عن المجتمع المدني والدولة المدنية

يدور كثيرٌ من النقاش بين المثقفين السوريين هذه الأيام، حول ما إذا كان بالإمكان إطلاق صفة “مدنية” على الدولة. ويرفض بعضهم رفضًا قاطعًا إطلاق هذا الوصف على الدولة؛ لأنها في الواقع تجسد المجتمع السياسي وليس المدني، بينما لا يرى آخرون -وأنا واحد منهم- مشكلة في إطلاق هذا الوصف، إذا قُصد به مضمون محدد، لا يختلف عن مفهوم الدولة الوطنية الديمقراطية الحديثة.

أطلق الفلاسفة والمفكرون في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر صفة مدني على المجتمع، وليس على الدولة. مصطلح الدولة المدنية طرح حديثاً، وكثر تداوله خاصة في بلداننا العربية بمناسبة الربيع العربي. ويبدو لي أن الأمر متعلق بتجنب مصطلح “الدولة العلمانية” الذي تعرض للتشويه -عن قصد أو غير قصد- حيث صار البعض يعتقد خطأً أن العلمانية نقيض الدين أو التدين، بينما تعني في الواقع فصل الدين عن السياسة، بمعنى رفض سيطرة المؤسسة الدينية على السلطة السياسية، والإقرار بحرية التدين، باعتبار الدين شأنًا فرديًا متعلقًا بحرية المرء في الاعتقاد.

وقد تعرض مفهوم المجتمع المدني أيضًا لكثير من التشويه؛ إذ صار الفهم الشائع له يقتصر على ما يسمى المنظمات غير الحكومية (منظمات حقوق الإنسان، والدفاع عن البيئة، والدفاع عن السلام العالمي….) وعلى الرغم من أن هذه المنظمات تُعدّ من أهم مكونات المجتمع المدني، فإنها لا تستنفد جميع تلك المكونات؛ ذلك أن المجتمع المدني يشمل جميع المنظمات التي يكونها المواطنون الأحرار بإرادتهم، للدفاع عن حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

ولعل أبسط الطرق لفهم مصطلح المجتمع المدني تعريفه بأضداده، بما ليس هو:

أولاً: أول ما يخطر بالبال أن المجتمع المدني ليس عسكرياً: إذ لا علاقة له بالعسكر: الجيش، الشرطة، الأمن… وهي الوسائل التي تستخدمها الدولة للضبط أو للقسر. وبينما كان المحاربون في الإمبراطوريات القديمة أهم فئات المجتمع وأبرز صانعي سياساته، يصبحون في الدولة الوطنية الحديثة خاضعين للسلطة السياسية التي يختارها الشعب، من دون أن يتدخلوا في صنع هذه السياسات. ومن هذه الزاوية لا أرى ما يمنع من تسمية الدولة أيضًا “مدنية” كنقيض للدولة العسكرية. وظيفة الجيش والشرطة والأمن في هذه الدولة الدفاع عن الوطن وإنفاذ القانون الذي يقره الشعب.

ثانياً: المجتمع المدني ليس دينيًا: فالجماعات الدينية جماعات أولية. يولد المرء بدين معين، أو مذهب معين لا يختاره. كان مجتمع القرون الوسطى في أوروبا دينيًا وكانت الدولة دينية، حيث كانت الكنيسة تحدد كل شيء وتتحكم في الفكر والاقتصاد والسياسة وحتى العلم. وقد انتُقل إلى المجتمع المدني مع الانتقال إلى دولة ديمقراطية حديثة أي دولة مواطنين متساوين لا تمييز بينهم بسبب الدين (وهذا هو المعنى الحقيقي لفصل الدين عن الدولة، أو فصل الدين عن السياسة – العلمانية).

هنا لا بدّ من التعرض لمسألة ما يسمى الأقليات الدينية. في الدولة المدنية والمجتمع المدني لا توجد أقليات دينية، الجميع مواطنون متساوون يحكمهم قانون واحد يضعه الناس أنفسهم. مفهوم الأكثرية والأقلية مفهوم سياسي في المجتمع المدني والدولة المدنية، وليس مفهومًا دينيًا. أي إن الأكثرية هي التي تمثل الآراء التي يتبناها أكثرية المواطنين في الشؤون السياسية، في شؤون الدولة والحكم، وهي أكثرية مؤقتة قد تتحول إلى أقلية في أي وقت، وهذا مختلف تماماً عن انتماء غالبية الناس في دولة معينة إلى دين معين أو مذهب معين؛ ومن هنا فإن قبول منظمات الإسلام السياسي بـ “الدولة المدنية” يُعدّ تطوراً إيجابيًا مهمًا في فكر هذه الجماعات، ورفض هذه المنظمات تسمية الدولة “علمانية” لا يعني شيئًا في حقيقة الأمر، فالدولة المسماة هنا “مدنية” هي بطبيعتها علمانية.

