الرأسمالية واقع موضوعي

الرأسمالية واقع موضوعي، ولا يمكن تغييرها سياسيًا أو عسكريًا أو اقتصاديًا، في المدى المنظور. إن تغييرها كامن فيها، في داخلها. إنها في حالة تحول دائم إلى أن تصل إلى مرحلة لا تستطيع فيها أن تجدد نفسها.

حاول اليسار عامة، والماركسيون خاصة، أن يكسروا هذا الجدار أو يهدموه، بيد أن المعاول لم تكن بتلك الصلابة والقوة، وكذلك أدواتهم الفكرية، كما أن المقاومة المباشرة، بكل أشكالها، لا يمكن أن تغيّرها، بل إن المقاومة المباشرة تقوّي شوكتها.

الرأسمالية نمط إنتاج أصيل، لا يرجع إلى الوراء، ولا يُكسر بالوسائل التقليدية. أنماط الإنتاج الأصيلة ترتقي إلى الأعلى أو تتحول إلى شكل أرقى وأكثر استقرارًا وتماسكًا.

لقد حدثت عدة ثورات في بنية النظام، في عدة دول، كالاتحاد السوفييتي والصين وفيتنام وكوبا وإيران، وفي مناطق عدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بيد أن جميع هذه التجارب منيت بالفشل والهزيمة. والأنكى من ذلك أنها عادت، والتحمت بالجسم العام للأم، للنظام الرأسمالي؛ وذهبت تضحيات الناس بالملايين من دون جدوى، فضلًا عن أنها خلفت دمارًا، ومجتمعات مزعزعة وضعيفة.

إن الثورة، بمفهومها المعروف، لا تستطيع أن تكسر النظام الرأسمالي، أو أن تغيّره من الخارج أو الداخل؛ لهذا فإن علينا وضع المفاهيم الدقيقة والتصورات العملية والأهداف البعيدة نصب أعيننا، لتكون مخرجًا إلى الواقع الاجتماعي السياسي الذي نبتغيه، ليس على الصعيد المحلي وإنما العالمي أيضًا. إن الثورة، عمليًا، هي محاولة تحسين الشروط الاجتماعية في داخل كل بلد، وهي تهدف إلى تغيير النظام الاجتماعي، أي كسر التراتبية الاجتماعية القائمة، واستبدالها بتراتبية اجتماعية جديدة، وإعادة صيرورتها في السلطة، وإعادة إنتاج قوى جديدة.

حتى نتجنب سوء الفهم، علينا أن نذكر أن المسألة الاجتماعية، لا يمكن حلها عبر النشاط الاجتماعي إلا بعد وضع التصورات والمفهومات، علينا أن نحدد شكل المرحلة القادمة، وانعكاساتها على الظروف الموضوعية والذاتية.

الثورات التي حدثت في السابق، والتي تحدث اليوم، تدعونا إلى التأمل في جوهر ما يحدث في العمق. وكي نكون عمليين علينا أن نعلم أن مطالب الناس الحقيقية في هذا العصر تتجاوز قدرة الأنظمة كلها، وتعجز الدول عن حملها.

إن الدولة، بمفهومها الحالي، أضحت مغلقة، غير قادرة على الانفتاح على التغيير، أو محاولة إصلاح الواقع الاجتماعي والسياسي، أو السير إلى الأمام، وغير قادرة على تطوير نفسها، لأنها محكومة بقانون السوق وآلياته والقوى المتحكمة.

لم تعد الدولة المفصّلة على مقاس النخب التقليدية، ترضي المجتمع المعاصر، خاصة في ظل عولمة تتجاوز قدرة الدول على التعايش، ضمن الأطر التقليدية للحدود الوطنية الضيقة. وبغياب البعد المعرفي والفكري؛ فإن البشرية مقبلة على أزمة بنيوية، تتجاوز القدرة على حلها في المستقبل القادم.

الدولة، بالمفهوم السائد، هي مشروع نخبوي تقليدي، قائم على تراتبية دقيقة، تديرها أحزاب وجمعيات وقوى تقليدية جدًا، تقبل توزيع المهام بينها بانتظام عبر برلمانات شكلية، في واقع اقتصادي لا وطني؛ هذا سيؤدي إلى صدام لن يُحلّ بسهولة، وستكون هناك ضرائب باهظة.

