ملاحظات حول مناطق تخفيف التوتُّر في سورية

انتهى مؤتمر أستانا الأخير/ الرابع، بإعلان اتفاق المناطق الأربع (إدلب وشمال حمص والغوطة الشرقية والمنطقة الجنوبية الغربية من سورية)، على أنها مناطق لخفض التوتر، وهي صيغة أخرى للمناطق الآمنة، مع حظرِ طيران شامل في أجوائها. وقَّعت الاتفاق روسيا وتركيا وإيران، بوصفها دولًا ضامنة، ودخل الاتفاق حيز التنفيذ منذ منتصف ليلة الخامس من أيار/ مايو. يستثني الاتفاق تلك القوى المصنفة إرهابيةً؛ أي النصرة و(داعش) والمتعاونين مع هذين التنظيمين، ومن المنتظر أن توضع الخرائط التفصيلية خلال أقل من شهر.

بادئ ذي بدء، يمثل هذا الاتفاق -في حال نجاحه- خطوةً إلى الأمام في طريق حلّ المسألة السورية شبه المستعصي، ففي جميع الأحوال لن يكون الحل إلا تدريجيًا؛ نظرًا إلى المستوى العالي من التعقيد الذي بلغته الحال، بما في ذلك تشابك مصالح الدول، ومن المأمول أن يساعد الاتفاق على استعادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية على نحو تدريجي، وتوفير درجة أكبر من الأمان والحركة للقاطنين في هذه المناطق.

لكن ثمة عقبات جدية قد تعيق تطبيق الاتفاق، منها علاقة الولايات المتحدة الملتبسة به، وبالتالي يمكنها أن تعرقل مخرجاته في أي وقت تشاء، هذا في حال لم تكن قد أعطت الضوء الأخضر لروسيا للمضي في إخراجه، وهي تفضل، في هذه المرحلة، المضي في الحرب على (داعش). في كل الأحوال، ضمان اتفاق مناطق “تخفيض التوتر” مرهون -على الأرجح- بأمرين اثنين؛ انخراط الولايات المتحدة فيه وصدور قرار من مجلس الأمن، ربما بموجب الفصل السابع، لتنظيم وجود المراقبين الدوليين أو القوات “المحايدة” التي ستضمن تنفيذ هذا الاتفاق.

كما أن المدة المفتوحة لتطبيق الاتفاق (6 أشهر قابلة للتمديد) قد تكرس الانقسام الحاصل بين هذه المناطق وبينها والمناطق المجاورة. في الواقع، ليست هذه المخاوف كبيرة؛ لأن المناطق المشار إليها لا يمكن أن تشكل كيانات مستقلة، سواء من الناحية الجغرافية أو الاقتصادية، لكن يمكن لمنطقة إدلب أن تستمر لمدة أطول، بوصفها كيانًا منفصلًا، نتيجة لعلاقتها مع تركيا، مثلما قد تستمر منطقة جنوب غرب سورية بسبب ارتباطها بالأردن.

إن عدم توقيع الاتفاق من قبل ممثلي النظام والمعارضة المسلحة يعدُّ تفصيلًا في هذه المرحلة، باعتبار أنّ الطرفين يملأان فراغًا مؤقتًا كحاجة دولية وإقليمية، مهما تعالت الأصوات الإعلامية الاستعراضية لكليهما، كما فعل بعض المعارضين في أثناء المؤتمر الصحفي في نهاية المؤتمر، ما يؤكد للمرة الألف أن البديل السياسي السوري ما زال في طور التبلور.

يقتضي الموقف الوطني السوري أن تُعدّ كل القوات الأجنبية الموجودة على الأرض السورية قوات طارئة، وأن خروجها يجب أن يكون مسألة وقت حين يتحقق الحل السياسي الشامل وتجري هيكلة مؤسسات الدولة الجديدة، فمن دون الحل السياسي لن تكون ثمة مناطق آمنة، إلا مجرد إجراءات مؤقتة ومعرَّضة للانهيار في أيّ لحظة.

من بين المشاريع الأكثر خطورة على مستقبل سورية المشروعان الإيراني والتركي، فكلاهما يبني مرتكزاته السياسية والمذهبية في سورية بما يزيد الفرقة بين السوريين، ويعرقل توافق السوريين حول مشروع وطني جامع. مع العلم أن المشروع السياسي الإيراني الأقدم، بغطائه التشيُّعي، قد باء بالفشل على الرغم من الإمكانات التي سُخِّرت له، ما يشير إلى مناعة مقبولة لدى معظم السوريين تجاه المشروعات الخارجية، إذ إنهم يعدّون أتباع هذين المشروعين مجرّد مرتزقة ومنتفعين.

السوريون في أمسّ الحاجة لتسهيل حرية التنقل والخلاص من سطوة الحواجز المنتشرة على الطرقات، سواء للمعارضة المسلحة أو النظام، وهي تستنزف كثيرًا من الموارد وتزيد تكاليف النقل وتبطئ العملية الاقتصادية برمتها. ومن حق المهجرين السوريين أن يعودوا إلى بيوتهم في مناطق سيطرة النظام أو المعارضة وعلى كامل الأرض السورية من دون التعرض لهم، فضلًا عن حقهم في التعبير عن الرأي. وعلى الرغم من كل ما حدث، لا يمكن الحديث عن مشكلة جدية في التعامل بين السوريين العاديين، وهذا متوافر في معظم المناطق السورية، باستثناء المناطق ذات اللون الواحد الخاضعة لسيطرة المتطرفين. في هذا الإطار، يُعدُّ ضمان حرية التعبير على كامل التراب السوري مقدمة لا بدّ منها يجب أن تسبق أي استفتاء شعبي على القضايا المصيرية المتعلقة بمستقبل سورية.

وراء كل الحروب تكمن مصالح دنيوية، ومن الضروري توضيح هذه الحقائق للناس وتخليصهم من براثن الكذب والاستغلال البشع للعواطف الدينية حتى يمكنهم التمييز في هذا العَكَر التاريخي. كما أن مشروع الثورة يجب أن يعاد تجذيره في كل مناحي الحياة ليشمل الاستجابة لمتطلبات العصر وتحرير الإنسان من كل ما يعيق تقدمه وتحضره وتحريره، بخلاف ذلك ليس ثمة ثورة، إنما ادعاء وانتحال صفة يقوم بها ثورجيون وتجار حروب وأزمات لتحقيق مصالح دنيئة على حساب دماء الناس.

الحصاد السلبي لحرب السنوات الست المريرة معروف، أما الحصاد الإيجابي فهو “كفر” معظم السوريين باستبداد النظام وبمحاولة فرض الاستبداد الإسلامي، بعد أن انطلت على كثيرين الشعارات القومجية والخدع المميتة للحركات الإسلامية. وبالفعل، لن يتحقق أي حل في سورية إلا من خلال تجاوز هاتين العقبتين.

ثمة عدة مؤشرات إيجابية على اقتراب نهاية الحرب العبثية في سورية، منها الاتفاق المِشار إليه أعلاه، وتسريع الحرب الأميركية على (داعش)، عن طريق دعم الحلفاء أو الانخراط المباشر في مجريات الصراع، بخاصة بعد النجاحات التي تحققت في الحرب على هذا التنظيم الإرهابي في العراق، فضلًا عن الجهود الأميركية لمراقبة الحدود السورية، سواء مع تركيا، أو مع الأردن والعراق من خلال القاعدة الأميركية – البريطانية المقامة في معبر التنف الحدودي مع العراق، ما يعزز من الإمساك الدولي بمجريات الصراع والعمل على ضبطه وتحجيمه.