عطالة المجتمعات وأساليب التحكم الإمبريالية

نمطية الإنتاج تفرز وسائلها وأخلاقياتها، وتشكل المدخل الأهم لفهم التباينات الثقافية والاجتماعية، والاختلافات السياسية والاقتصادية، عندما أعلن أبراهام لنكولن انتهاء عهد العبودية، انتقلت الثقافة الأميركية من قيم العبد المطيع، إلى قيم المتمرد الحر، لكن هذا الإعلان لم يأت في سياق معزول عن نمطية الإنتاج، إذ إن الآلة التي دخلت مختلف الحقول الإنتاجية حولت العبيد من رأسمال استثماري، إلى عبء اقتصادي واجتماعي، وعدّت لحظة لنكولن هذه لحظة فارقة، ليس لأن لنكولن قد جاء بما لم يأت به الأوائل، وإنما لأن اللحظة كانت حاسمة ومهيأة، ودوافع ما حدث كانت اقتصادية، وليست إنسانية، وإن كان حدثًا إنسانيًا مهمًا. ولذلك من المهم تأمل نمطية الإنتاج في المجتمعات الراهنة للتمكن من فهم سياساتها ومآلاتها، والتعامل معها من خلال دوافعها الحقيقية، لا شعاراتها البراقة.

في حديث مسائي شائق، كان ابني البكر (16 عامًا) يحدثني عن الملفات الخاملة في البرامج والألعاب وأنظمة التشغيل الالكترونية، وهي الملفات التشغيلية التي لا تتدخل في عمل البرامج والأجهزة الالكترونية إلا بعد تفعيلها عن بعد من خلال شيفرة معينة، أو تكون مبرمجة مسبقًا بحيث تقوم بدورها بعد مدة معينة، وكيف أنها قائمة على حفظ حقوق الجهات المنتجة لتعطيل النسخ المزورة لبرامجها، ثم تتحول إلى أداة لإرغام المستهلكين على الانتقال إلى إصدارات أحدث؛ بسبب تأثيرها على أداء الأجهزة أو سرعة استجابة البرنامج أو تعطيل الاستجابة جزئيًا أو كليًا. وتطرقنا أيضًا إلى العيوب المقصودة في إنتاج الأجهزة الإلكترونية خاصة، وذلك بزرع أجزاء محدودة العمر استهلاكيًا، غالبًا لا تتجاوز مدة صلاحيتها فترة الضمان المصنعي إلا بفترة وجيزة، فتسبب مشكلات في أدائها، وترغم مالكيها على شراء أجهزة جديدة.

لفتني أنه عمد -أكثر من مرة- إلى مقارنتها بالجماعات العنفية التي تظهر فجأة، فتربك المجتمعات، وتعطلها عن سياقات الانتقال إلى الأفضل، وتدمرها. كان حديثه ووعيه لما يجري أمرًا يدعو إلى التفاؤل لولا أنه كان يتسم بشيء من العجز والاستسلام، بمعنى أننا قد أصبحنا تحت السيطرة ولا يمكننا أن نتحرر، وأن علينا أن نتعامل مع هذا الواقع وكأنه قدر لا فكاك عنه إلا بالهروب منه. هذا الإحساس بالواقع (المؤامراتي) قد يكون في إطار الوعي، إذا لم يهمل البعد الذاتي ثقافيًا ومنهجيًا الذي يكبل هذه المجتمعات من داخلها، ويجعلها عرضة لاستغلال مكامن الضعف فيها.

تشعّب الحديث وانتقل إلى الأمراض الوبائية الحديثة السارس، والسل الحديث، والإيبولا… ثم إلى الأسلحة العرقية التي تؤثر على عرق بشري بعينه دون غيره، إلى عالم الأفكار السامة التي تمهد لظهور اتجاهات فكرية مدمرة، إلى عالم التجسس المزروع حتى في خلاطات العصير. ومع تشعب الحديث كان الرعب يتنامى بداخلي، ليس بسبب هذه الظواهر الخطيرة فحسب، بل بسبب تراكمها إلى درجة عدّها قدرًا لا يمكن تغييره. وخاصة في إطار المواجهة بالمثل، ومحاربة هذه الهيمنة بأدواتها.
عندما طرحت عليه السؤال: لماذا نصرّ على مواجهتها بأدواتها نفسها، ولماذا لا نغير أدواتنا؟! كانت الحيرة تحل محل سمات العجز الظاهرة في ملامحه، فاستغرقنا في حديث آخر حول الطرق البديلة التي كان يرى أنها غير ممكنة تحت ضغط ما يحدث من تحولات سريعة، وتعسرها إلى درجة الاستحالة بسبب تشويهها والقضاء عليها وانعدام هامش المناورة والحركة. وأمام إصراري على أن الانتقال من حالة البؤس إلى حالة حضارية يحتاج إلى صبر وتحمل وعمل دؤوب، إلى بناء الذات حتى في الهوامش الضئيلة، وتغيير التكتيكات المرحلية من أجل الوصول إلى الأهداف البعيدة التي تبدأ بالإيمان بالخير الذي يجب أن ينتصر، مهما تعرض للهزيمة؛ لأن الشر بحد ذاته يحتاج إلى شيء من الخير الذي يجب أن يتلمسه ليخفف من شراسته تجاه ذاته، وكيف أن ثقافة البناء تفرز أساليبها المناسبة، عندما نتحرر من ثقافة الهدم، وتضطر حتى (أشرار) العالم على احترامها، ومع بعض الأمثلة على بعض المجتمعات التي حققت درجات تنمية واستقرار مدهشة من خلال التغيير الثقافي في التعاطي مع عالمنا اليوم، كانت ملامحه تنحو باتجاه شيء من التفاؤل، وكانت المراهنة على الإنسان بوصفه إنسانًا تبدو له ممكنة، وتفتح كوة نور في جدار مظلم داكن.

