وردتان حمراوان على قبر اليسار العربي

كشفت أحداث الربيع العربي وما تلاها تراجعَ دور اليسار في البلدان العربية، وفشله في قيادة أو حتى مواكبة الحراك الشعبي، على الرغم من أن الشعارات تكاد تطابق طروحات اليسار في ضرورة بناء مجتمع ينعم أبناؤه بالحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية. وذهب قادة اليسار إلى أبعد من ذلك بالوقوف ضد الثورة السورية مع نظام بشار الأسد، ودعم “الثورات المضادة” والأنظمة والأحزاب الشمولية البائدة، وشهدت السنوات الأخيرة تمتين علاقات أحزاب اليسار والأحزاب القومية المسترشدة باليسار علاقاتها مع إيران وأذنابها في لبنان والعراق واليمن وغيرها من البلدان العربية.

تراجع تأثير اليسار العربي بدأ منذ سبعينيات القرن الماضي، نتيجة انهيار القوة الاقتصادية لشرائح البرجوازية الوسطى والصغيرة التي يفترض أن يعبّر اليسار عن رؤاها السياسية، وتحمَّل اليسار القومي جزءًا مهمًا من تبعات فشل المشروع الوطني التنموي، في البلدان التي حكمتها نخبٌ باسمه، تحت شعارات تنادي بالتحرر السياسي والاقتصادي، وتم تجييرها لصالح برجوازيات جديدة ذات طابع ريعي، تعتاش على تزاوجها مع السلطة. وقبلت أحزاب اليسار العربي التعايش مع الأنظمة الدكتاتورية ضمن صيغ غير مؤثرة مثل الجبهة الوطنية التقدمية في كل من العراق وسورية، ولم تكن إلا لتزيين دكتاتورية الرئيسَين صدام حسين وحافظ الأسد. وعلى الرغم من أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كانت تنذر بالانفجار في بداية العقد الحالي إلا أن معظم أحزاب اليسار فضلت التفاوض مع السلطات تفاوضًا تضمّن استمرار الأنظمة السابقة مقابل زيادة مكتسبات هذه الأحزاب؛ وهو ما يفسر النتائج المخيبة التي حصلت عليها هذه الأحزاب في الانتخابات التي تلت إسقاط الأنظمة في مصر وتونس وليبيا، أو في انتخابات المغرب بعد انطلاق الربيع العربي.

في العقود الثلاثة الأخيرة، عانت أغلب الأحزاب اليسار من اضمحلال دورها؛ لأنها لم تمتلك صفة اليسار الاجتماعي، ولم تبن برامجها على معاينته للأرضية الطبقية التي يفترض أن تمثلها، ولم تستطع التخلص من حالة الجمود الفكري والعقائدي، والأساليب النخبوية في عملها، وافتقار مؤسساتها إلى الديمقراطية الداخلية، فقد نشأت أحزاب ومنظمات التيار الماركسي العربي في سياق سعي الأممية الثالثة لتشكيل أحزاب شيوعية على الصعيد العالمي، ومن ضمنها البلدان العربية، أو كفروع للأحزاب الشيوعية في الدول الأوروبية المستعمرة (المغرب العربي)، أو من أحزاب ومنظمات من جذور قومية تبنت الماركسية ردًّا على هزيمة حزيران/ يونيو 1967 (الساحتين الفلسطينية واللبنانية). ولعب انهيار البرجوازية الوسطى والصغيرة خاصة، دورًا سلبيًا عليها، تأتى من كون أن العديد من قيادات هذه الأحزاب وكادرها ذو منشأ برجوازي متوسط أو صغير، وأدت أخطاؤها، في تحليل طبيعة السلطة وتحديد طبيعة التحالف معها، إلى صراعات داخلية وانشقاقات في صفوفها.

ويجب عدم إهمال تأثير انهيار الاتحاد السوفييتي وما تسبب به من حالة من البلبلة الفكرية والإحباط السياسي في أوساط تيار اليسار العربي، بسبب ما كان يمثله الاتحاد السوفييتي من مرجعية فكرية وسياسية للعديد من أحزاب هذا التيار، وقاد ذلك معظم الأحزاب إلى عملية مراجعة متفاوتة في شمولها وجديتها، لكنها لم ترق على العموم إلى المستوى الأدنى المطلوب لتمكينها من لعب دور فاعل على المستويين الاجتماعي والسياسي.

