سورية: الكفاح وفوضى الصراع

تخلق لنا حركات الكفاح المفصلية في التاريخ من الوقائع ما يعجز العقل عن توقعه في أحيان كثيرة. فإما أن يدفع الـلامتوقعُ التاريخَ إلى الأمام، ويخدم أهداف الكفاح، أو يعيق حركة الكفاح وأهدافها.

يقود اللامتوقع إلى الانشغال به لدرجة حمل البشر على نسيان الجوهري والماهوي، وتتحول ورطة النظر إلى الجزئي إلى عائق أمام رؤية الكلي، وليس هذا فحسب، بل قد يفرض اللامتوقع نفسه على الواقع، بحيث يصير هو الأساسي وينهزم الهدف الأصلي، وتُنسى الشروط التي أنتجت الكفاح.

سردت هذه المقدمة كي أنطلق في رؤية سيرورة الثورة السورية من المعنى الكلي – الأصلي، في علاقته بالظواهر التي نشأت بفعل سيرورة المعنى واقعيًا؛ فالأصل في الذي جرى ويجري في سورية هو حركة شعبية تحررية توسلت الخلاص، عن طريق التظاهرات السلمية، من حكم سياسي دكتاتوري فاسد، ومتورط في تدمير الحياة السورية المعشرية والاقتصادية والثقافية والوطنية.

لقد تفتق التاريخ الذي راح البشر يصنعونه عن وقائع لم تكن في الحسبان، إذ لم تكن الأكثرية السورية لتتخيل حجم العنف الذي استخدمته الجماعة الحاكمة لمنع أهداف الشعب السلمي من أن تتحقق، بل لم يكن في حسبان أحد أن يتخيل قتل المتظاهرين وتصفية الآلاف منهم في السجون، ومن ثم استخدام الطيران لقصف المدن.

في المقابل، لم يكن الحاكم ليتخيل حجم الصمود الشعبي من جهة، وتوسع العمل العسكري ضده إلى الحد الذي قلص سيادته على الأرض إلى ثلث المساحة السورية، ولم يكن النظام، ولا الحركة الوطنية الشعبية، بقادرين على توقع قوة التيار الجهادي الإسلاموي المسلح، ولم يدخل في وعي الناس قدومُ هذا الكم من الميليشيات الطائفية الشيعية إلى البلاد للدفاع عن الجماعة الحاكمة، وأخيرًا لم نحسب حساب أن تتحول سورية إلى مسألة دولية.

ترتب على هذا كله أن انهارت حال احتكار السلطة للقوة؛ فانهار الاقتصاد، وانهارت المؤسسات، وظهرت الطائفية بأجلى صورها دون حياء، ولم تعد الإرادات الداخلية بقادرة على حسم معاركها المتنوعة، وجرى ما جرى.

أما الآن فالمشهد هو التالي: في المستوى الداخلي، أصبح جيش النظام أحد أشكال الميليشيا على الأرض وأضعفها، والحركة الوطنية الشعبية التحررية منكفئة أمام الصراع المسلح، وأهم من هذا كله أنّ خزان الفقر العلوي الذي يمد السلطة الحاكمة بوقود الحرب يكاد يجف، وخزان الفقر السني الذي يمد الحركات الإسلاموية هو الآخر على وشك الجفاف، والشيعة المقاتلون الغرباء ليس لهم قدرة على البقاء في عالم يحتقرهم. وفي المستوى الخارجي، صارت المسألة السورية هي الصراع على سورية، الدولتان القطبان في الصراع: أميركا وروسيا لن يُحوّلا سورية إلى موضوع يُنذر بالخطر بينهما، ولهذا فهما في حالة بحثٍ عما ينفعهما، وقس على ذلك القوتين الإقليميتين: تركيا وإيران. في وضع كهذا فإن الميليشيات والنظام ينزعان نحو التقسيم، والعامل الخارجي هو الآخر قد لا يجد غير التقسيم وسيلة لاقتسام ثروة الدولة المنهارة. وحدها القوى الشعبية، وما ولّدته من شعور بالمواطنة السورية، والمؤسسات التي تنتمي إليها، ذات المصلحة بتجاوز الوسخ التاريخي الداخلي وأهواء الدول ومصالحها، وذات المصلحة بسورية الموحدة.

يجب أن ينصب العمل هنا، العمل بإنجاز الكتلة الشعبية السورية المتجاوزة لضيق الأفق المصلحي، والمكوّنة لإرادة قادرة على إفشال التقسيم، إذ لا يمكن لقوى خارجية أن تُحقق أهدافها إلا بتوافر شرطين: وجود قوى محلية مساندة لها، وضعف الإرادة الداخلية المناهضة لها.

تتطلب استعادة الإرادة السورية الوطنية مؤتمرًا سوريًا يُمثّل الأكثرية الشعبية والفاعلين الشعبيين والنخبة المتحررة من التفكير العاجز أمام القوى الخارجية، فالممثلون الشعبيون للمجتمع السوري المتجاوزون الوعي الطائفي المتخلف، والمصالح الضيقة للفئة الحاكمة، والأوهام المميتة للإسلاموية، هم وحدهم القادرون على الصد والتجاوز والبناء، بناء الوطنية السورية من جديد.

بقي أن نؤكد بأن التعامل مع مصير سورية، بعقل الغنيمة، هو الذي سيجعل التراجيديا السورية العظيمة التي رفعت غايات الحرية والكرامة، كوميديا سوداء، تبعث على البكاء، فهناك فرق بين تراجيديا الكفاح وفوضى الصراع.