العرب يقمعون السوريين

كانت أنجيلا ميركل رئيسة وزراء ألمانيا قد أبدت استغرابها من توجه السوريين الفارين من نظام الأسد الدموي نحو أوروبا، وليس باتجاه دول عربية إسلامية تُناسب عقيدتهم وتتحدث بلغتهم، ولعلها تعرف الأسباب، لكنها تجاهلتها كنوع من البراغماتية السياسية.

في الكويت مثلًا تفرض الدولة غرامات فلكية على السوريين لتجديد إقاماتهم، على الرغم من أن المُبعدين منهم إلى سورية قد يُعدمون كما كشف عن ذلك أمين عام منظمة (كافي) لمكافحة الفساد وحقوق الإنسان العاملة في الكويت تحت وصاية الأمم المتحدة حسين الشمالي، حين قال: هناك أربعة مبعدَين من الأراضي الكويتية، ويحملون الجنسية السورية أُعدِموا من قبل سلطات بلادهم خلال الفترة الماضية.

في تونس حيث أزهر الربيع العربي، لا يستقبلون السوري المناوئ للسلطة إلا بشق الأنفس، وكذلك الأمر في الجزائر والمغرب، وحتى مصر التي لبّت نداء الربيع بعد تونس، فرضت سلطة الرئيس عبد الفتاح السيسي نظام الفيزا على السوريين من جديد، وكان قد أُلغي في عهد الديكتاتورين مبارك والأسد، وأصبح من شبه المستحيل أن يحصل سوري حر على إذن دخول إلى مصر الحرة.

في لبنان أصبح وضع المهجّرين مأسويًا، فحزب الله هو من دمّر بيوتهم وقتل الآلاف منهم وطرد البقية من القلمون والقصير، ثم استمر في ملاحقتهم في جبال عرسال والبقاع الأوسط، يُعاونه الجيش اللبناني النظامي في مفارقةٍ غريبة على المنطق؛ فمات كثير منهم بردًا ومرضًا وجوعًا.

ليست بقية الدول العربية أفضل حالًا في تعاملها الفظ مع السوريين، ويبدو هذا السلوك مستغربًا ومثيرًا للدهشة أكثر عندما تُمارسه دول عربية أعلنت وقوفها إلى جانب ثورة السوريين منذ انطلاقتها في منتصف آذار/ مارس 2011، وسخّرت قنواتها التلفزيونية على مدار الساعة لتغطية وتحليل أحداث الثورة؟

اعتقد كثير من المحللين أن ذلك الصلف في معاملة السوريين المهجّرين كان بمنزلة رسالة إلى شعوبهم تقول: انظروا ماذا سيحلُّ بكم إن ثرتم. لكنَّ المحللين أنفسهم وقفوا مندهشين أمام موقف تلك الدول السلبي تجاه الكارثة الديموغرافية التي تصنعها أنظمة إيران وسورية والعراق، وقد أدت إلى تهجير الملايين من السنّة، والعمل بدأبٍ على إحلال الشيعة محلهم، بل إن الحوثيين ومعهم الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، يفعلون الأمر ذاته في اليمن، وعلى حدود السعودية، كما أن إيران نشطت في حركة تشييع منظمة لجمهور دول الخليج، حيث شجعت قادة الشيعة هناك على العصيان والتمرد على السلطة، بل والقيام بأعمال إرهابية ضدها، ومع ذلك وُجد في مفاصل السلطة، في تلك الدول، من يغض الطرف عن تلك السياسة، بل ومن يدافع عن إيران، ويصرُّ على استمرار العلاقات السياسية والاقتصادية معها تحت عنوان الاعتدال والنأي بالنفس عن المشاكل.

إن وضوح السياسة الإيرانية، ومعها سياسة النظامين السوري والعراقي وقادة الحوثيين اليمنيين، في إحداث تغيير ديموغرافي في العراق وسورية واليمن، أدّى ويؤدي يوميًا إلى تهجير آلاف العائلات، وخاصة السورية إلى الدول المحيطة، لم يُقابل من الأنظمة العربية بسياسات مقابلة قوية، تمنع إيران من بسط نفوذها الفارسي تحت عنوان الدين على قلب الوطن العربي تمهيدًا للسيطرة على كامل الخليج العربي الذي تسعى بلا كلل لتسميته الخليج الفارسي، على طريق تحويله عمليًا إلى خليج فارسي.

أعتقد أن الوهن وضعف الإرادة الذي تعاني منه الأنظمة العربية، نتج عنه فقدان شبه كامل لإمكانية درء الخطر عن سيادتها على أراضيها وشعوبها، ذلك الوهن ليس وليد هذه اللحظة التاريخية، وإنما هو استمرار لنهج التبعية المُطلقة للغرب الذي رافق تشكيلها منذ البداية، ويتظاهر عمليًا في تنفيذ ما يمليه عليهم مهما كان الثمن كارثيًا على شعوبهم وأوطانهم.

لقد انكفأت الأنظمة العربية على نفسها، وراحت تستخدم قوتها الأمنية في داخل دولها للحفاظ على سلطتها، وشمل ذلك السوريين المقيمين فيها أصلًا، كما شمل الفارين إليها من جحيم الأسد، ولقد وجد السوري الثائر نفسه محاصرًا وجائعًا وتحت تهديد القتل في بلده، كما أنه مُعرّض لصنوف شتى من الإذلال والتضييق، عندما يضطر إلى الخروج منها قاصدًا الدول العربية الشقيقة!

لا أشك في استمرار الأنظمة العربية على حال التبعية للخارج، وفي أن مستقبلها سيظل مرهونًا بمصالح الدول القوية التي لن تهتم لمصيرها، وأعتقد أن أمن وسلامة أي بلد عربي لا يكمن في منع السوري المهجّر قسريًا من الدخول إليه، أو في التضييق على السوري المقيم أصلًا فيه، بل إن العكس هو ما يجب أن يكون، ولهم في دول الغرب أسوة حسنة، حيث عبّرت تلك الدول عن ترحيبها بالسوريين الفارين من ويلات الحرب، معتبرة أنهم يُشكّلون إضافة إيجابية وطاقة جديدة لأوطانهم، فقدموا لهم فرصة العيش بكرامة وحرية وأمل، ولا بأس أن تتحرى أي دولة عربية عن سيرة السوري الفار إليها، وأن تحفظ له كرامته وتمنحه الفرصة للعيش الآمن والمستقر.