فنّ الحبّ

مهمتي انتهت.

كلّلوا بالغار مركبي المتعب

لقد بلغتُ المرفأ الذي طالَ إبحاري إليه

ستؤدون نذوركم حالًا لشاعر أبوللو

وقد شفيتم الآن رجالًا ونساء بفضلِ أغنيتي.

بهذا الإيقاع نستسلم لـ “أوفيد” ولفنِّ هواه أو “فنّ حبهِ” الذي أراده لنا ذاك الشاعر الرومانيّ الكبير. ما إن تجثو إحدى قصائده بين يديك، حتى تعيد قراءة مواليده مرًة ثانيًة وثالثًة ورابعة، كي تتأكد مرارًا من عمر تلك القصائد، الذي يقارب ألفَي سنة.

بدأت قصتي مع أوفيد منذ سنوات في كتابه المختلف “مسخ الكائنات”، ومن يومها وأنا أبحث عن آثار أخرى مترجمة لذاك الشاعر، حتى وقع بين يديّ كتاب “فنّ الهوى” الذي كان قد ترجمه وقدّمه -أيضًا- إضافًة للكتاب الأول، الأستاذ ثروت عكاشة، ثم قدمه وترجمه أدونيس في “التحولات”؛ الكتاب الذي كتبه أوفيد، وهو في الأربعين من عمره، وكان بمثابة رؤية ونقلة وكتابة أخرى للملاحم اليونانيّة الرومانيّة. تمّت ترجمة “التحولات” بدءًا من القرن السادس عشر إلى اللغات الأوروبيّة الحديثة. وحديثًا أعادت دار التكوين السورية طباعة “فنّ الحب” لأوفيد، بشكلٍ ورؤية جديدة، أعدّه وترجمه وقدمه “علي كنعان”، ويقع في 432 صفحة، تضمّنت الصفحات الأخيرة منه عددًا من اللوحات العالميّة التي رسمها مشاهير الفن، متأثرين بأوفيد وبالأساطير اليونانية والرومانية.

ولد بوبليو ساوفييديوس ناسو، سنة 43 قبل الميلاد، كانت عائلته ميسورة الحال، تنتمي إلى الطبقة الوسطى في المجتمع، وهي طبقة الفرسان، ويتردد ذكر مدينة “سولومونة” كثيرًا في قصائد الشاعر حيث مسقط رأسه، وتبعدُ هذا المدينة نحو 140 كم شرقي مدينة روما.

توفي أوفيد في المنفى، في سنة 18 ميلادية، عاش اثنين وستين عامًا، في عهد الإمبراطور قيصر أوغسطس، وكان الشاعر الكبير هوراس، وصاحب الإنيادة “فرجيل” من أقرب أصدقائه.

ترك القضاء الذي درسَه، وهربَ صوب الشعر الذي بدأ بكتابته منذ الثامنة عشر من عمره، وسط بيئةٍ أعادت إحياءَ الملاحم اليونانيّة بنفسٍ رومانيّ، وحلّ الشعر بمرتبة مرموقة، وظهرت فيها أسماءٌ كبيرةٌ في الخطابة مثل “شيشرون” وفي الأدب “هوراس وأوفيد وفرجيل”.

نفى الإمبراطور أوغسطس الشاعرَ أوفيد، إلى جزيرة توميس على شاطئ البحر الأسود، ليُمضي هناك بقيّة حياته، وكأنَّ مصيره كمصير شاعرٍ سارَ عكس القانون الذي سنّه ووضعهُ أباطرةُ زمنه، وكأن سيرة حياته تذكرنا بواقع الشاعر خاصة (العربيّ) إلى يومنا هذا، الكلمة الحرة التي يرنُّ صداها، ما زالت تُرمى وتُبعَد قسريًّا، وإن حاولتْ المساس بالكرسيّ، أو اقتربتْ، ولو على شكل مزحةٍ، من نظام الحكم.

أوفيد حاكى الآلهة، راميًا مقاصده اللاذعة نحو الحكام والسلاطين، في فترة تعجُّ بالمؤامرات والحروب والمجاعات، في دولة محاربةٍ مثل روما.

