مثقف الوسخ التاريخي

كتب كثير من المعاصرين، في الشرق والغرب، عن المثقف ومكانته ودوره وأشكاله وصوره. وما كتبوا -ويكتبون- إلا لأن هناك إجماعًا على أهمية نشاط المثقف في حركة الوعي وإنتاجه الذي يتعين، أي هذا الوعي، بالسلوك.

ويعرف الجميع خطاب غرامشي عن المثقف، الخطاب الذي ميّز بين المثقف العضوي والمثقف التقليدي، حيث انتماء المثقف العضوي إلى الجماعات والطبقات والدفاع عن مصالحها وأهدافها، فيما ينتمي المثقف التقليدي إلى المعرفة المسبقة والعالم القديم. غير أن لغرامشي تمييزًا آخر للمثقف، وهو التميز بين المثقف الديمقراطي والمثقف الذاتي، ذكره في دفاتر السجن، إذ ينتمي المثقف الديمقراطي إلى هموم الناس والتعبير عنهم وإلى التاريخ وحركته الصاعدة، فيما ينتمي المثقف الذاتي إلى همومه الخاصة متقوقعًا بعالمه الداخلي.

ومن المفيد أن أذكر بمصطلح المثقف الملتزم الذي قدّه سارتر للدلالة على نمط المثقفين الملتزمين بقضايا الناس، ويكتبون عنهم من دون أن يكلفهم أحد بذلك.

أما مصطلح خيانة المثقفين لباندا فهو إشارة إلى الماهية الأخلاقية للمثقف، بوصفه مدافعًا عن الحق ضد الظلم، مدافعًا عن الناس ضد السلطة المستبدة، وإلا فإن المثقف الذي لا يخوض معركته الأخلاقية هذه دفاعًا عن الحق والحقيقة والمستضعفين ليس سوى خائن لا للناس فحسب بل خائن لنفسه أيضًا.

وسرد أدوارد سعيد صورَ المثقف مؤكدًا هو الآخر على الجانب الحر والتحرري للمثقف والموقف الأخلاقي من الحق والحقيقة دفاعًا عن مصير الإنسان.

وأكثر ما كُتب حول هذا الموضوع هو قول على قول، غير أنّ أحدًا، من كل الذين كتبوا عن المثقف، لم يخطر ببالهم أن يكتبوا عن مثقف الوسخ التاريخي، وآية ذلك أن خيالهم لم يصل بهم إلى تصور وجود مثقف الوسخ التاريخي الذي ظهر معاديًا لتجربة الكفاح السورية من أجل الحرية ودولة المواطنة.

لقد أطلقنا على الجماعة الحاكمة التي استخدمت السلاح -وما زالت- لقتل المتظاهرين، واستخدمت وتستخدم الطيران والبراميل المتفجرة في قصف السكان السوريين، وألقت بالقنابل الكيميائية على البيوت والحارات في ريف دمشق وريف حماة؛ فأبادت آلاف الأطفال والنساء والشيوخ، واستدعت أحط أشكال الميليشيات المسلحة الطائفية لنصرتها، واستقدمت الجيش الروسي والإيراني كقوة احتلال للحفاظ على كرسيها الهش، وسرقت البلاد والعباد، نقول: لقد أطلقنا على هذا كله اسم الوسخ التاريخي ولم يخطر على بالنا أن يكون لهذا الوسخ التاريخي مثقفه الواضح والصريح.

ومثقف الوسخ التاريخي هذا لا هو بالمثقف التقليدي ولا هو بالمثقف غير الملتزم ولا هو بالمثقف اللاأخلاقي… بل هو نمط من المثقفين الذين لا مثيل لهم في تاريخ الثقافة.

إن مثقف الوسخ التاريخي المدافع عن أحط الممارسات المعادية للإنسان والملوث لسانه وقلمه بدماء السوريين وصل إلى أعلى درجات الانحطاط الأخلاقي الذي ما كان بمقدور أحد أن يتصوره.

ومثقف الوسخ التاريخي السوري، ومن هو في حكمه من الفلسطينيين ومن هو على شاكلته من العرب، لم يخن ما يجب أن يكون عليه المثقف من حيث ماهيته مدافعًا عن الحق والحقيقة وقيم الكائن الإنساني ووجوده الحر فحسب، بل خان صورة المثقف النقيض الذي لم يتخيل أحدٌ أن يصل به الأمر إلى هذا المستوى من الانحطاط الأخلاقي، ولهذا فإن مثقف الوسخ التاريخي ظاهرة فريدة في صور المثقف غير معهودة.

لا يصدر مثقف الوسخ التاريخ في قوله عن جهل في حقيقة الوسخ التاريخي، لأن وضوح الوسخ التاريخي في التجربة والممارسة أصعب من أن يخفى على أحد، فهو على معرفة تامة بالوسخ التاريخي وقرر الانتماء إليه، ولهذا فهو، عندما يقدم خطابه مدافعًا عن الوسخ التاريخي مختبئًا وراء شعارات أثيرة لدى بعض البشر، يدرك بأنه يكذب على نفسه ويكذب على الآخر.

ومن الطبيعي أن يرتعد مثقف الوسخ التاريخي من مثقف الحرية والحياة والحق؛ فيخف لمواجهته متوسلًا لغة الشتائم الرعاعية وأخلاق التحوت، لأن وضوح انتمائه للوسخ التاريخي لا يسمح له بممارسة نقد نصٍ نقيضه.

أجل مثقف الوسخ التاريخي لسان وقلم ملطخان بالدم بالسوري.