكوت عنه في القرآن والسنة جغرافيًا يمثل “95 في المئة من هذا العالم على أقل تقدير”، وأن ما ذكر من أخبار الأمم الأولى في القرآن لا يتعدى “ما كان منها بين آررات واليمن والنيل والفرات”، وأن ما يتعلق بالأمور المعيشية التي يسميها “مدني” لا يعدو خمسة في المئة.. إلخ. وكل ذلك كي يبين لنا الكاتب، معتمدًا على ما يسوقه من “نصوص”، أن “القياس” و”الاستحسان” هما “السبيل لمعرفة الأحكام والحكم على الأحداث والشعوب والمستجدات”! كما لو أن أحدًا من المعاصرين لم يعلم بعد أن “القياس” و”الاستحسان” مفهومان من مفاهيم الفقه الإسلامي منذ القرن الخامس للهجرة أو القرن الحادي عشر الميلادي! أليس من الطبيعي أن نتساءل عن القارئ الذي يتوجه الكاتب إليه؟ وكذلك عن الإضافة التي تفضل بتقديمها حول “المسكوت عنه” في القرآن والسنة والذي لا علاقة له من قريب أو بعيد بأي قراءة تسهم في الخلاص من مجمل الشعوذات والهرطقات التي تذاع وتكتب باسم الإسلام؟