اتحاد الجمهوريات السورية المستقلة

لن يختلف اثنان على أن مناطق خفض التصعيد، أو التوتر، التي يُتوقع لها أن تتطور لاحقًا لتصير مناطق آمنة، هي بداية فعلية لمشروع تقسيم سورية إلى مناطق؛ تشكّل كل واحدة منها، ضمن حدودها الجغرافية التي حُدّدت من قبل صانعي القرار، ليس من بينهم سوريون طبعًا، نواةً لدُويلة تتطور شيئًا فشيئًا لتنال نوعًا من الاستقلال عن الدويلات الأخرى، وسوف يضاف لاحقًا مناطق أخرى؛ ما يعني دويلات إضافية بطبيعة الحال، وليس مستبعدًا -والحال هذه- أن تبدأ الأعلام الخاصة بكل واحدة من تلك الدويلات ترفرف مرحّبة بالقادمين إليها على غرار باقي دول العالم، لن نختلف على مسميات تلك الدويلات في الوقت الحالي، لكننا يمكن أن نتفق أنها ستكون جميعًا جمهوريات، ولا أدري إن كان جائزًا تصغير الجمهورية لتصير (جُمَيْهيريّة) بنصف أو ربع رئيس، لا يهم، كما هو حال رأس نظام دمشق حاليًا، الأمر بات محسومًا بالنسبة إلى صناع القرار، وهم يدركون أن من الصعب حقيقة جمع هذا البدد السوري كله في دولة واحدة من جديد، بل إنهم سعوا -كما بات واضحًا- لإيصال الأمور إلى ما وصلت إليه، إمّا من خلال تغاضيهم عن الجرائم التي ارتكبها نظام دمشق، منذ أكثر من ست سنوات وحتى يومنا هذا، وكانوا قادرين في أوقات كثيرة على لجمه، وربّما اقتياده مخفورًا إلى محكمة دولية أو على الأقل برفع الغطاء عنه، الكلام هنا عن الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين الذين أعلنوا تأييدهم للثورة السورية منذ أيامها الأولى، وإمّا من خلال تقتيرهم، بل ومنعهم دعم الثوار المسلحين بما يحتاجونه من أسلحة للقيام بتلك المهمة التي باتت تبدو الآن شبه مستحيلة.

الأمر لا يتعلق بمشيئة صانعي القرار الدولي فحسب، لكنه يتعلق بالشرخ الكبير الذي حدث في بنية المجتمع السوري، ومردّه طبعًا طول أمد الصراع الذي فاقم بدوره التحريض والعداء المتبادل بين المختلفين، ولا يقتصر الأمر على ما يُعرف بالمؤيدين والمعارضين فحسب، بل يتجاوزه إلى داخل كل فئة من هاتين الفئتين ليحدث شروخًا ثانوية اتسعت بدورها، وصار من الصعب رتقها، في ظل غياب مشروع وطني سوري حقيقي، هذا المشروع برمته ما زال في خبر كان، بل لا يكاد يفكر فيه أحد، ونقصد قوى المعارضة التي تتصدر المشهد، وتبدو منشغلة أكثر بترتيب بيوتها الداخلية أكثر ممّا هي منشغلة بما يحدث في البيت السوري الكبير، المؤيديون وإن كانوا يبدون ظاهريًا أكثر تماسكًا إلا أن الأوضاع الاقتصادية المتردية، وتغوّل السلطة وأتباعها المقربون على حساب باقي أفراد الشعب، ستترك آثارها، ولن يلبث طويلًا قبل أن يؤدي إلى انفجار، لا نتوقعه شبيهًا بالثورة السورية ضد نظام دمشق، لكنه على الأقل كفيل بتفكيك ذلك التماسك الوهمي، ووضع السلطة في مواجهة شرخ عميق، لن تكون قادرة على تجاوزه، لا بمصالحات خلبية ولا بأجهزة أمنها التي لم تعد قبضة حديدية كما كانت في وقت مضى؛ وعليه فإن “جمهورية سورية المفيدة” لن تكون مفيدة على الأمد الطويل، ولن يكون استمرار عمليات التهجير، كما يحدث الآن، مجديًا، وسيكون لزامًا إيجاد حدود تفصل بين المتحاربين فيها، ما يعني بالضرورة بروز كيان جديد غير مطروح على الساحة حاليًا.

هذه الخلطة السورية العجائبية ليست مجرد حبر على ورق، لكنها واقع علينا الاعتراف به مهما كان مؤلمًا وموجعًا لذاكرتنا ولأحلامنا، والاعتراف به يوفر لنا وقتًا كثيرًا للتفكير في ما سيأتي لاحقًا، والشروع في إيجاد صيغ لفرض حالة سلم دائم بين تلك الدويلات، والتفكير أكثر في ضمان إقامة علاقات حسن جوار فيما بينها، كي لا تستنزف الصراعات المستقبلية ما تبقى من أمل، في إعادة تركيب سورية المفككة وتجميعها قطعة قطعة، بسبب الضرورات التي ستفرضها وقائع اقتصادية واجتماعية وثقافية معقدة، تُتَجاهل في الوقت الحالي لكنها مع مرور الوقت، حين تخفت أصوات البنادق، ستفرض نفسها لاعبًا وحيدًا، وستجبر الجغرافية الممزقة على التقارب أكثر فأكثر، وصولًا ربما إلى اندماج، وهو أمر لن يكون مستحيلًا. في هذه الأثناء تبدو فكرة الفدرالية، وفق النموذج السويسري، حلمًا صعب المنال نظرًا للاختلاف الجوهري ما بين الحالة السورية والحالة السويسرية، لكن لا بدّ من وضعه في الحسبان، والتخلي عن تلك العنتريات الحماسية التي تتحدث عن سورية موحدة حرة مستقلة، وعن شعب واحد، وهي، مع الأسف، لن تقدّم ولن تؤخّر في الواقع شيئًا.

هل أنت مع التقسيم؟

سؤال لم يعد طرحه مستبعدًا، ولم يعد مستبعدًا أيضًا أن تكون الإجابة “نعم”، ولن نستغرب -والحال هذه- أن يخرج الناس، مدفوعين بحب البقاء على قيد الحياة، في مظاهرات حاشدة مطالبة بالتقسيم.

هل تضع المعارضة السورية هذه الاحتمالات في حساباتها؟ وهل وضعت خططًا وتصورات لما سيأتي؟ إن فعلت فلماذا لا تطلع الناس عليها عملًا بمبدأ النزاهة السياسية، ولتجعل الناس يقاسمونها “الحمل الثقيل” الذي تقول إنها تحمله، وإن لم تفعل فتلك مصيبة المصائب، والأفضل لها أن تعلن انسحابها من المشهد، قبل أن تتحمل مسؤولية ولعنةً تاريخية، ويكتب المؤرخون مستقبلًا: السوريون نظامًا ومعارضةً ساهموا في تقسيم ما كان يعرف سابقًا بالجمهورية السورية.