عن اتفاق المناطق الأربع

اتفاق المناطق الأربع، أو مناطق خفض التصعيد، هو آخر ما تفتق عنه الذهن في الكرملن؛ بحثًا عن مخرج من سورية. ليست تلك المحاولة الأولى التي تكشف عن سعي موسكو لوضع حد لتورطها في هذه الحرب التي لا تلوح لها في الأفق نهاية، لكنها الأخيرة في سلسلة من الهدن التي لم تلبث أن انهارت على وقع ما أعقبها من تطورات في ميدان، ما يزال عصيًا على التهدئة.

لقد دفعت تلك التجارب بروسيا إلى المضي خطوة أبعد في الاتفاق الأخير، فهو، على نقيض ما سبقه، يقترب من صيغة المناطق الآمنة التي تطالب بها واشنطن، ويتعهد بوقف قصف الطيران الأسدي وبراميله وفقًا لخرائط يجري التوافق عليها، ويتضمن مراقبين من الدول الضامنة (روسيا وتركيا وإيران)، كما تفيد التقارير بأن موسكو تعمل على توسيع دائرة المشاركين.

تبدو تلك المخرجات متسقة، في جزء منها، مع مطالب المعارضة السورية، فإن حقيقة أن تلك التوافقات تجري في أستانا، وليس تحت رعاية الأمم المتحدة، كفيلة بأن تثير شكوكًا مشروعة تنال من صدقية الضامنين، وتضع الاتفاق في خانة شرعنة وتثبيت مناطق النفوذ التي كان لهم أن يقتطعونها، في حرب يدفع السوريون وحدهم الجزء الأكبر من فاتورة الدم المترتبة عليها.

ليست بالتالي مستغربة المفارقة المتمثلة في قلق كل من الهيئة العليا للتفاوض وحزب الاتحاد الديمقراطي من هذا الاتفاق الغامض، وإن تناقضت الأسباب الموجبة لكل منهما؛ فشرعنة الوجود التركي، مدعمًا بقوات عسكرية تركية، لا تروق للحزب الكردي، وتهدد مشروعه الرامي إلى حكم ذاتي في دولة مفدرلة. ومن جهة الهيئة، فمن البديهي أن إيران، إلى جانب النظام، هي عدو المعارضة الأول، كما هو الحال أيضًا بالنسبة إلى معظم دول الشرق الأوسط، الذي عملت -وتعمل- الأخيرة على تهديد استقراره؛ وبالتالي فإن إضفاء طابع رسمي على احتلالها للأرض السورية بوصفها ضامنًا، يرفضه كل وطني سوري. لكن الأمر لا يقف عند ذلك الحد فحسب، إذ إن وقف إطلاق النار دون أفق سياسي واضح، لن يخدم سوى نظام الطاغية، خصوصًا أن الحال في الميدان يرجح كفته.

من جهة أخرى، وفي ظل التصريحات المتكررة عن عدم جدوى التفاوض في جنيف، على لسان رأس النظام ووزير خارجيته، فإنه لا يمكن النظر بحسن نية إلى تركيز الضامنين على مسار أستانا، في ما يبدو أنه محاولة للتخلص من العبء الذي تفرضه قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، بما فيها بيان جنيف 2012 والقرار 2254، والتراجع عما يفترض أن تضمنه تلك المرجعيات من مكاسب للشعب السوري في مواجهة الطاغية الأسد، وأيضًا من جهة خلق مرجعيات جديدة بما يتسق ومصالح المشاركين في المفاوضات التي تعقد في المدينة الكازاخية.

تدرك موسكو تعقيد الحالة السورية، وحدود قدرتها على فرض إرادتها في ساحة يمتلك الأتراك والإيرانيون فيها نفوذًا وازنًا، وليس سرًا أن أيًا من المتورطين في الصراع، قد يعمل على إحباط أي اتفاق لا يتوافق مع مصالحه وحساباته وأهدافه. لقد أرادت روسيا، بالتالي، التوصل إلى تهدئة ضمن شروط تقبلها أنقرة وطهران وحليفها النظام الأسدي، وليس مستبعدًا أن يكون السماح لتركيا بإقحام جيشها في إدلب من ضمن التوافقات الأخيرة، وخصوصًا أن النظام، على لسان وزير خارجيته، قد أشار إلى أن طرد (داعش) من دير الزور يحظى بأولوية على استعادته السيطرة على إدلب.

لكن، في المحصلة، ما يزال اتفاق المناطق الأربع غير حصين تجاه العوامل نفسها التي سببت انهيار سابقيه، فهو يسمح للنظام والإيرانيين وحزب الله بانتهاكه، عبر التذرع بمواجهة إرهاب (داعش) وهيئة تحرير الشام –النصرة سابقًا-، كما أنه لا يشمل جميع الأراضي السورية، وذلك من دون أن نغفل أن الأسد ماض في حله العسكري، وما يزال يتحدث عن “مصالحات” تتضمن تسليم المعارضة لسلاحها.

لقد وُلد الاتفاق ميتًا، لكن ذلك لن يمنع اللاعبين من منحه بركتهم حتى إشعار آخر. فطالما كان الأتراك منهمكين بإعداد العدة للزج بالمزيد من قواتهم في إدلب كما تفيد التقارير، والأسد وطهران منشغلون في سباق مع قسد (قوات سورية الديمقراطية) للسيطرة على أراضي (داعش)، وأميركا تركز على معركة الرقة، قد يستطيع السوريون أن ينعموا ببضعه شهور يطبعها قدر نسبي من الهدوء.