جولات التّفاوض ودور السوريّين

لقاءات أستانا وقبلها وبعدها جنيف، بل وجنيف القادم، تقول إن كل هذه اللقاءات هي “لتهذيب” المعارضة، ودفعها لتتوافق مع الحل السياسي وفقًا للرؤية الروسية، أي أن تكون المعارضة جزءًا من النظام، والفصائل “الوطنية” جزءًا من “الجيش”، مع نسيان أهداف الثورة أو محاسبة النظام على دوره منذ 2011. الروس أصبحوا احتلالًا كاملًا؛ فهناك قواعد عسكرية بمعاهدات مع النظام واتفاقيات تخص الجانب الاقتصادي، وبالتالي الحصيلة تكون شرعنة الاحتلال الروسي، ولهذا يرفضون تغيير النظام أو أركانه.

جنيف 1 والقرارات الدوليّة كُلُّها تُدين النظام، وكُلّها تضع أرضية للحل السياسي. هذه القرارات تُغيَّب بسبب الموقف الأميركي بالتحديد، فهو لا يريد حلًّا سياسيًّا بعد، نعم لا يريد ذلك؛ فهذا الموقف، وانسجامًا مع المصالح الإسرائيلية، يريد تدمير سورية وإخراج إيران منها وإنهاك حزب الله، وأميركا بدعمها للاتحاد الديمقراطي الكردي تُمزق سورية قوميًّا، وتخلق تأزمًا جديدًا بين الترك والكرد والعرب، ولهذا نجده غير مبالٍ باجتماعات أستانا أو جنيف. هل سيتغير المشهد بعد ترامب؟ المئة يوم الأولى من عمر الرئاسة الأميركية، عادة تُظهر الخطوط العامة لسياسة الرئيس، وما فعله، بخصوص سورية، ضربةٌ عسكريةٌ للشعيرات، ودعمُ صالح مسلم وغضّ النظر عن اتفاقية المناطق الأربعة المحمية. نستنتج هنا، أن لا تغييرَ كبيرًا في السياسة الأميركية، وأن هناك أكثر من سيناريو للتعامل مع الموضوع السوري، ولكن جميعها تُفضي إلى بقاء النظام وعدم تغييره، وأن أيّ تغيير فيه سيكون بالتوافق مع الروس ولمصلحة إسرائيل بالضرورة.

إذًا، لم تنضج الظروف الدوليّة لإنهاء الصراع في سورية، وما زالت القضايا الإقليميّة والدوليّة غير متفقٍ عليها. الشرط الوحيد الذي يُنهي الصراع السوري -وقد أصبح صراعًا إقليميًّا ودوليًّا- هو إعلانٌ أميركي-روسي بإنهائه.

وبغياب ذلك ماذا سيفعل السوريون؟ مؤخرًا رفضت أغلبية القوى السياسيّة السورية أن تكون إيران من الدول الضامنة لمذكرة المناطق الأربعة “الآمنة”، وهناك من قرأها بأنّها تقود إلى التقسيم، وإرساء أسس حقيقيّة لاحتلالاتٍ طويلة الأمد؛ هناك قراءة مختلفة -وهي مهمّة- تقول إنّ سوريّة إمّا أن تكون دولة موحدة مجددًا أو أن تسير نحو التعفن والاستنقاع والاقتتال، وليس من إمكانية للتقسيم، كما ورد في بيان حزب الجمهورية مؤخرًا http://www.rp-syria.com/blog/archives/60622. الرأي الحصيف هذا، يُعد مُقاربةً جيدة ومُعاكسة للكلام المجاني عن التقسيم.

التقسيمُ غير ممكنٍ في سورية لحساباتٍ شتى، فأولًا ليس من مصلحة الدول الإقليمية أو المُشرفة على سورية؛ فالأمر سينتقل إليها كاحتماليّة مُمكنة وكسابقةٍ تُشرعن للتقسيم. وثانيًا حديث التقسيم في العراق ولبنان لم يتوقف، ولكنه لم يحصل، وكذلك اليمن، على الرغم من وجود يمنين عادا يمنًا واحدًا، وهكذا؛ الأهم أنّ السوريين يرفضون ذلك رفضًا حاسمًا، وحتى صالح مسلم الذي سياساته مضادة للوطنية السورية، يقول بالفدرالية وينفي التقسيم. الاستنقاع وغياب الوطنية السورية أمرٌ حقيقيٌّ، ولكن ذلك لا يلغي الرغبة في وطنيّةٍ سوريّة تُشكل هويًّة لكافة القوميات والأفراد، وبالتالي حديث التقسيم هو حديث الوجع السوري المفتوح منذ سنوات، وبالتأكيد الأمر غير قابل للتطبيق.

