عودة ابن تيمية

بسبب التصاعد اللافت في الأعمال الإرهابية الممهورة بتوقيع إسلاميين متطرفين، وتضرب شرقًا وغربًا وحيث أمكنها، وبسبب ما استدعته تلك الأعمال من انتقادات، طالت بعض مرتكزات الدين الإسلامي التي يرى المنتقدون أنها تتصل بمسألة التطرف والإرهاب، بشكل أو بآخر؛ فقد حظي شيخ الإسلام، ابن تيمية، بحصة الأسد من تلك الانتقادات، وحُمّلت فتاواه التكفيرية القاسية المسؤولية الرئيسة عن هذا التطرف الإسلامي السني الصاعد، وعن دفع أولئك المتطرفين إلى ارتكاب أعمالهم الإرهابية انتصارًا لدينهم وأبناء دينهم.

من دون أن تبدو وكأنها تدافع عن ابن تيمية والتراث التكفيري، وعلى الرغم من أن كاتبها يعتقد جازمًا أن مساهمات ابن تيمية وغيره من الفقهاء المتشددين، كان لها -ولا شك- دور هام في تأسيس نهج التطرف وتسهيل مهمة المتطرفين؛ فإن ما ستحاول هذه المقالة قوله هو أن ثمة أسبابًا أكثر أهمية وجذرية ومباشرة في مسؤوليتها عن هذا التصاعد الخطر للإرهاب الإسلامي من فتاوى ابن تيمية وأمثاله، بل وحتى من بعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وأن من غير الإنصاف والعدل إهمال تلك الأسباب الرئيسة، وإهمال كل هذه البيئة المولدة للإرهاب، وتحميل المسؤولية لنصوص وفتاوى تعود إلى مئات السنين.

يقول التاريخ: إن فكرة استخدام العنف، باسم الدين، قديمة قِدم الدين نفسه، وأن العنف الديني لم يكن حكرًا على الديانات التي تتناول العنف في نصوصها وتراثها المقدس الأقل قداسة، بل كان ظاهرة ملازمة لمعظم الأديان حتى المسيحية التي لا يمكن لمنقب محترف أن يجد في إنجيلها أو سيرة رسولها سوى التسامح والمحبة، وهي التي لم تكتف بالتسامح مع الأعداء، بل فرضت محبتهم أيضًا. دخل أبناؤها في حروب طاحنة بين بعضهم، وساد العنف الديني في أوروبا قرونًا طويلة، وفي حرب الثلاثين عامًا وحدها (1618 – 1648) بين الكاثوليك والبروتستانت قُتل ثلث سكان ألمانيا (سبعة ملايين من أصل عشرين) ودمّر ثلث عمرانها. ومحاكم التفتيش الدينية أحرقت المخالفين بحجة الهرطقة. ودائما كان رجال الدين لا يعجزون عن إيجاد التبريرات الدينية لارتكاباتهم العنيفة بحق المختلفين.

لندققْ قليلًا في ظاهرة الإرهاب في الإسلام، فهل كانت قبل غزو العراق مثلها بعده؟ وهل كانت قبل الثورة السورية مثلها بعدها؟ وهل هي في ماليزيا وتركيا مثلها في سورية والعراق؟ ولماذا لا يخرج إرهابيون من بين ثلاثة ملايين تركي مسلم يعيشون في ألمانيا، بينما يسيطر العرب المسلمون هناك على سوق الإرهاب؟ وما هي نسبة من كانوا يعرفون ابن تيمية قبل الثورة، وما نسبتهم الآن؟ وهل يعرفونه في ماليزيا كما نعرفه؟ وهل كان من شأن عدم وجود ابن تيمية وأمثاله، وعدم وجود أي نص يسعف من يتوسل العنف، ألّا يظهر العنف والإرهاب في بيئة من الظلم والقسوة المفرطة كالتي يعيشها السوريون، وبخاصةٍ السنيّون منهم؟ أكرر هنا ما كتبته منذ أيام، وهو ما كان لهذا التطرف أن يكون أقل حدة لو أننا استبدلنا بابن تيمية والغزالي وابن حنبل، المسيحَ والأم تيريزا والمهاتما غاندي، وكل رموز السلم والمحبة في تاريخ البشرية.

