ترامب لم يغيّر الاستراتيجية الأميركية

رافق وصول ترامب إلى السباق الرئاسي الأميركي الكثير من الضجة الإعلامية، أميركيًا وعالميًا وعربيًا وطبعًا سورياً، وبعد وصوله استمر الضجيج والأسئلة والتوقعات؛ كل هذا بسبب أسلوبه الجديد والاستفزازي في إدارة اللعبة الانتخابية، وقفزه على حدود لم يفعلها قبله مرشح رئاسي أميركي، لقد خاطب ترامب الغريزة الجماعية للغالبية الأميركية البيضاء، والعقل الجماعي الساذج للشارع الأميركي الفقير، من خلال وعود طنّانة بحياة أفضل ماديًا، وركّز على شحن الشعور الوطني الطبيعي باتجاه تعصبي يلامس عواطف كثيرٍ من بسطاء الأميركيين، خاصة مع تضخيم الإعلام  الغربي والأميركي لخطر الإرهاب الإسلامي، وخطر إيران وكوريا الشمالية، واستفاد كذلك ترامب من الخوف الساذج الشعبي المنتشر أميركيا من “الوحش الأصفر الصيني”؛ باختصار لقد خلق بتصريحاته وسلوكياته عالمًا خياليًا أعجب من صوّت له، وغالبيتهم من الطبقة الأقل ثقافة ومعرفة بما يجري في العالم والولايات المتحدة الأميركية نفسها؛ بل إنه داعب أحلام اليمين المتطرف الأوروبي أيضًا، وأسعد القيصر الروسي بوتين الذي علم أن ما يظهر من “حماقة” سياسية لدى ترامب سيعطيه فرصة الصعود العالمي التي ينتظرها.

وكعادة الإعلام العربي والسوري، انطلقت التكهنات حول هذا “الكاوبوي البرتقالي” بعد ذلك “الضعيف الأسمر أوباما”، ونسجوا حوله أساطير كبرى، ولولا بقية من حياء، لأصبح صلاح الدين عند كثير منهم، فهو من سيهاجم إيران ويقضي على قوة ملاليها، وهو من سيطرد روسيا ويزيل بشار الأسد؛ وأتت جريمة النظام الأسدي الكيماوية في خان شيخون، ودكت صواريخ ترامب مطارَ الشعيرات، لتلهب المشاعر المتلهفة للخلاص من نظام بشار وحلفائه؛ فانطلقت التحليلات والتوقعات، وأصبح الجميع ذوي “مصادر خاصة مطلعة”، فادعى البعض حتى معرفة خطط إدارة ترامب لسورية بالتفاصيل، وكيف سيقسمها زمنيًا ومكانيًا، بل بلغ الأمر من صحيفة عربية “عريقة”، أن ادعت أن مصادرها المهمة ذات الاطلاع، قالت بعد لقاء ترامب بلافروف “واشنطن أبلغت لافروف إصرارها على قطع رأس النظام”، ونشرته كعنوان لامع يجذب القراء سواء أحبوه أم كرهوه.