(الباحثون لا يجزمون في أسباب نفيه، وإن عدّوه إبعادًا، لأن الإمبراطور لم يصادر أملاك الشاعر ولم يحرمه من المواطنة الرومانيّة، وهم متفقون جميعًا، أن “فنّ الحبّ” كان أحد السببين، أما السبب الآخر فقد ظلّ غامضًا، هناك إشاعة تقول إن أوفيد أقام علاقًة غير شرعيّة مع جوليا حفيدة الإمبراطور، والدليل أن جوليا نُفيت بأمرٍ من الإمبراطور، كما نُفي أوفيد في السنة ذاتها، وهكذا استند قرار نفي الشاعر إلى تهمة تخريب البرنامج الأخلاقيّ الذي وضعه الإمبراطور).

 

أتذكر أنفاس الشاعر الروماني كاتلوس، وهو ينشدُ قصائد حبِّه إلى كلوديا، ببساطة ونشوةٍ عارمة، نكادُ نرى -بين الحروفِ- قلبه ينبضُ، متوهجًا بنار الحبِّ، وبتلك البساطة والحريّة والصدق والذكاء، بعيدًا عن سهام القدر في التراجيديات العاشقة، وعن جنون الحبّ وانتحاره في رومانتيكيات القرن السابع عشر. جاء أوفيد برفقة ربّة الفنون والحب فينوس، ليُغني ويحمي ويوصي ويُنقذ العشاق، عندما يخترقهم سهم كيوبيد ويوقعهم أرضًا، إنه يريدُ أن يحمي الحب من ضالته كي يستمر، أن يبعدَ عنهُ جراح الأذى كي ينعم بالسعادة، أن يجعلنا نتأكد من أننا على طريق الحبّ الحقيقيّة، ومن بعدها نبدأ الغناء.

أساطير وملاحم، حكايات وقصص، تفسيرات وأحكام، بأسلوبٍ شاعريّ حكيم، يكتب لنا أوفيد عن الحبّ وأعراضه وسلوكه وطرقه، وكيف لنا أن نُشفى منه، إن عبثَ فينا وتملّكَ مصائرنا.

وليس هناك من مبالغةٍ إن قلتُ: إنَّ أوفيد -في هذا الكتاب- غدا محللًا نفسيًّا يعيش بيننا الآن، أو عالمًا أنثروبولوجيًا ماهرًا في سبر أغوار العوالم البشرية.

ما يعطيه هذا الصدق هو موضوعُ الحبِّ ذاته، على الرغم من الماضي السحيق، بين عصرنا هذا والعصر الذي ألّف فيه أوفيد فنّ حبّهِ. الحبُّ هو ذاته، وإن تغيرت أماكنه ووجهاته، فإن كانت لحظة التعارفِ ونيل قلب المحبوب تجري أحداثُها كما يشير لنا أوفيد في مدّرجات المسرح أو حَلبات السيرك، فإنَّ هذا التفصيل لن يُحدث شرخًا يُذكر في الجوهر الحقيقيّ الذي يتغنّى به الحبُّ منذ الخليقة.

جوهرُ الحبِّ واحدٌ، والشعرُ حاملٌ لذاك الجوهر وعاكس لمعناه، لذلك لن نشعر، ونحن نقرأ تلك القصائد بفارق السنين، إلا كضيفٍ خفيف جميلٍ على هندسة القصيدة، زمانيًا ومكانيًا وتشكيليًا.

الآلهة الرومانية شاركت أوفيد في قصائده، وهبطت من السماء ترفده بحكمتها وأمثلتها:

(كان يرى أمامه مثالين سابقين: الأول هوميروس الإغريقي مبدع الإلياذة، والثاني فيرجيل الروماني مبدع الإنيادة. لكنّهُ لم يتبع الأسلوب الملحميّ في الإيقاع السداسي ولا في صياغة العبارة. حوّلَ الحبَّ إلى معارك حربيّة مضحكة، تعجُّ بالمؤامرات والدسائس والابتهالات والرشا).

يضمُّ الكتاب عدة أعمالٍ، كتبها الشاعر في مراحل حياته المختلفة قبل المنفى، وهي:

1- فنّ الحبّ في ثلاثة أجزاء.

2- قصائد حب في ثلاثة أجزاء.

3-أدوات التجميل أو فنّ التجميل.

4- مداواة الحبّ.

الجزء الأول بمنزلة دليلٍ بينَ يديّ العاشق للظفر بقلب محبوبته:

“من لا يعرف فنّ الحبِّ في هذه المدينة

فعليهِ أن يقرأ هذا الكتاب ليتعلّم كيف يجيد العشق”.

