أفران الأسد البشرية

ارتبط القرن العشرون بمصطلحات، تدل على صدمات للإنسانية جمعاء: القنابل الذرية على هيروشيما وناغازاكي، وصعود الفاشية في إيطاليا، والنازية في ألمانيا والصهيونية في فلسطين؛ كلّف سلوك وتكريس هذه المصطلحات البشريةَ عشرات الملايين من الضحايا، واستنبط العالم الدروس والعبر لفهم الأحداث والتاريخ، مع الإدراك العميق لعواقب هذا المسلك الخطير والمدمر على أجيالها، ويرتبط عصرنا الحالي مع ظهور “الأسدية” كسلوك يجمع ما سبقه في القرن الماضي، لكن على مساحة جغرافية تقل بكثير عن الجغرافيا التي طالتها الفاشية والنازية والصهيونية والإمبريالية.

استخدام الأسدية سلاحَ الدمار الشامل، في المناطق المدنية المأهولة بالنساء والأطفال، وعلى قرى تم تطهيرها بالكامل، يفوق إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما وناكازاكي، والكشف عن مقتل عشرات الآلاف تحت التعذيب في معتقلاته يفوق فظاعات معسكرات الاعتقال النازي في “أوشفيتز” ومعسكر اعتقال بوخينفالد. وما يُكشف اليوم عن أفران الأسد البشرية يفوق أيضًا أفران “بلزاك” النازية، تفوّق إجرامي في القرن الحادي والعشرين، من جهة اختلاف الصورة والمساحة التي تُرتكب فيها الفظاعات، ومن جهة إخفاء الدروس والعبر التي يتشدق بها العالم المتحضر بحسابات التقدم والتكنولوجيا التي وثقت، قبل ثمانية عقود، تكديس الجثث وورميها في أفران الغاز، إلى توثيق المقابر الجماعية وجرافات النازية التي تغرف الجثث، وسائقوها يدخنون سجائرهم على مهل.

في الصورة السورية المُسرّبة والمتخيلة، جرافة أسدية، في العتيبة في الغوطة الشرقية، تجرف الجثث قبل أربعة أعوام، ومئات المشاهد مثلها عن التعذيب والتمثيل بالجثث والقتل بدم بارد، لنساء وأطفال وشيوخ في مناطق عدة، وُثّقت بكاميرات بدائية، وأخرى سُربت كما صور التعذيب والقتل لآلاف الضحايا. الحديث عن أفران الأسد البشرية، وما كُشف عن المسالخ البشرية التي أُميط عنها الغطاء مؤخرًا، يُظهر العجز الأخلاقي للإنسانية التي صُدمت، بدايات القرن الماضي مع ظهور الفاشية والنازية؛ نصدم ونصاب بالعار اليوم من جرائم الأسدية الموغلة في المجتمع السوري. كانت أعوام الحرب العالمية الثانية، في نهاية ثلاثينيات ومنتصف أربعينيات القرن الماضي، كافية لتقف البشرية جمعاء أمام دروس الفاشية والنازية. أعوام المذبحة السورية تساوي سنوات تلك الحرب، من دون أن تُدرك البشرية، إلى الآن، المخاطرَ التي تشكلها الأسدية في الإجرام على البشرية، وهي تُسرّب شيئًا فشيئًا حقيقتها، لم تكف الأفلام والشهادات والصور والوثائق ولا ملايين الشواهد الدالة على فعل الأسدية المخز.

من الأمور التي أصبح الاتفاق عليها كليًا، أن أفران الأسد البشرية ومسالخه وجرائمه أسقطت مفاهيم ومصطلحات كانت سائدة؛ أصبح المواطن العادي يُدرك متطلبات ربط هذه الجرائم مع مصطلح يخص الأسد وسلوك عصاباته التي أحدثت تغييرات عميقة في الواقع الجغرافي والاجتماعي في سورية، وأفضت إلى نتائج خطرة ومدمرة، أوجدها مناخ ودلائل مشجعة على مواصلة الجرائم، كعلامة فارقة وملتصقة بالأسد وبنيته الأمنية والاقتصادية والعسكرية، احتلت مكان الصدارة في كل التحركات المنتهجة طوال الأعوام الستة الماضية.

تَصدم الأسديةُ البشريةَ كل يوم بأشكال متعددة و”فنون” تتفق مع خلاصات النازية والهتلرية التي تخلصت منها البشرية قبل سبعة عقود بصورة جذرية، لكن ما المطلوب اليوم بعد كل هذه الجرعات التدميرية والقاتلة التي يُشاهدها العالم ويترقب مزيدًا منها ليُعلن ذهوله؟ هل يكفي توصيف ما يُقدّمه الناجون وذوو الضحايا وملايين المعذبين والإشارة فقط إلى الأسدية بأفرانها البشرية ومعتقلاتها ومساحة تدميرها لتستخلص البشرية العبر التي خطّت فيها قوانينها الإنسانية والسير مجددًا باتجاه يناقض المرض المهووس للأسدية؟

الامتناع عن مواجهة هوس الأسدية، لضمان منع تفاقم الانفجار ولّد الكثير من ضحايا المهووس، وترك تفاعل الجرائم راحة “نسبية” في اتباع كل الوسائل الأسدية وتجريب كل أشكال التنكيل وتطويرها بإعادة مشاهد بدائية للتدمير الشامل بالبراميل والتهجير الجماعي وتدمير المدن وقصفها بكل الأسلحة، من غاز وفوسفور ونابالم إلى الاستعانة بكل مرتزقة الأرض وإقامة المسالخ البشرية، وصولًا إلى بناء الأفران لتفحيم الضحايا ومحو آثار الجرائم.

بعد كل ذلك، هل سينال السوريون عدالة طال انتظارها، أم أنّ ضجيج التصريحات التي تصف الجرائم سيبقى متواصلًا حتى بعد اكتشاف عودة الأسد إلى مقصلة القرن السابع عشر، مع أن السوريين كشفوا الأسد الفران والجزار، قبل اكتشافات العالم المصدوم من رائحة الجثث التي طاف بها السوريون أرجاء العالم؟