وفشلت الأحزاب اليسارية والعلمانية العربية في طرح حلول ديمقراطية لمسألة المكونات العرقية والدينية في البلدان العربية، يعتمد على الاعتراف بالحقوق القومية للجميع على قدم المساواة، والكف عن النظر إليها بوصفها أقليات تمس مطالبها المشروعة بوحدة البلاد الترابية.
ومن اللافت تراجع اهتمام اليسار بقضايا المرأة والشباب، واقتصر الاهتمام بهاتين الشريحتين على تشكيل منظمات هلامية تتبع قرارات الأحزاب السياسية، ويُعين المسؤولون عنها بقرار حزبي؛ ما غيب وجود حياة ديموقراطية داخلية فيها وجعلها محدودة العضوية، وغير قادرة على التوسع في صفوف الشباب والنساء في المجتمعات العربية، كما أن تمثيل هذه المنظمات في الهيئات القيادية للحركات والأحزاب الأم ظل محدودًا؛ ما أدى إلى حرمان الأحزاب اليسارية من دماء جديدة كان يمكن أن تبعث الحياة في عروقها.

على مدى عقود طويلة، فشل اليسار العربي في إيجاد مقاربات عملية مناسبة للقضايا الإشكالية في مجتمعاتنا مثل مشاركة المرأة في الحياة السياسية والاجتماعية، وبدلًا من طرح حلول تحاول تطوير النظرة “الدونية” إلى المرأة في مجتمعات ذكورية أساسًا، ذهب إلى استيراد القوالب الجاهزة من الاتحاد السوفيتي، ولكن ضمن شعارات مفرغة لم تنعكس لا على تمثيل المرأة، أو تمكينها.

وبداهة فإن منظمات نسوية تتبع أحزابًا سياسية متحالفة مع السلطات الدكتاتورية لا يمكن أن تصوغ برامج وطنية مستقلة فيما يخص المرأة أو أي من القضايا المطروحة. لكن الغريب ربما هو أن تواصل هذه الأحزاب حمل راية الدفاع عن المرأة، بينما تخلو قيادات هذه الأحزاب من النساء اللواتي يمثلن نصف المجتمع، ويقتصر التمثيل في معظم الأحيان على “الزركشة” لا أكثر.

ولم يشكل اليسار الفلسطيني استثناء عن الحالة العربية على الرغم من عوامل عدة كانت تؤهله للعب دور مميز، مثل طبيعة المجتمع الفلسطيني “الأكثر انفتاحًا”، ومشاركة المرأة الفلسطينية بقوة في مقارعة الاحتلال الإسرائيلي في إطار الثورة الفلسطينية المعاصرة، ونسبة التعليم المرتفعة للفلسطينيات مقارنة بدول أخرى.

الواضح أن اليسار الفلسطيني يواصل سقوطه المدوي من دون أن نعرف حدودًا دنيا لهذا السقوط الذي تجسد في دفاع مستميت عن نظام الرئيس الأسد على الرغم من جرائمه بحق السوريين، وتدمير مقدرات سورية، وكذلك دعم الثورات المضادة، والمشاركة في مؤتمرات في طهران هدفها المعلن دعم الفلسطينيين والقدس والباطن زيادة تدخل إيران في المنطقة، وكل هذا يتم من أجل الحصول على بعض المساعدات المالية من طرف يتفاخر باحتلال أربعة عواصم عربية، ويواصل الإمعان في قتل السوريين، والتدخل في اليمن والبحرين والعراق.

في الانتخابات البلدية الأخيرة في الضفة الغربية، هوى اليسار الفلسطيني سحيقًا، فضمن دعايته الانتخابية في المجلس البلدي لقرية بني زيد الشرقية قرب رام الله، عرضت الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين لوحةً تتضمن ستة مرشحين، أربعة من الرجال يتصدرون اللوحة بصورهم وأسمائهم، وفي ذيل اللوحة، وربما من باب “الرجال قوامون على النساء” استعاض بوردتين حمراوين بدلًا من صور “الرفيقات”. ومن المهم التذكير بأن الجبهة المذكورة في تنظيم ماركسي فلسطيني أبصر النور عام 1969، وأن قائمتها في البلدية المذكورة جاءت تحت اسم “تقدم بلدنا”.

وواضح أن الحركات التي تمثلها الجبهة الديمقراطية لا تستحق أكثر من وردتين حمراوين على قبر، بشاهد يكتب عليه “كريمة السلطات العربية”، فاسم المرأة وصوتها وصورتها عورة ضمن تقاليد مجتمعات ذكورية يجاريها “اليسار” ربما لأن فاقد الشيء لا يعطيه.