روسيا وإيران: خطران على سورية يلتقيان ويفترقان

إذا كان المقياس في احتساب الخطر الأشد على سورية، ثورة وشعبًا، يقوم على الكتلة النارية التي استخدمها كل طرف من الطرفين الروسي والإيراني، وفاعليتها في ميدان المواجهة، وما يمتلك من تكنولوجيا وتخطيط ووسائل عالية القدرة على تدمير الأهداف على الأرض، فمن المؤكد أن الدور الروسي كان هو الأخطر والأشد تأثيرًا على موازين القوى بالمعنى العسكري الصرف، وما قاله القادة والمسؤولون الروس إنه لولا تدخلهم لسقط نظام بشار في بداية عام 2016، لم يكن من باب الادعاء الفارغ، إنما حقيقة يعرفها جميع الفرقاء.

بيد أن الأهداف التي تسعى لها روسيا في سورية، والأدوات والسبل التي تستخدمها في تدخلها، ليست متطابقة مع الأهداف الإيرانية من وراء التدخل، كما مع الوسائل والأدوات. وأستطيع اجتهادًا مقاربة الفرق في جوهر الأهداف بين الطرفين، وما يحملانه من أخطار، الروس يهدفون تحقيق أقصى نفوذ لهم في سورية اعتمادًا على تحكمهم بسلطتها السياسية إلى أبعد الحدود، بينما الإيرانيون يعملون لهدف السيطرة على سورية والتحكم بكامل مقدراتها، مع ما يستلزمه ذلك من تمزيق المجتمع والجغرافيا، وإعادة لصقه وفق حاجاتهم، وجعل هذا التحكم أداتهم لإبقاء السلطة التي يريدون، وإذا لزم الأمر التدخل لإعادة تشكيل بنيتها الأمنية والسياسية والعسكرية وفق حاجاتهم، عندما تقتضي الظروف مثل هذا التشكيل.

ما يجمع الطرفين -الروسي والإيراني- هو معاداة ثورة الحرية في سورية، والتشبث ببقاء سلطة بشار، روسيا لأنها لا تطمئن لقيام نظام بديل، هو على الغالب افتراضًا، نظام ديمقراطي، لا يصنع سياسته فرد أو طغمة بوليسية أمنية عسكرية، ويمكن أن يقيم توازنًا جديدًا للعلاقات الدولية لا يكون لروسيا فيه دور “الأب” و”المرجع”، زيادة على خوف مؤسسة سلطة بوتين من تغيير في علاقات التسلح والتدريب العسكري التي تعود لنصف قرن تقريبًا، احتكرت خلالها روسيا “التجارة العسكرية” مع سورية، ومنها نفذت إلى تجذير تأثيرها في بنية السلطة الدكتاتورية، وبصياغة أخرى يمكن مقاربة الفكرة بالقول: إن روسيا تسعى للإمساك بسورية من فوق، من مراكز القرار في السلطة الأمنية والعسكرية والسياسية، وتريد نظامًا يشبهها، مقابل استراتيجية نظام الملالي في طهران التي تسعى للقبض على سورية بالتغلغل في كافة مناحي الحياة فيها، ولا تكتفي بالعلاقة الوطيدة مع النظام مهما بلغت تبعيته لطهران واندماجه شبه الكامل بأجندتها الإقليمية، وهنا الاختلاف عن الاستراتيجية الروسية حيال سورية، ولعل التلميحات الروسية إلى أن علاقتها مع سورية هي علاقة مع النظام وليس مع شخص “الرئيس”، وإن كانت تلميحات تنطوي على جزء من اللعب الدبلوماسي، غير أنها تشي بشيء من هذا القبيل. بينما طهران تتشبث بشخص بشار بالمطلق لدرايتها أن بنية سلطة المافيا الحاكمة لن تتماسك وتتوازن من دون رأس النظام، واستدراكًا منها لأي احتمال تتعرض فيه سلطة بشار للخطر، ذهبت طهران إلى أبعد الحدود في ترتيباتها على الأرض عسكريًا، بتوسيع تواجدها العسكري بالميليشيات الطائفية، والقوات العسكرية الإيرانية وكتلتها الأهم والأخطر، الحرس الثوري الإيراني.