هذا يعني أن ظاهرة الإرهاب الديني ليست مرتبطة بالنصوص الدينية والتراث الديني بقدر ما هي مرتبطة بالظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة، وبمستوى تحضر وتقدم المجتمعات، وبعلاقة الحكام بمحكوميهم؛ ففي أجواء الرخاء الاقتصادي والعدل الاجتماعي والمستوى المقبول من الحرية، تتراجع ظاهرة الإرهاب برمتها، وتُنسى النصوص ذات العلاقة، ويُنسى رواد العنف والتكفير كابن تيمية، ويُنظر إلى كل ذلك في سياقه التاريخي وحسب. بينما يُستدعى هذا التراث ويُستَخدم عندما تسود أجواء الظلم والقسوة وانعدام الرجاء، وحيث لا يبقى أمام الناس من ملجأ سوى الدين.

لا يعني كلامنا هذا أن النص الديني وفقه التكفير والعنف لا يؤديان دورًا، ولا يعني بأي حال أننا نرغب في التقليل من شأن تلك النصوص والأحكام الفقهية، كما لا يعني عدم رغبتنا في رؤية المجتمع الإسلامي منهمكًا في عملية نقد ومراجعة تاريخية معمقة لكل هذا التراث، تنتهي بإحالة كل ما هو شاذ ومعيق وغريب عن العصر إلى التقاعد. ما نسعى إلى قوله هنا هو أن وجود النص الديني، مقدسًا كان أم نصف مقدس، ليس هو العنصر الحاسم في صعود العنف والإرهاب، إنما هو لاحق ومكمل ومساعد، هو وسيلة يتوسلها من اتخذ قرار العنف أو فُرض عليه هذا القرار، ويبحث عن مستندٍ ديني يبرر سلوكه، وإن أعيته الحيلة فسيخلق المبرر من تحت الأرض، وإن لم يجد ابن تيمية فسيخترع ألف ابن تيمية؛ فالقهر والظلم والعنف كفيل بذلك، وكفيل برفع ابن تيمية الفقيه إلى مستوى المقدس، وكفيل بتحويل ملايين المظلومين إلى أتباع وجنود أوفياء له.

لا شك أن النقد مشروع ومطلوب في كل وقت، ومراجعة الدين والتراث الديني الإسلامي أكثر من ضرورية إذا أردنا إسلامًا متصالحًا مع العصر، لا يقف حجر عثرة أمام تقدم مجتمعاته. لكن أي نقد، وأي مراجعة، وفي أي ظروف؟ وهل ثمة مجتمعات تستطيع إجراء مراجعات من هذا النوع التاريخي الهائل المرتبط بالمقدس، إذا لم تكن في حالة من الاستقرار والطمأنينة، وفي أجواء من السلم والأمن والثقة؟

نطلب من المسلمين السنة مراجعة وتنقية دينهم وتراثهم في الوقت الذي يتعرضون فيه لكل هذا الظلم والعنف، وفي الوقت الذي يسمح فيه العالم لحثالة مجرمة أن تفتك بهم وتدمر أسس حياتهم ومستقبل أطفالهم، وفي الوقت الذي يُسمح فيه لإيران وأذرعها الطائفية باستباحة أرضهم وبيوتهم ومقدساتهم، وفي الوقت الذي يرفض أو يعجز فيه الجميع عن مساعدتهم، وتُسدّ في وجوههم كل منافذ الأمل والرجاء، وفي الوقت الذي لا يُترك لهم إلا الدين ملجأً وملاذًا، نطالب الناس بإدانة ابن تيمية بأقوالنا، وندفعهم نحوه دفعًا بأفعالنا. فهل ثمة كلبية أعلى من هذه؟

النص الديني موجود، وابن تيمية ومئات الفقهاء موجودون، وهذا جزء من التاريخ، لا يمكن شطبه أو تغييره أو انتزاعه من الرؤوس والضمائر. وما هو ممكن ومطلوب هو مراجعة هذه الكتب مراجعةً نقدية تاريخية تمكِّن من تجديدها بما يتماشى مع العصر، لكن ذلك لا يمكن أن يتم -كما أشرنا آنفًا- إلا ضمن مناخ من الاستقرار والراحة والطمأنينة، وبالتأكيد ليس في مخيمات اللجوء، ولا في قوارب الموت، ولا تحت البراميل، ولا في زنازين الجلاد.

قضيتنا أولًا وثانيًا وثالثًا مع الاستبداد والظلم والعنف المنفلت، قبل أن تكون مع شيخٍ، قال ما قال، ورحل منذ ثمانية قرون، فليس ثمة ما يجلب ويغذي التطرف، ويستحضر رموزه من بطون التاريخ مثل الظلم والاستبداد، وليس ثمة ما يدفع التطرف ويعيد رموزه إلى كتب التاريخ مثل مناخات العدل والحرية.