اربطوا ساعاتكم على ساعة النظام

اربطوا ساعاتكم على ساعة النظام السوري؛ فالأكيد والواضح أن مُنبّه النظام هو الوحيد الذي يعمل بدقة، من دون أن يتأثر بأي عوامل خارجية.

وجهت أميركا ضربة عسكرية لمطار الشعيرات -بطل الضربة الكيماوية على بلدة خان شيخون- فاشتعلت التصريحات على طول العالم وعرضه، وانشغلت المحطات الإخبارية بالتوقعات لما بعد الضربة الأميركية، وبدأت التحليلات تتطاير من هنا وهناك.

وبينما شعرنا -السوريين- أن فرائص النظام بدأت ترتعد من هول التضخيم الإعلامي لتلك الضربة اليتيمة، قصف الأسد وروسيا بلدات إدلب -خان شيخون واحدة منهن- وأخرج 7 مشافي من الخدمة، وبقيت التحليلات مستمرة.

اربطوا ساعاتكم على ساعة النظام السوري، فالمعارضة المسلحة في الغوطة فقدت البوصلة، وأضاعت كل الساعات، واحتدمت صراعاتها التي تهدف إلى السيطرة وفرض النفوذ في الغوطة، ولم يستطع أي عضو معارض، لا مسلح ولا سياسي، التكلمَ أو استغلال فرصة نقمة العالم على ذلك النظام قاتل الأطفال -كما سماه الإعلام الغربي- بل على العكس، انشغل الائتلافيون بانتخابات غريبة لكيان غريب، ما يزال يحمل اسم الائتلاف، وانشغل المسلحون بالقتل والنهب وتصفية الحسابات فيما بينهم، واستمر القتال في الغوطة بالوكالة، وغادر بعض قادتهم إلى أستانا للتحدث عن وقف إطلاق النار على الأرض السورية، ويمكننا أن نرى ابتسامة النظام الساخرة من أولئك المتحاربين على الأرض والمتماسكين على الإعلام في أستانا.

اربطوا ساعاتكم على ساعة النظام السوري، فبينما تحتدم الصراعات في الغوطة، وسط الزخم الإعلامي الذي بدأ يخف ويتجه إلى التصريحات السياسية بدلًا من العسكرية، قصفَ النظام البلدة “ضحية الكيماوي” ذاتها.

اربطوا ساعاتكم على ساعة النظام السوري؛ فهي الساعة التي دقت مؤذنة بوجوب دخول ميليشيا إيرانية جديدة إلى خريطة القتل السورية، على الرغم من أن التهديدات الأميركية لم تتوقف، ومهاجمة إيران مع النظام السوري من قبل أميركا لم تهدأ، إلا أنه، وسط كل ذلك، ظهرت ميليشيات “رعد المهدي”، وأتى ظهورها علنيًا احتفاليًا، بعرض عسكري على وقع أغاني طائفية، رددتها ميليشيات حزب الله اللبنانية.

اربطوا ساعاتكم على ساعة النظام السوري التي لم تتوقف ولم تخطئ بالتوقيت بعد أن بدأ ما يسمى مؤتمر أستانا؛ فوزعت روسيا خريطة المناطق الأربعة التي سمتها “مناطق تخفيف التوتر”، على وقع التصريحات المتبادلة الروسية – الأميركية، والتي أنذرت -إعلاميًا- بقرب قطع رأس النظام، في الوقت ذاته الذي استمرت عملية التهجير؛ فخرجت باقي الدفعات من حمص، وخرج أهل مضايا والزبداني، ووصل التهجير أخيرًا إلى الغوطة، ولم تستطع التصريحات ولا حقائب المعارضة التي حزمت على مهل واتجهت إلى أستانا، وقْفَ التهجير الطائفي والتغيير الديموغرافي.

اربطوا ساعاتكم على ساعة النظام السوري؛ فبينما وزارة الخارجية الأميركية تُصدر تقريرًا يحمل من الاتهامات ما لم يوجّه للنظام السوري سابقًا، من إدارة أميركية حول سجن صيدنايا، وفي الوقت الذي بدأ المتحدث باسم الخارجية الأميركية بالتأكيد على التقارير التي صدرت عن محرقة الجثث التي أقامها النظام قرب السجن، ومرّ على فظائع لا يتحملها عقل إنسان، كان النظام “المتهم” يتابع تهجير القابون، بعد أن هجّر أهل برزة، وبالطبع فإن جرح الغوطة الشرقية الذي انفتح، لم يعد بالإمكان دمله، وكأن تلك التصريحات وتلك المطالبات بمحاسبة النظام -مجرم الحرب- لا تخصه لا من قريب ولا من بعيد.

اربطوا ساعاتكم على ساعة النظام السوري، خصوصًا بعد أن بدأ جنيف 6، بتصريحات غاية في الجدية من قبل المعارضة مقابل تصريحات رافضة ومغرورة من قبل النظام، ولا نجد ذلك غريبًا؛ إذ أصبح واضحًا أن ساعة النظام من الدقة بحيث أن لا ضربة أميركية لمطار عسكري، ولا تصريحات ترامبية، ولا حتى اجتماع لمجلس الأمن يمكن أن يؤثر على ساعته ودقتها بتنفيذ القتل والتهجير.

اربطوا ساعاتكم على ساعة النظام السوري النظام الذي هجر وقتل وقصف بينما يصرخ العالم في وجهه.

دقة ساعة النظام ليس لأنه يملك أحدث الساعات، ومتابعة جرائمه ليس لأنه لا يخاف، بل لأن من يحرسه ويصونه، في موسكو وفي طهران، يعرف بعضًا من قوانين اللعبة الدولية، ويعمل بكل إمكاناته لصيانة رجلهم في سورية؛ والأهم أن اللاعب الأقوى في العالم وفي المنطقة، البيت الأبيض لم يسمح لأحد بمعرفة جدوله ومواعيده، فهو غير مستعجل، سواء مع رئيس أبيض أو أسود، فكما هو واضح الفرق بينهما في طول وقصر اللسان، وليس الأفعال.

كارثتنا نحن -السوريين الذين حلمنا بسورية حرة من نظام الأسد، ومن رايات أمراء التقاتل برايات سنية وشيعية- أنّ من تولى أمرنا غصبًا عنا، ويتكلم باسمنا في الأستانة وجنيف والشاشات الفضية، لا يُدرك، ولا يريد أن يُدرك ماذا يعني أن تعيش في وسط هذا الساعات الدولية التي تدور عقاربها فوق جثثنا، فلا قيادات معارضية، من 6 سنين، ولا نخبة تسمى ثورية استطاعت أن تقول لنا أين هو خيط الزمن في القرن 21، كل ما فعلوه أنهم ما زالوا ينتخبون ويتكلمون ويصرخون، ولله الحمد فقد توقفوا عن البكاء أمام الكاميرات.

قال برتراند راسل “الحرب لا تحدد من هو صاحب الحق، وإنما تحدد من تبقى”، أصبحنا اليوم نفهم معنى ذلك أكثر.