ما يدفع الأمر للاستنقاع هو ضعف الإرادة السورية، وقدرة الأطراف الإقليمية والدولية وكذلك النظام والفصائل على فرض سيطرة شمولية كاملة عليه. في هذه الحالة، سيكون السؤال: أين المعارضة بكل تياراتها والمثقفين والإعلام البديل وكل تمثيلات المعارضة والثورة؟ هذا سؤال دقيق، وقبل الإجابة عنه، سنقول إن دورها كان سيئًا في 2011 و2012 فكيف الآن؟ قصدت أنّها اعتمدت على الخارج أكثر من قراءتها الثورة وفهمها وتطوير قضاياها لإسقاط النظام، علمًا أنّ إسقاطه كان ممكنًا لو طُرحت مشكلات سورية بعيدًا عن التطييف والتسليح الفوضوي وطلب التدخل الخارجي، والارتهان لسياسات الدول الخارجية، ولو ضُمنت الثورة أهدافًا تتعلق بقضايا الفقر والعمل ورفض الأسلمة الواسعة.

من مشكلات المعارضة الخطرة، التقليل من شأن التضحيات الشعبية. التقليل يظهر من خلال افتقاد الحس المعرفي والأخلاقي حول البحث عن أفضل الأشكال الممكنة لتنسيق الجهود السورية وتشكيل جبهة وطنية من تيارات متعددة، والاعتراف بالآخر شريكًا مساويًا، ومهما كان هذا الشريك، فردًا أم جماعة، وبما لا يُناقض المواطنة وحقوق الإنسان وبناء دولة للجميع؛ الجميع فيها متساوٍ، وكذلك بما يتوافق مع أفضل الأشكال التنظيمية لمعارضات كهذي. على الرغم من مرور ستّ سنوات لم تتشكل هذه الجبهة؛ طبعًا هناك أطروحات تُفضي إلى إعادة إنتاج النظام وتجاهل مطالب الثورة، وهذه لا يمكن بحالٍ عدّها ضمن المعارضة، الكلام هنا عن القوى التي تقول بتغيير النظام بالتحديد.

إذًا، ليس ثمّة من مفرٍ، وقد أصبحت سورية في حالة كارثية (احتلالات، تهجير، تدمير مدن، مليون قتيل تقريبًا، قواعد عسكرية، إفقار كبير، أمّية، أصولية، تطييف) من مهمة تشكيل الجبهة المشار إليها أعلاه.

اتفاقية المناطق الأربعة الأخيرة، وفي حال نجاحها، -وأميل نحو ذلك- ستُمكّن الدول الإقليميّة والعظمى من فرض سيطرة كاملة على سورية، ولكنها تتضمن تأجيلًا للحل السياسي، وبالتالي ستُفضي إلى شرعنة النظام مجددًا، ويمكن هنا ملاحظة الطلب الروسي من الأميركان للموافقة عليها وموافقة تركيا عليها وكذلك دول الخليج. المشكلة هنا بتأجيل الحل السياسي، وطبعًا، هذا يعني غياب التنسيق الدولي والإقليمي حول قضايا كثيرة، وأن ما يجري بسورية ليس موضوعًا على طاولة الحل حاليًّا. الاستنقاع الذي قد تسير إليه سورية أكثر فأكثر متعلق بالكانتونات التي ستُسيّجها القوات الدولية، وستخلق عوالمَ متمايزة ومتقاتلة فيما بينها، وتعاني إفقارًا شديدًا وغيابًا كاملًا لملف إعادة الإعمار؛ الأخير لا يأتي قبل الحل السياسي وهذا الحلّ مؤجل حاليًّا.

قصدت من الفقرة السابقة أن الأطراف الدوليّة والإقليميّة والنظام ليس من مهامهم الحل السياسي؛ وبالتالي يقع على المعارضة تشكيل جبهة وطنية واسعة، والتخلص من المبادرات الشللية والهامشية التي تظهر تباعًا، وتفضي إلى شرذمات جديدة. ضرورة تشكيل الجبهة تفرضه الوقائع الداخلية والخارجية والمتعلقة بوضع السوريين من كل النواحي.

مجدّدًا، والسؤال للجميع: كيف يمكن توحيد المعارضة، والحفاظ على تمايزاتها، وتغيير النظام ومواجهة الاحتلالات والنهوض بسورية؟!