ثالثاً: المجتمع المدني هو غير المجتمع التقليدي – الطبيعي، الريفي – الرعوي، القبلي – العشائري.. أو ما يسمى عادة المجتمع الأهلي؛ فالانتماء إلى القبيلة أو الأسرة الممتدة، أو إلى إثنية ما أو منطقة ما أو محلة ما.. لا يتم باختيار المرء، تماماً مثل الانتماء إلى دين معين أو مذهب معين. أما الانتماء إلى إحدى منظمات المجتمع المدني فيتم بالاختيار الحر للمواطن الحر. هنا تطرح مسألة العلاقة بين المجتمع الأهلي والمجتمع المدني. هل يتناقض الانتماء إلى أحدهما مع الانتماء للآخر؟ جوابي هو بالنفي. لكن المهم هو أولوية الانتماء للمجتمع المدني، أولوية المواطنة. الانتماء للوطن مقدم على أي انتماء آخر. والناس عادة ما يلجؤون إلى انتماءاتهم ما قبل المدنية (إلى القبيلة أو المحلة أو الطائفة..) في حال غياب منظمات مدنية تحميهم من عسف الدولة وتسلطها.

من ناحية أخرى، لعب المجتمع الأهلي (وما زال يلعب في بلادنا) أدوارًا هامة في مواجهة الظلم الاجتماعي، كنصرة المظلوم وإغاثة الملهوف ومساعدة المحتاج… أما في المجتمع المدني فإن النقابة أو الجمعية التعاونية هي التي تقوم بمثل هذه الأدوار، أكثر من ذلك يلعب المجتمع المدني دورًا كبيرًا في الحد من الظلم الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وفي تحقيق مزيد من المساواة والعدالة الاجتماعية في الدولة الوطنية الحديثة نفسها، ويحد من تأثير العوامل السلبية التي تشوب النظام السياسي الديمقراطي، مثل تأثير أصحاب المال وأصحاب النفوذ على الانتخابات البرلمانية وغيرها؛ ولذا فإن محاربة البنى التقليدية، من دون إنشاء مؤسسات مدنية ديمقراطية، يُعدّ من أهم أسباب الاستبداد، لأنه انتزاع للفرد من بيئته التقليدية أو العضوية الطبيعية، دون تحويله إلى مواطن حر. إن الناس يمارسون صنع مصايرهم بأنفسهم عن طريق منظمات المجتمع المدني؛ فأعضاء النقابة العمالية أو الجمعية الفلاحية في الدولة الوطنية الحديثة يعرفون مصالحهم واحتياجاتهم، ويدافعون عنها ويراقبون تلبيها من قبل الأجهزة المعنية، ويمنعون إساءة استخدام تلك الأجهزة لسلطاتها.

رابعاً: المجتمع المدني غير المجتمع السياسي أي الدولة: غالباً ما يوضع المجتمع المدني مقابل الدولة. الدولة هي التي تضمن تنفيذ القانون الذي يحمي جميع المواطنين، بغض النظر عن مصالحهم المتعارضة، هي التي تضمن السلم الأهلي (عند هوبز ولوك) أو هي التي تضمن هيمنة مصالح طبقة ما أو تحالف طبقات على الطبقات الاجتماعية الأخرى (عند ماركس). أما المجتمع المدني فهو خارج الدولة بمعني خارج أدوات القسر، وكل من منظماته تدافع عن مصالح أعضائها في مواجهة الدولة.

لقد نشأ المجتمع المدني مع نشوء الدولة الديمقراطية، الدولة التي يسودها القانون الذي مصدره الشعب. المجتمع المدني يراقب الدولة ليتأكد من تطبيق القانون. ولكن لا مجتمع مدنيًا من دون دولة. هنا نعيد تأكيد فكرة المواطنة المتساوية أو المواطنة الديمقراطية: منظومة الحقوق المدنية والسياسية والاجتماعية؛ فالحديث يدور عن الفرد الحر بغض النظر عن انتماءاته الدينية والإثنية والقبلية، وعلاقة الفرد بالدولة هنا لا تمر عبر القبيلة أو الطائفة أو المؤسسة الدينية. وفي الدولة الحديثة لا يُعرّف الفرد بمهنته أو بدينه أو بإقليمه أو بماله أو بسلطته؛ وإنما يعرّف بأنه مواطن، أي عضو في المجتمع له حقوق وعليه واجبات يتساوى فيها مع جميع المواطنين. ما الذي يمنع تسمية مثل هذه الدولة “مدنية”؟

أخيراً: إذا كان لا بدّ من تعداد مكونات المجتمع المدني فهذه قائمة لأهم هذه المكونات: النقابات العمالية والمهنية (غرف التجارة والصناعة، أطباء، معلمون…)، الأحزاب السياسية (هنا لابد من التمييز بين الأحزاب الحاكمة حكماً شمولياً التي لا علاقة لها بالمجتمع المدني والأحزاب التي تتداول السلطة، كما لابد من التمييز بين حزب الأكثرية وأجهزة الدولة)، الجمعيات التعاونية (الزراعية، السكنية…)، الجمعيات الأهلية (الخيرية مثلاً)، النوادي الاجتماعية والثقافية والرياضية، مراكز الشباب والاتحادات الطلابية، الجمعيات والمنظمات النسائية، المنظمات غير الحكومية (منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، البيئة، الطفل…)، الصحافة الحرة وأجهزة الإعلام غير الحكومية، مراكز البحوث والدراسات وغيرها.