الجزء الثاني، ينصح أوفيد المحبوب بالاتزان والمثابرة والحكمة في اختيار المحبوبة، ويقدّم له بعضًا من الأساليب التي تساعدهُ على الاحتفاظ بها إن دخلَت قلبه:

“أرسلْ سلًّة حافلًة بطيبات الريف

قلْ إنها هديّة من دارتك الريفيّة

مع أنكَ اشتريتها من الطريق المقدّسة.

المعاملةُ الطيبةُ الحكيمة هي التي تأسرُ فعلًا

والطباعُ الوحشيّة تقودُ إلى العداوات والضغائن الموجعة

إننّا نكرهُ الصقر الذي يشنُّ الهجوم في جميع أيّامهِ

ونكرهُ الذئب الذي يفترسُ القطعان الخانعة

ولكن ما من أحدٍ يتآمرُ على السنونو اللطيف.

أما الكتاب الثالث، فيتوجهُ فيه إلى المرأة، بجملة من الإرشادات، إنه لا يريدها خانعًة عاشقةً مستسلمةً، المرأة العاشقة هنا، هي التي تُعنى بقراءة الشعر وتعلّم الموسيقى والرقص وممارسة الرياضة، العاشقة التي يريدها أوفيد، هي المسلحة بالعلم والقوة والذكاء:

“كانت السيرينات جنيّات بحرٍ، بقوّة الغناء

قادرات على إيقافِ أسرعِ المراكب عن الجريان

لكن أوليس شقَّ طريقه طليقًا من سحر ذاك الصوت،

ويقال إن آذان رفقائهِ كانت مسدودة بالشمع.

أيتها الجميلات تعلّمنَ الغناء

الأغنيةُ شيءٌ من الحظوة،

كان أورفيوس يقودُ بعودِهِ الوحوشَ والجلاميد

وأنهارَ الجحيمِ والكلبِ ذا الرؤوس الثلاثة”.

بدعةُ العصر الذي عاش في أوساطه أوفيد متأثرًا بفنونه، كان يعتمد الفنون التعليميّة او الإرشاديّة، نتذكر مثلًا “إميليوس ماسر” صديق الشاعر أوفيد الذي كان قد كتب في أنواع السموم والأفاعي والعقاقير الطبية جملًة من الأشعار، لذلك نرى أن هذا النوع من القصائد أقرب إلى التوصيات والإرشادات، ولكن بأسلوب بديعٍ وشاعريّ وذاتيّ مبطن، هذه الفطنة وسحر الانتقال بين الطبيعة والأساطير والحبّ بخفة، أعطت للقصائد جرعات خلودِها، إضافًة إلى ربط الأسطورة بالواقع، وهنا نقرأ الملمح الشعريّ الأقوى والأذكى والأكثر حضورًا في القصائد كلها.

فنُّ الحبِّ، يسرد لنا عبر أحداثه وتعليقاته ونصائحه، سيرة شعبٍ، يؤرشفُ العلاقات الإنسانيّة ونظرتها منذ ألفيّ سنةٍ إلى الحبّ، وكيف كانت روما تديرُ دفّة زورقها في العشق، وهي دولةُ الحروبِ في المقام الأول.

المرأة الأرض…. الحبّ الطبيعة، عند كلِّ ثغرةٍ أو مقطعٍ أو نصيحةٍ يقدّمها أوفيد للرجل العاشق، يقولُ لهُ: انظرْ إلى النهر، انظرْ إلى الشجرة، كي تتعلّمَ الحبّ.

 

“الأشياء القليلة تسرُّ العقول الصغيرة: وهي تثمر كثيرًا

كأن تُسوّي وسادتَها بلمسةٍ بارعة

وبمروحة رقيقة ترسلُ إليها نسمة.

غالبًا ما نرى في أيّام الخريف الجميلة

أن الجسم يضعفُ تحت وقع المناخ المتغير

حين يصطبغ العنب بالأرجوان مترعًا بالنبيذ

وحين تتحول الحرارة الفاترة مع قشرة باردة من الصقيع.

ازرعْ البذار بعمقٍ

وبعد حينٍ ستحصدهُ بمناجل ممتلئة.

امنحها استراحة

فالأرض إذ ترتاحُ تنتج غلّتها المثلى، والحقولُ الجافة تتشرّب الأمطار”

بالحراثة تجود البراري القاحلة بالغلال

وتواجه الورود البريّة نهايتها

والعناية تُكسبُ الفاكهة المُرّة حلاوة

المرمر يستر التربة السوداء.

