نصر الله الجهادي يتماهى مع البغدادي!

كلمة حسن نصر الله (الأمين العام لحزب الله) التي ألقاها في الذكرى السنوية لمصرع مصطفى بدر الدين، في 11 أيار/ مايو، وهو أحد مؤسّسي الحزب وقيادييه، جاءت تحريضيةً، وساخنةً، ومتعصّبةً، ومليئةً بالديماغوجيا والادّعاءات، والأساطير.

هكذا خصّص “نصر الله” مساحة واسعة للمذكور الذي قُتل، في ظروف غامضة في سورية، أي ليس في لبنان، ولا على حدود فلسطين، وهو القائد “الجهادي” الكبير، بحسب وصفه له، هذا أولًا. ثانيًا: حاول نصر الله، في غمرة مديحه بدر الدين (ولقبه “ذو الفقار”) التغطيةَ على الروايات التي تحدثت عن ذهاب الرجل ضحية تصفية داخلية، سواء لصالح جهات في حزبه، أو لصالح قائد فيلق القدس قاسم سليماني الذي يتبع له الحزب، وباقي الميليشيات العراقية المذهبية في العراق. ثالثًا: في كلمته تلك أرجع “نصر الله” قتال بدر الدين وأمثاله، في سورية، إلى سببين، هما حماية المقاومة، ومحاربة التكفيريين.

بالنسبة إلى السبب الأول، من المعلوم أن المقاومة كانت مجمّدة، أصلًا، بعد أن باتت مجرد سلعة يُتاجَر بها، أو أداة ابتزاز، منذ 17 عامًا، أي منذ عام 2000، في إثر انسحاب “إسرائيل” الأحادي من جنوبي لبنان؛ باستثناء لحظة خطف الجنديين الإسرائيليين التي استجرّت حربًا إسرائيلية مدمرة، على لبنان (2006)، قام بها حزب الله لتوظيفات داخلية، ولتعزيز وضعه، بعد اغتيال الحريري، في إثر انسحاب الجيش السوري من لبنان 2005. وقد جرى هذا الأمر في إبان اجتياحه بيروت، أيار 2008، ثم في هيمنته على لبنان، حيث غدا حزب الله يتصرّف كأنه الدولة، بعد أن كان دولة داخل الدولة. والمعنى في هذه الحال أن هذا الحزب بات يصرّف طاقته القتالية داخل لبنان، ويستخدم بندقيته، في الصراع على المكانة والسلطة، بعد أن انصرف عن مقاومة “إسرائيل”، وهي المهمة التي برّر، وغطّى، فيها نفسه كميليشيا طائفية، ومذهبية، ودينية، وكذراع إيرانية في المنطقة.

أما في ما يخص السبب الثاني، أي قتال التكفيريين في سورية، وقد كرر نصر الله هذا التوصيف، فقد بدا محاولة للتغطية على موقفه الأساسي، وهو الاشتغال كامتداد للنفوذ الإيراني في المنطقة، والدفاع عن النظام الاستبدادي الإجرامي في سورية، وإنكار حق السوريين في الطلب على الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، إذ إن سورية عنده هي “سورية الأسد إلى الأبد”. وقد شهدنا أن هذا هو موقف نصر الله وحزبه، في الأشهر الأولى من الثورة الشعبية السلمية في سورية، وقبل ظهور جماعات المعارضة العسكرية، وقبل ظهور (داعش) و(النصرة).

من الواضح هنا أن نصر الله يتماهى مع البغدادي، ليس في ادعاء “الجهاد” والجهادية في قتال السوريين فحسب، وإنما في ادعائه قتال التكفيريين، ولا سيّما أنه لا يقاتل في سورية (داعش) وحدها، أو جبهة النصرة، مثلًا، وإنما يقاتل كل السوريين الذين تمردوا على النظام، فما علاقة أهالي حمص أو حلب أو القصير أو الزبداني بتنظيم (داعش)؟ وما علاقة الجهادية أو التوصيف بهذا الأمر، سوى أن الأمر نوع من التشارك بين الإسلام السياسي المتطرف، سواء كان سنياَّ أو شيعياّ؟

النقطة الأهم التي يتماهى فيها نصر الله مع (داعش) وادعاءاتها الأسطورية كانت باستدعائه “المهدي” المنتظر، وفق اجتهادات بعض الأئمة في المذهب الشيعي، وهي اجتهادات فردية، ونوع من عقيدة مذهبية، إذ لا ذكر لها في القرآن ولا في الحديث. الأهم من ذلك أنه يحاول أن يسبغ على هذه الرواية الأسطورية -مع الاحترام للمعتقدين بها- طابعًا إسلاميًا عموميًا، معتبرًا إياها جزءًا من معتقدات الإسلام، التي يجمع عليها المسلمون جميعًا، وهذا ادعاء محض. يقول نصر الله: “الإمام المهدي الذي ينتظره المسلمون جميعًا سيخرج من مكة، وليس من طهران، ولا من بغداد ولا من دمشق، ولا من بيروت… موضوع الإمام المهدي يُجمع عليه المسلمون، وهذا ليس موضوعًا شيعيًا، وليس موضوعًا إيرانيًا، عليه إجماع المسلمين إلا من شذ وندر… يوجد مهدي سيخرج في آخر الزمان، من ولد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، من ولد فاطمة عليها السلام، الآن بعض المسلمين يقول إنه سيكون من ذرية الحسن وبعض المسلمين يقول إنه من ذرية الحسين. سيخرج في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعد أن مُلئت ظلمًا وجورًا، هذا مُجمعٌ عليه وهو من العقائد الثابتة لدى طوائف المسلمين… خروج المهدي باعتقاد المسلمين أمرٌ قطعيٌ في المستقبل. المسألة مسألة وقت”.

عدا ذلك فنحن إزاء خطاب، ينم عن مغالطات كثيرة، لعل أهمها ادعاء انتصارات على إسرائيل، إذ إنها مع انتصارات كهذي ستظل تراهن على أنها ستعيش إلى الأبد.