في الحالتين -الروسية والإيرانية- موقعهما الرئيس، من مصالح الشعب السوري، واحد، وعلى طرف نقيض، طالما تتركز أهدافهما على إبقاء سلطة المافيا متحكمة برقاب الشعب السوري. لكن الأولى روسيا، بأدوات تدخلها العسكرية الجبارة، وبقدرتها السياسية والدبلوماسية على الصعيد الدولي، لا تؤدي إلى تغيير الواقع الديموغرافي والثقافي والجغرافي لسورية، وبالأصح لا تسعى إلى مثل هذا الهدف. وعلى العكس تمامًا تخطط إيران، من خلال تدخلها الواسع والشامل إلى جانب النظام، لقلب الأوضاع العامة في سورية، وتبديل البنية السكانية، والتوغل في “تشييع” سورية، بجلب الأفغان والإيرانيين والعراقيين والباكستانيين واللبنانيين الشيعة، والعمل على إجلاء السوريين عن أرضهم، أو على الأقل ترحيلهم من مدنهم وبلداتهم إلى مناطق أخرى داخل سورية.

ليس القصد مما ذهبت إليه أعلاه إقامة وهم للتساوق مع الأجندة الروسية، طالما استمر هدف بوتين بالتأكيد على منع التغيير الديمقراطي في سورية، والالتزام بحماية نظام بشار، أو، في أحسن الأحوال حماية النظام والمساومة على رأسه، إذا تطلب الواقع وموازين القوى المتحركة مثل هذه المساومة. لكن أخذ الفارق بين التدخلين الروسي والإيراني يفسح المجال لقوى الثورة والمعارضة لإدارة الصراع بشكل أفضل، ولتعميق التعارض بين الطرفين، وصولًا إلى إمكانية تحويله إلى تناقض في الميدان وفي الحراك السياسي والدبلوماسي.

لقد أظهرت نتائج أستانا الأخيرة، بإعلان ما سُمِّيَ “مناطق تخفيض التوتر” أن بداية مسار دبلوماسي جديد لمداولات الصراع في سورية، يطمح كل طرف بالبناء عليه، وإعادة رسم تكتيكاته من دون التنازل عن أهدافه الأساسية؛ فبينما تسعى روسيا من ورائه لإظهار قدرتها على رسم أفق لحل التناقض في سورية، يضمن لها ترسيخ مصالحها في أي ترتيبات سياسية شاملة على مستوى الملفات الدولية المعلقة، تحاول طهران جعل مشروع “المناطق منخفضة التوتر” حجر أساس تبني عليه خطتها للتقسيم المذهبي والجغرافي، وتوفير الطاقة العسكرية الميليشياوية المذهبية لزجها في معارك على جبهات أخرى وتحقيق سيطرة أشمل على الجغرافيا السورية، إلا أن نقطة الضعف التي باتت تواجه الأجندة الإيرانية هي تجذُر المواقف الدولية التي ترى بالوجود الإيراني وملحقاته العسكرية، خطرًا على المصالح الدولية والإقليمية، والمطالبة بسحب كل تلك القوى عن الأرض السورية. ويبدو أن مرونة موسكو في التعامل مع هذه الدعوات ستكون العنصر الحاسم في إعادة رسم العلاقات الروسية – الإيرانية، في ملف الأزمة السورية على الأقل وفي المدى القريب. وإن صح تقديرنا هذا، يمكن أن يكون الشاخص الواضح لقوى الثورة والمعارضة في المرحلة الحالية هو “مواجهة الوجود الإيراني بكل الوسائل، لكنسه عن الأرض السورية، وتجنب التصادم مع الدور الروسي قدر الإمكان ومحاولة تحييده”.