مخاطر الحديث عن الدولة اليهودية

على امتداد التاريخ المعاصر هنالك دول قليلة في العالم، تقوم فيها الحكومات بسن حزمة من القوانين الخاصة بالمواطنة والسكن، تُطبّق على قسم واحد من السكان ضد الآخرين. وقد كانت جنوب أفريقيا واحدة من تلك الدول وكذلك “إسرائيل” (لسنا الآن بصدد الحديث عن التغيير الديمغرافي الذي تقوم به سلطة آل الأسد والميليشيات الطائفية الداعمة لها في سورية)، وهذا يجعل من المقارنة بين حكم البيض في جنوب أفريقيا ونظام السيطرة الإسرائيلي على الفلسطينيين أمرًا ممكنًا وله أسانيده.

فبينما تستعد “إسرائيل” لاستقبال الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 22 الشهر الجاري، صادقت اللجنة الوزارية الخاصة على مشروع قانون جديد، يمنح اليهودَ فحسب حقَّ تقرير المصير، ويعدّ إسرائيل دولةً للشعب اليهودي. ويقترح القانون إلغاء مكانة اللغة العربية بوصفها لغة رسمية ثانية في إسرائيل، وجعلها “لغة ذات مكانة خاصة”. ويمنح البلدات اليهودية الصغيرة حق رفض سكن عرب فيها، بدواعي الحفاظ على نسيجها.

لقد كانت الهوية اليهودية لإسرائيل قناعة داخلية، لم تُطرح من قبلُ كجزءٍ من الخطاب الإسرائيلي للعالم. أما اليوم فإنّ قادة إسرائيل يعملون على فرض تسليم مختلف الأطراف والدول باعتبارها دولة لعنصر ديني واحد، على الرغم من أنّ هذا العنصر ينزع عنها صفة الديمقراطية التي تتميز بها، فضلًا عن أنه شكل من أشكال العنصرية التي تضع أحد الأديان فوق الجميع.

إنّ الاعتراف بـ “يهودية دولة إسرائيل” يعني، في أهم ما يعنيه، أنّ الأرض الفلسطينية هي ملك لليهود أينما وجدوا، وبالتالي فإنّ من حق أيّ واحد منهم الهجرة إليها، والاستيطان فيها. كما يعني أنه يحق لإسرائيل أن تقول للفلسطينيين بعد ذلك “هذه دولة يهودية، ولا يجوز لأحد أن يستوطنها ما لم يكن يهوديًا”. وبهذا المعنى سيجد فلسطينيو “إسرائيل” أنفسهم أمام سياسات وتشريعات إسرائيلية جديدة، تضعهم في موقف أسوأ وأصعب كثيرًا مما هم فيه حاليًا.

إنّ أخطر تطورات القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي هو تنامي أهمية البعد الديني، وقد كانت سنة 1967، وما حملته من انتصار إسرائيلي على العرب، معلمًا في هذا المنظور. فللمرة الأولى وقع “كامل أرض إسرائيل” وفي جملتها القدس بكاملها و”جبل الهيكل”، تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية الكاملة. وقد عُدّ ذلك توكيدًا لـ “الرضى الإلهي”، ودليلًا على صحة كون الشعب اليهودي “شعبًا مختارًا”.

وفي الجانب الآخر، يبدو أنّ العرب مغرمون بلعبة التطابق، فالتطابق الذي حصل بين المسألة الفلسطينية وبين الإسلام يبدو كأنه سدرة المنتهى للعالم العربي ولقسم من النخب الفلسطينية، حتى عندما صار هذا التطابق مهلكًا؛ بسبب التحولات في العالم الإسلامي ونزوع حركات فيه إلى المواجهة العنيفة مع الغرب ورموزه، إذ لم نرَ أي جهد يذكر لفض هذا التطابق وتأكيد التباين والاختلاف بين المسألة الفلسطينية، بوصفها قضية شعب يسعى إلى الحرية واستعادة جزء من وطنه التاريخي، وبين الإسلام الجهادي الذي انزلقت أوساط فيه إلى العنف الصريح تحت مسميات وأغراض لا علاقة لها بالمسألة الفلسطينية التي تم تجييرها على غير إرادة منها.

من المؤكد أنه إذا أصرت إسرائيل على رؤيتها الدينية للصراع فلن يكون هناك سلام شامل وعادل ودائم؛ ففي مواجهة رؤية لحقوق يهودية مستمدة من التوراة، ستبرز رؤية مقابلة ترى أن فلسطين كلها أرض وقف وجزء من دار الإسلام، ولا يجوز لأحد التفريط في شبر واحد منه.

وهكذا، فإنّ اكتساب الصراع العربي–الإسرائيلي طابعًا دينيًا سيصعّب إمكانية الوصول إلى “الحل الوسط التاريخي” للقضيتين الفلسطينية والإسرائيلية، إذ إنّ الرداء السياسي العلماني الذي تلبسه الحركة الصهيونية الرسمية، يبدو قناعًا تتخفى وراءه رؤية دينية تصرّ إسرائيل من خلالها على تحديد مواقفها من الصراع استنادًا إلى اعتبارات، تمليها عقائد دينية بأكثر مما تمليها اعتبارات سياسية.