في الفصل الأخير من الكتاب، وهو يحملُ اسم “مداواة الحب”، يعتذر لكيوبيد، موضحًا أنه لا يريد قتل الحب ومسحه من الوجود، بل يريدُ لهذه المشاعر الاستمرار والتسامي، بدلَ الألم والفراغ والضياع:

“يوم قرأ كيوبيد عنوانَ كتابي هذا

صاحَ: إنّه إعلانُ حربٍ عليّ، أرى إنّها الحرب،

أيّها الغلام المحبوب أنا لم أخنْك ولم أخنْ موهبتي

أتمنى حظًا سعيدًا لكل عاشقٍ مولعٍ في الحبِّ

دعه يستمتع ويبحر بشراعه أمام الريح

ولكن إذا أنشبت فاجرة أظفارها فيهِ

فلا بدّ أن يجدَ العون والسلامة في فنّي”.

تأكد من الحب أيها العاشق قبل أن تقع في شباكه، ويكون الوهم والفراغ حليفك فقط، دعونا نقرأ هذه الحكمة:

تبدأُ الأنهار صغيرًة من ينابيع حارّة

لكنّ معظمَها يتضاعفُ بفضل الروافد.

تبدأ العلّة خدشًا أولَّ الأمر

لكن الإهمالَ يُكسبها قوًّة وتستدعي الطبيب بعد فوات الأوان.

واصلْ العمل حتى تقضي على الحبّ،

الحبّ يخضعُ للعمل، فينوس تحبُّ الفراغ

هكذا أعطِ البال الخالي عملًا ينشغلُ به.

الزراعة والصيد والتأمل في أسرار الطبيعة ومخلوقاتها من ثمار وشجر ونحل، أدواتٌ تخفف من لوعة الحبّ، والسفرُ دواءٌ فعال أيضًا:

ابدأ برحلةٍ طويلةٍ وسافرْ حالًا

ستبكي،

واسم صديقِ حبيبتِكَ سيشغلكَ كثيرًا

وفي الطريق سوف تتباطَأ وتتأخر.

بقدرِ ما تقلّ رغبتكَ في الذهابِ واصلْ السفر أكثر،

أجبرْ هاتين القدمين على الفرارِ،

لا تسلْ كم ميلًا قطعت، ولا كم تبقّى

ولا تحاول التأخير لتبقى على مقربةٍ منها

لا تلتفت إلى أفقٍ وراءه روما

حسبك أن تنجو

الحبُّ يأتي بحكم العادة والعادة تُقصيه كذلك”.

وكي تداوي قلبكَ الذي شطره سهم كيوبيد إلى نصفين، عليكَ قتل الوحدة وهجرة الذكريات ولو مؤقتًا، لا رسائل ولا أمكنة ولا صور تجمعُكَ بالحبيبة، ريثما تندمل الجراح النازفة:

“أنتَ لست بحاجة للعزل

في المكان المعزول تتكاثرُ الوساوس

لا تترك بابكَ موصدًا

الليل أشدُّ حزنًا من ساعات النهار.

لا تتجنب المحادثة

ولا تحبسْ في الظلام نفسكَ الطافحة بالدمع.

إيّاكَ أن تعيد قراءة رسائل فاتنتكَ،

إن قراءة الرسائل من جديد

تُحرك قلبًا من حجرٍ

أطعمْها كلها للنيران،

أزلْ صورها كذلك

تجنبْ كلّ مكانٍ كان يحتفي بكما وأنتما معًا

إنَّ ما يثير الذكرى يُصقَل بالحبّ الخام ويُفتّق الحبّ من جديد،

فمرور الوقت لا يؤذي العقول الضعيفة إلاّ قليلًا جدًّا”.

 

كلّ مرة، أُعيدُ فيها قراءة قصائد أوفيد، سواء في “التحولات” أو “فنّ الحب”، وعبر كل الترجمات والدراسات التي قدمت لشعره وفي شعره، أراهُ من زاويةٍ جديدة مختلفة عميقة، وهذا -أيضًا- ما يضمن للشعر استمراريته، وهذا ما يؤكد ثقل النص الذي لا يفنى بمرور الزمن وتغير وتطور المفاهيم وأشكال الكتابة في حدِّ ذاتها، وعندما أفكر في الكمّ الهائل الذي يُطبع وينسخ ويُكتب حاليّا من شعرٍ مستعجلٍ، يجيب أوفيد تلقائيًّا عن دهشتي:

الثياب تُبلى والذهب والجواهر تنكسر

الشهرة التي يجيءُ بها الشعر ستبقى أبدَ الدهر.

1 عدد الردود

Trackbacks & Pingbacks

التعليقات مغلقة