أفران الموت و”تبويس الشوارب”

كشفت الولايات المتحدة عن قيام نظام بشار الأسد بإحراق جثث آلاف المعتقلين السوريين، في سجن صيدنايا سيئ الصيت، بعد تعذيبهم وقتلهم، خلال السنين الماضية، من أجل التغطية على المدى الذي بلغه القتل الجماعي الذي مارسه النظام السوري، وأكّدت، عبر مسؤولين، أن ذلك يؤكد الحاجة إلى “ضرورة جلوس جميع الأطراف إلى طاولة التفاوض، للتوصل إلى حل سلمي للأزمة”.

في هذا “الكشف” والتصريح، يكمن جوهر المشكلة السورية، إذ إن ردة فعل الولايات المتحدة على فعل “حيواني” فاشي إجرامي دموي نازي بهذا الحجم، كانت مجرد تأكيد على ضرورة التفاوض للتوصل إلى حلّ سلمي، أي التفاوض مع مجرم الإبادة الشاملة، و”تبويس الشوارب”، من أجل العودة إلى العيش بهدوء ودعة وأمان.

ما كشفته الولايات المتحدة قد يكون مفاجئًا لها أو للمجتمع الدولي، لكنّه ليس مفاجئًا بالنسبة إلى الأعم الأغلب من السوريين الذين خبروا هذا النظام ونهجه وتركيبته، وعاينوا قمعه وعنفه وجرائمه، ولا مبالاته بالإنسان والوطن، وشهدوا دمويته التي أثبتت السنون الست الأخيرة أنها بلا حدود.

ما كشفته واكتشفته الولايات المتحدة اليومَ، كشفه وعرفه السوريون منذ عقود، كشفوه يومَ انقلب الأسد -الأب- على أصدقائه، وأودعهم السجن أو قتلهم، ويومَ دمّر هو وأخوه حماة، وقتل أطفالها ونساءها وشيوخها، وأخفى عشرات الآلاف من أهالي المدينة بعد قتلهم، ويومَ أعدم الآلاف في سجن تدمر، ويومَ أطلق أجهزتَه الأمنية وسرايا دفاعه وشبيحته، تنهش المواطن، وتستبيح الوطن، وتعتقل وتقمع وتسجن وتُعذّب وتقتل، بلا حسيب أو رقيب.

ما كشفته الولايات المتحدة كشفه السوريون، يومَ اقتلع الأسد -الابن- أظافرَ أطفال درعا، ويومَ أمر قواته الأمنية بقتل المدنيين العزّل في تظاهراتهم، ثمّ أمر قواته العسكرية بقصف المدن، ومجنزراته بسحق الناس، ومدافعه بدكّ البيوت فوق رؤوس أصحابها، ويومَ انتزع حنجرة القاشوش، وأمر ميليشياته الطائفية المنفلتة بقتل الناس على الهوية، ويومَ قام بمجازر بانياس وجديدة الفضل وداريا والحولة والتريمسة وحمص وريف حلب وعشرات غيرها.

ما كشفته الولايات المتحدة كشفه السوريون، يومَ أمرَ الأسد باستخدام سلاح الطيران لقصف القرى والبلدات البائسة، ويوم اخترع براميل الحقد المتفجرة التي تفتك بالناس جملةً من دون تمييز، ويوم أخرج القنابل الفوسفورية والعنقودية والانشطارية يرميها فوق أهل الأرض وأصحابها، وأخيرًا يوم قرر استخدام السلاح الكيماوي ليبيد الحياة والأحياء.

السوريون ليسوا بحاجة إلى أدلة إضافية من الأميركيين تؤكد لهم أن هذا النظام مجرم من طراز نادر، فهم يعرفونه من قبلُ، ويعرفون أنه نظام مأفون من النوع المستعصي، لكن الجديد في ما كشفته تصريحات الولايات المتحدة هو أن العم “سام” عقيمٌ لا أمل فيه، خاصة حين يعتقد أن عاقبة من يحرق البشر تكون في “تبويس الشوارب”.