انتهى حديثنا، ولم أجرؤ على فتح التلفاز خشية أن تبدد (داعش) والحشد الشعبي والمليشيات المسعورة، وعمليات الإبادة الجماعية التي تقوم بها أنظمة مافياوية باتفاق ضمني بين أكثر الدول قوة وتخريبًا، كل الجهد الذي بذلته بخبر عن تقدمها في أنحاء متفرقة، أو تدميرها لأحياء ومدن في أصقاع تنوء تحت ثقل مشكلاتها التاريخية والمرحلية.

هذه السياسة ذات الطابع التجاري لا تختلف عن السياسات الاستعمارية المتطورة، التي عملت على تقسيم المجتمعات في جغرافيات مفخخة، وهي سياسات قائمة بالفعل على دراسة هذه المجتمعات ومعرفة مكامن الضعف فيها، أو ما يمكن إثارته لتدخل في أزمات انتحارية متوالية، لتبقى أسيرة التبعية، وقابلة للتحكم بها، وخاصة في مرحلة ما بعد السياسة الكيسنجرية القائمة على إدارة إزمات العالم بدلًا من حلها بطريقة تلائم القوة الأكبر، وذلك بالانتقال من مرحلة إدارة أزمات العالم، إلى إدارة العالم بالأزمات.

لا أقصد هنا تحميل عثرات مجتمعاتنا لسياسة غربية (متآمرة) علينا؛ فالتدافع الحضاري، وسباق الهيمنة والنفوذ والتحكم، والاستحواذ على الاقتصاد والثروات، هي مسائل تسم تاريخ الإنسان في مختلف العصور، ولا يمكن لعاقل أن يتصور رحمة ممن يعتاش على بؤسه، أو يتخيل لطفًا من عدو، معرفته قائمة على التحذير من خصم متوثب! إلا أن ما يجب فهمه وإدراكه هو أن هذه الإرهاصات التي نمر بها، ليست ذاتية بالمطلق، وخاصة في تمظهراتها العنيفة والمدمرة، إنما في جزئها الأكبر تعود إلى سياسات الهيمنة التي تقوم على تكبيل هذه المجتمعات بأنظمة حكم مستبدة وفاسدة، أو إثارة عوامل التدمير بإذكاء الصراعات الطائفية والعرقية. لكن إهمال العوامل الذاتية بحد ذاته، يجعل من العوامل الأخرى أكثر قدرة ونفاذًا، مما يستوجب دراسة أي ظاهرة مؤثرة بموضوعية وبعمق يتجاوزان الأهواء والسذاجات، الأيديولوجية خاصة.

إن قراءة ما دون الأفكار، ومتابعة سياقات المعرفة المتجددة في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في الواقع الإسلامي، يشيران إلى بداية نهضة شاملة في الثقافة والمجتمع ونمط الإنتاج، وإمكانية مواكبة التقدم العلمي والمعرفي عامة، هذه النهضة التي أجهضتها القوى الاستعمارية بالاحتلال المباشر، ثم من خلال أنظمة حكم متسلطة وفاسدة، بل وبخبث معرفي خارق، من خلال نشر مفاهيم، وخلق أحداث وجماعات أيديولوجية، يتم عبرها تفخيخ هذا الواقع بما يدمره عند أي بادرة للتحرر من هذه الأنظمة التابعة. ولعل ما حدث في واقعنا الراهن وفي إطار ما سمي بالربيع العربي، مليء بالشواهد؛ فمستويات الاستقطاب الطائفي والعرقي وصلت إلى درجات لم تبلغها عبر التاريخ، بهذا الاتساع والدمار، وخاصة في ظل ما يفترض من وعي معاصر، وتحول معرفي.

وإن كانت التباينات الثقافية والعقدية والعرقية قديمة، فإنها لا تخلو من طابع قيمي، أما في راهنها فتفتقد أي قيمة يعتد بها، وتبنى على أحقاد تاريخية، بعزل الأحداث عن ظروفها ومسبباتها وسياقاتها المرحلية وجوانبها السياسية، لتشكل وقودًا انفجاريًا يدمر المجتمعات بيد ساكنيها. هذه الصراعات التي تتفجر بسبب بذور تخربية تُعهدت ورُعيت لتؤتي أُكُلها في اللحظة المناسبة، وكانت تُشحن بها هذه المجتمعات من خلال أنظمة حكم كان استمرارها مرهونًا بشرذمة المجتمعات. أنظمة كانت تعمل على الدوام على تفخيخ المجتمع لتكون هي مسمار الأمان فيه، فيرضى الناس بأقدارهم البائسة لئلا يذهبوا إلى أقدار أكثر بؤسًا.