وعلى ما يبدو إلى الآن أن الإعلام العربي والسوري لا يريد أن يرى الحقيقة الفاقعة: لقد رُوّض الكاوبوي البرتقالي بين ممرات البيت الأبيض وغرفه، وفهم الرجل ماذا تعني رئاسة أقوى دولة عرفها التاريخ البشري، ونسي ما قاله عن الاستثمارات والشركات الأميركية خارج حدود الولايات المتحدة، وفهم أن قوة بلده الاقتصادية تعتمد، إلى حد بعيد، على هذه الاستثمارات، وأن لا سبيل لعودتها؛ وتناسى الرئيس الأميركي ما قاله عن الصين، ومهاتفته للرئيس التايواني التي أغضبت الصين جدًا، فأعلن صداقته الشخصية مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، بعد لقائهما الشهر الماضي، وفهم أن بلده لا يمكن أن يدخل حربًا اقتصادية مباشرة مع الصين، إلا بمخاطر كبرى قد تؤدي إلى انهيار الاقتصاد الأميركي؛ ولم تمر أيام كثيرة بعدها، بينما الإعلام يتكلم عن الضربة الأميركية لكوريا الشمالية، حتى أعلن ترامب استعداده للقاء الرئيس الكوري الشمالي؛ وفي منطقتنا لم نعد نسمع، حتى من أعتى أعضاء الكونغرس الجمهوريين عداء لإيران سوى ضجيجًا كلاميًا حول زيادة العقوبات الاقتصادية على إيران، واختفت تهديدات ترامب بإلغاء الاتفاق النووي الأميركي الإيراني الذي أبرمه أوباما، فقد فهم ترامب المعادلة، وأن خياراته محدودة، وأن إيران بنظامها حليف استراتيجي لروسيا والصين لا يمكن أن يتخليا عنه.

أما سوريًا، فمن الواضح أن أقصى ما قصده ترامب بتصريحاته النارية ضد النظام الأسدي، كان 60 صاروخ توماهوك، يقال إن تكلفتها تصل إلى ستين مليون دولار. فالرجل وفي لقائه الأخير مع لافروف في واشنطن قال له بوضوح: نريد من روسيا أن “تلجم” النظام السوري والإيراني في سورية، واستخدم كلمة rein التي تعني بالضبط “ممارسة التحكم القوي بجماعة أو شخص أو شيء ما”، أي أنه بوضوح يفهم ويقرّ أن روسيا هي المتحكم الوحيد بحركة النظام السوري والإيراني في سورية، وهي صاحبة اليد العليا في ذلك.

حتى إعلاناته النارية حول محاربة داعش والإرهاب الإسلامي في سورية، لم تتجاوز -كما كانت سياسة أوباما- زيادة دعم بعض القوات السورية المعارضة للنظام وهي (قسد)، بمكونها الأساسي الكردي، ومن الواضح أن حربه تلك لن تتجاوز هذا الدعم بالتسليح والغطاء الجوي، على الرغم من المشاكل التي يثيرها ذلك مع الحكومة التركية، فترامب لن يتورط بإرسال الجيش الأميركي على الأرض، ولن يستطيع منح أردوغان ميزة تشكيل جيش باسم الناتو ودول الحلفاء، على الرغم من أنه شخصيًا معجب بأردوغان رئيسًا قويًا.

لا ندري من أين أتى الإعلام والمحللون العرب والسوريون بقصصهم تلك عن ترامب، هل هي أمنيات عاطفية اختلطت مع منهجية قراءة تقليدية خاطئة للعالم، أم هي ضرورة جذب القراء والمتابعين عبر منافقة مشاعرهم وتقديم ما يحب أن يسمعوه.

في المحصلة -كما هو واضح- الاستراتيجية الأميركية لم تتغير ولن تتغير سواء كان ترامب أو كلينتون في المكتب البيضاوي؛ وليس ذلك لأن “الدولة العميقة” تسيّر السياسة الأميركية كما تفترض نظرية المؤامرة، بل لأن هذه الدولة تشكل أعقد بنى الدول التي عرفها البشر عبر تاريخهم، وهي مبنية على أسس مؤسساتية متداخلة مع سوق ومصالح اقتصادية هائلة، وبنية سياسية ديمقراطية معقدة، وسوق إعلامي شديد الفعالية والربحية، وتغيير استراتيجياتها أبعد بكثير من تغيّر لون الرئيس من أسمر داكن إلى برتقالي فاقع، وأصعب بكثير من دولة عميقة خفية، تجمع عشرات أو مئات من الأعضاء السريين يجتمعون في غرف سرية، يدخنون السيجار الفاخر، ويشيرون بأصابعهم، المشبوكة بخواتم ماسية، فيقررون سياسة الولايات المتحدة الأميركية.