بعد انتخاب رياض سيف رئيسًا للائتلاف

عقد “الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة” في سورية، خلال الأيام الماضية، اجتماعات هيئته العامة الـ 33، المؤلفة من نحو مئة عضو، انتُخب في ختامها الرئيس (رياض سيف) والهيئتين الرئاسية (نواب الرئيس والأمين العام) والسياسية (19 عضوًا).

الحديث هنا، أولًا، يدور عن 33 اجتماعًا، منذ تشكيل الائتلاف أواخر 2012، أي منذ أربعة أعوام ونصف، بمعدل سبعة اجتماعات في العام الواحد، يفترض أنه تباحث فيها بالأوضاع السياسية والتطورات العسكرية وأحوال السوريين، فضلًا عن إجراء انتخابات دورية. ومن الواضح، على ضوء التجربة، أن هذه الاجتماعات لم تناقش الأمور المذكورة على نحو صحيح، أو بالدرجة المناسبة، إذ لم يتحسّس معظم السوريين ذلك، لا في الداخل ولا في الخارج، ما يعني أنها كانت مجرد اجتماعات روتينية، لم ترق إلى المكانة المفترضة للائتلاف، بوصفه كيانًا جمعيًا للسوريين، يعبّر عنهم ويدير كفاحهم؛ الأمر الذي أفقد ثقة كثير من السوريين به.

ثانيًا: لم يظهر أن أيًا من هذه الاجتماعات أجرى مراجعة نقدية مسؤولة لمسار الثورة السورية، وكياناتها السياسية والعسكرية والمدنية -ومن ضمنها الائتلاف- وهذا يشمل الاجتماع الأخير الذي لم نسمع سوى عن انعقاده، ومطالعة جدول أعماله، ثم الإعلان عن انتخاب قيادة جديدة. هكذا لا يبدو أن المنخرطين في الائتلاف معنيون بمراجعة وتقويم تجربة الثورة، وتعقيداتها، وتحولاتها، ولا بالسعي لتطوير كيان الائتلاف، بحيث يصبح كيانًا لمعظم السوريين، ولا بوضع أنفسهم تحت طائلة النقد والمساءلة والمحاسبة، مع كل التقدير للجهود التي بُذلت. وهذا التقويم لا يجعلنا ننكر أدوار عددٍ من الشخصيات التي انطلقت من داخل الائتلاف، وتعاملت بروح من المسؤولية الوطنية، مطلقةً جرس الإنذار بأن هذا الكيان وصل إلى طريق مسدود، ولا بدّ من إعادة النظر فيه، وإعادة هيكليته، بعد أن بات كيانًا مغلقًا وجامدًا ومرتهنًا، مع التنبيه هنا إلى النداءات التي أصدرتها مجموعة من الشخصيات المحسوبة على التيار الوطني الديمقراطي في سورية.

ثالثًا: تعاقب على رئاسة الائتلاف عدة أشخاص (معاذ الخطيب، أحمد الجربا، هادي البحرة، خالد خوجة، أنس العبدة ثم رياض سيف حاليًا)، وفي الواقع إن هذا الترتيب كان من أهم ثغرات الائتلاف، لكونه لم يسمح ببلورة شخصيات قيادية يجمع السوريون عليها، في واقعٍ باتوا فيه في حال من التشتت المجتمعي والضياع السياسي. وكان المفهوم أن تغيير رئيس الائتلاف، وهيئتيه الرئاسية والسياسية، كل ستة أشهر هو دلالة على الديمقراطية والتداول وتعزيز المشاركة (وهو ما حصل في تجربة المجلس الوطني)، إلا أن التجربة بينت أن هذه نظرة غير دقيقة، بل ساذجة؛ لأننا إزاء وضع يفتقد لوجود كيانات سياسية بمعنى الكلمة، أي كيانات تعبّر عن كتل اجتماعية أو تيارات سياسية، بحكم حرمان المجتمع السوري من السياسية طوال نصف قرن. هكذا فإن هذا الوضع حرم السوريين فرصة بلورة طبقة سياسية متمرسة ومجربة، ووضع كيان الائتلاف رهن الحسابات الفئوية والشخصية، بحيث رُهنت كل العلاقات والتوجهات بالحسابات الانتخابية، ما يفسر الاضطراب الذي عاشه هذا الكيان، في خطاباته، وتوجهاته، وعلاقاته الخارجية، كما في ضعف فاعليته؛ الأمر الذي انعكس سلبًا على مكانته عند السوريين، والدول الصديقة.