لم تعد الحكومات وطنية، بالمعنى التقليدي للوطن، إن من يعملون فيها موظفون لدى من وكّلهم، وهي الشركات الاحتكارية وفوق الاحتكارية. وبغياب المعارضة الفاعلة، المنتجة للمفاهيم، سنشهد تراجعات كبيرة وانهيارات كثيرة في الأيام المقبلة. إن عجز الدولة، اجتماعيًا وسياسيًا وأيديولوجيًا، عن إنتاج واقع اجتماعي جديد أو محاولة إصلاح ترهل الدولة وديمقراطيتها الهشة سيكون له هناك تبعات كبيرة؛ ولا أستغرب عودة الفاشية قريبًا، وكل الدلائل تشير إلى ذلك.

لم يعد مقبولًا في هذا العصر أن تأخذ الدولة على عاتقها كل المهام: السياسة الداخلية الثقيلة، والسياسة الخارجية، وإدارة مصالح الاحتكارات. إنه حمل ثقيل يتحمل أعباءه المجتمع، لهذا نقترح أن تلجأ الدولة والمجتمع إلى المجتمع المدني، وتزيده تنظيمًا وترفده بالقوة الاجتماعية والسياسة ليكون عونًا اجتماعيًا للمجتمع بدلًا من أن تتحمل الدولة وحدها العبء السياسي والاجتماعي؟

إن الانتقالات العميقة، من دون مشاركة المجتمع في هذا العصر، لم تعد مقبولة، وإن تزييف الوعي الاجتماعي عبر برامج مدروسة بدقة سيترك آثاره على البناء الاجتماعي في العالم كله.

آن الأوان كي يأخذ المجتمع دوره، أن يصعد دوره، في البلدان المركزية خاصة وهوامشها عامة، ويعلن أنه موجود، وأنه مستعد أن يقرر سياساته الداخلية، وأن تتحول الدولة إلى مجرد غطاء يسهر على حركة البناء.

إن المجتمع المدني والمجالس البلدية، بناء تحت سياسي، بيد أنه أكثر اقترابًا من مصالح المجتمع ومن المهمشين، ويمكن لهما أن يأخذا دورهما ويتصاعدا ويكونا بديلًا موضوعيًا عن النخب المالية والسياسية والنفوذ الذي استهلك نفسه، واستهلك الموارد فوق الأرض وتحت الأرض، وأن يأخذا زمام المبادرة في تنظيم المجتمع على أسس جديدة فيها احترام وتقدير لقدسية الحياة والطبيعة.

إن مقاومة الرأسمالية بالوسائل التقليدية لم تعد تجدي، لهذا علينا أن نجد بدائل حقيقية من أجلنا، ومن أجل أبنائنا في الزمن القادم، وعلينا أن نبدأ بتحسين أداء المجتمع، وتفعيل دوره، من خلال الوعي بالضرورة والحرية، لنصبح أصدقاء أنفسنا ومجتمعنا والطبيعة التي نسكن عليها، وعلينا ألا نكتفي بالفرجة، ونبقى منفعلين بالأحداث، يجب أن نكون فاعلين لإنتاج شروط اجتماعية جديدة، من دون إراقة دماء أو دخول في صراع مباشر.

إن الرأسمالية تسير في طريق مسدود تلبية لمصالح الخاصة؛ لهذا ندعو إلى التغيير من داخل البناء الذي صنعه بنفسه، عبر تحسين كل مجتمع لشروط وجوده سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا.

أعلم أنه صراع طويل، ولن ينتهي بين ليلة وضحاها، بيد أن وضع حجر الأساس لانتقالات عظيمة يحتاج إلى فكر يرسي ويمهد الطريق لعالم مغاير.

إن النخبة المتخمة، قبضت على الدولة والمجتمع آلاف السنين، وآن الأوان، أن يأخذ المجتمع دوره، ويبادر في تفعيل ذاته بذاته. إن الركائز أو القاعدة الاجتماعية والاقتصادية موجودة في المراكز الرأسمالية، ويمكن تفعيلها، عبر التحام المجتمع المدني والمجالس البلدية، بالمجتمع لتفعيل حركة اجتماعية تحدّ من حدة التدهور، وتندفع نحو الارتقاء.