ربما ثمة فرصة جديدة، الآن، مع قيادة جديدة على رأسها شخصية مشهود لها، بجرأتها وصراحتها ونزاهتها كرياض سيف، بوصفه ربّ عمل أو عضو مجلس شعب أو معارضًا وطنيًا.

هكذا، ثمة مهمات عاجلة لا بدّ لقيادة الائتلاف الجديدة من القيام بها لاستنهاض هذا الكيان، وتعزيز فاعليته، يأتي في مقدمة ذلك إعادة هيكلته على أسس جديدة، وتعزيز مكانته التمثيلية، والقيام بإجراءات تعيد إليه روحه الكفاحية، وتطور فاعليته على مختلف الأصعدة، إزاء شعبه، وتؤكد استقلاليته وصدقيته إزاء الدول الأخرى، وتكرس الديمقراطية في علاقاته الداخلية. هذا يعني، أولًا، توسيع الائتلاف بإتاحة عضويته للكيانات والشخصيات السياسية الحية والفاعلة وذات الكفاءة، وإزاحة الأجسام التي تفتقد لأي جسم تمثيلي فاعل، أي التصرف بما يعيد للائتلاف اعتباره بوصفه كيانًا وطنيًا يأخذ في حساباته تمثيل السوريين وإدارة ثورتهم، وليس كيانًا لفئة معينة ولحسابات معينة. ثانيًا، استعادة الخطابات الأساسية للثورة السورية، المتعلقة بالحرية والمواطنة والكرامة والديمقراطية، ونبذ الخطابات الدينية والطائفية والمذهبية الإثنية المتطرفة. ثالثًا، بناء العلاقات مع الدول على قاعدة احترام إرادة الشعب السوري، بالتغيير السياسي والديمقراطية، لأن الائتلاف يمثل السوريين، ولا يمثل هذه الدولة أو تلك، مع الاحترام لحق كل دولة في التعبير عن مصالحها أو رؤاها، ولأن هذه هي الوظيفة الأساسية للائتلاف، ومن دون القيام بها سيفقد اعتباره عند شعبه وعند تلك الدول. رابعًا، لا بدّ للائتلاف، كي يستعيد صدقيته، من أن ينتهج الشفافية في كل أعماله، في مواقفه السياسية، وفي علاقاته الخارجية، وفي موارده المالية، لاستعادة صدقيته، بعد كل ما جرى. خامسًا، مطلوب من الائتلاف تكريس ذاته كيانًا جامعًا ونموذجيًا، لكل الكيانات الوطنية السورية، من خلال تعزيزه الروح المؤسسية والديمقراطية والتمثيلية في عمله وعلاقاته الداخلية والخارجية.

على أي حال، وعلى الرغم من كل مرارة التجربة السابقة، فثمة ما يدعو إلى التفاؤل في تصريحات الرئيس الجديد للائتلاف، رياض سيف، إذ أكد أن على رأس أولوياته “إصلاح الائتلاف الذي وجد ليكون قيادة للشعب السوري”، وأن ذلك “يبدأ من الناحية البنيوية والعضوية… بقبول أعضاء جدد، وإنهاء عضوية من لم يقدم أي شيء للائتلاف، لذلك يجب وضع آلية، بعد هذه الانتخابات لإعادة بناء بنية الائتلاف”.

هذه مراهنة، ونأمل أن تكون في محلها.