شيخ الإسلام أم شيخ التكفير؟

“لن تبلغَ من الدين شيئًا حتى توقرَ جميعَ الخلائق”

“مُحي الدين ابن عربي”

 

أوّلًا – عرض فتوى تكفير النصيرية / العلويين   

الفتوى طويلة -نسبيًا- إنها نحو خمسة عشر صفحة كما هي مُدوّنة في كتاب) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية – جمع وإعداد عبد الرحمن العاصيمي- المجلّد 35(، وسنعرض هنا لأكثر الفقرات خطورة فيها:

أ – “هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الْمُسَمَّوْنَ بالنصيرية هُمْ وَسَائِرُ أَصْنَافِ الْقَرَامِطَةِ الْبَاطِنِيَّةِ أَكْفَرُ مِنْ اليهود وَالنَّصَارَى; بَلْ وَأَكْفَرُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَضَرَرُهُمْ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَعْظَمُ مِنْ ضَرَرِ الْكُفَّارِ الْمُحَارِبِينَ مِثْلَ كُفَّارِ التَّتَارِ والفرنج وَغَيْرِهِمْ. وقد اتفق علماء المسلمين على أن هؤلاء لا تجوز مناكحتهم، ولا يجوز أن ينكح الرجل مولاته منهم، ولا يتزوج منهم امرأة، ولا تباح ذبائحهم… وأما أوانيهم وملابسهم فإنها كأواني المجوس وملابس المجوس، على ما عرف من مذاهب الأئمة. والصحيح في ذلك أن أوانيهم لا تستعمل إلا بعد غسلها… ولاريب أن جهاد هؤلاء وإقامة الحدود عليهم من أعظم الطاعات وأكبر الواجبات، وهو أفضل من جهاد من لا يقاتل المسلمين من المشركين وأهل الكتاب، فإن جهاد هؤلاء من جنس جهاد المرتدين”[1] انتهى الاقتباس.

ب – عاش ابن تيمية في مرحلة صراع وفوضى سياسية، في ظروف غزو العالم العربي الإسلامي من قبل الفرنجة (الصليبين) والمغول، حيث لعب ابن تيمية دورًا مهمًّا في التحريض على قتالهم، وشارك في معركة مرج الصُفر 1303م، حيث انتصر فيها المماليك المسلمون على المغول. أصدر ابن تيمية فتواه الأشهر في تكفير طوائف إسلامية بعينها كالنصيرية والإسماعيلية والدروز والصوفيّة، في ظروف الصراع والمواقف السياسية لغالب تلك الطوائف آنذاك، حيث تعرض فتوى ابن تيمية لموقف سياسي من الغزاة الفرنجة (الصليبين) والمغول:

“وَمِنْ الْمَعْلُومِ عِنْدَنَا أَنَّ السَّوَاحِلَ الشَّامِيَّةَ إنَّمَا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا النَّصَارَى مِنْ جِهَتِهِمْ، وَهُمْ دَائِمًا مَعَ كُلِّ عَدُوٍّ لِلْمُسْلِمِينَ; فَهُمْ مَعَ النَّصَارَى عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَمِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ عِنْدَهُمْ فَتْحُ الْمُسْلِمِينَ لِلسَّوَاحِلِ وَانْقِهَارُ النَّصَارَى; بَلْ وَمِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ عِنْدَهُمْ انْتِصَارُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى التَّتَارِ. وَمِنْ أَعْظَمِ أَعْيَادِهِمْ إذَا اسْتَوْلَى -وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تعالى- النَّصَارَى عَلَى ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ… وأما استخدام مثل هؤلاء في ثغور المسلمين أو حصونهم أو جندهم فإنه من الكبائر. وهو بمنزلة من يستخدم الذئاب لرعي الغنم، فإنهم من أغش الناس للمسلمين ولولاة أمورهم، وهم أحرص الناس على فساد المملكة والدولة”[2] انتهى الاقتباس.

ت – يستند ابن تيمية في فتوى تكفيرهم وقتلهم أعلاه، إلى حجج عقائدية فئوية، واختلاف الإيمان الديني لديهم عن إيمان المسلمين السنّة وإيمان ابن تيمية نفسهُ، وسنعرض لأهمّ هذه الحجج، كما وردت في متن الفتوى:

“يَتَظَاهَرُونَ عِنْدَ جُهَّالِ الْمُسْلِمِينَ بِالتَّشَيُّعِ وَمُوَالَاةِ أَهْلِ الْبَيْتِ، وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِرَسُولِهِ وَلَا بِكِتَابِهِ وَلَا بِأَمْرِ وَلَا نَهْيٍ وَلَا ثَوَابٍ وَلَا عِقَابٍ وَلَا جَنَّةٍ وَلَا نَارٍ وَلَا بِأَحَدِ مِنْ الْمُرْسَلِينَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَلَا بِمِلَّةِ مِنْ الْمِلَلِ السَّالِفَةِ بَلْ يَأْخُذُونَ كَلَامَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَتَأَوَّلُونَهُ عَلَى أُمُورٍ يَفْتَرُونَهَا ; يَدَّعُونَ أَنَّهَا عِلْمُ الْبَاطِنِ”[3] انتهى الاقتباس.

ثانيًا – الحكم على مصالح الفتوى بمرجعيّة عامة الناس:

أ – المقصود بمرجعيّة عامة الناس هو ما يحكم به، ما يقبله أو يرفضه عامة الناس عبر العصور والمجتمعات والعقائد، ما يقبله عامة الناس لأنفسهم، ما لم يعقهم عن ذلك عائق أو حجاب.

ب – الحكم هو نفسه بغضّ النظر عن اسم ومُسمّى الفئوية العقائدية، فالحكم هو نفسهُ على مصالح نصوص من قبيل (هؤلاء القوم المُسمّون بالمسلمين السنّة أو المسلمين السلفيين.. أعظم من ضرر الكفار المُحاربين) أومن قبيل (هؤلاء القوم المُسمّون بالمسيحيين.. أعظم من ضرر الكفار المُحاربين) أو (هؤلاء القوم المُسمّون بالملحدين أو اللا أدريين.. أعظم ضررًا من الكفار المحاربين).. إلخ.

ت – إنّ الكينونة الاجتماعية العقائدية -وضمنًا أي كائن- وفقًا لنظرية المنطق الحيوي ليست بجوهر ثابت، بل هي شكل يتشكّل في أشكال مختلفة ربطًا بالسياق والظروف وبصلاحيات مختلفة، ولا يوجد كينونات اجتماعية عقائدية مختلفة جوهرانيًا عن غيرها، أي لا يوجد فروقات جوهرانية ما بين “النصيرية.. والقرامطة الباطنية.. واليهود والنصارى.. والمؤمنين المسلمين والمشركين والكفار” من جهة كونها جميعًا فئويات عقائدية متعددة للكينونة الاجتماعية الإنسانية، فكلها أديان يدين بها الإنسان بينه وبين نفسه، تقوم على الإيمان بالغيب وتعرض لأشكال أيديولوجية معرفية أخلاقية جمالية أكثر أو أقل حيوية.

ث – المصالح المعروضة في فتوى ابن تيمية وما يعادلها من فتاوى، تختزل الكينونة الاجتماعية في بعدها العقائدي فحسب، وهي تهمل بقية أبعاد الكينونة الاجتماعية كالبعد الاقتصادي والسياسي والديموغرافي، وتفاعلها المتبادل مع البعد العقائدي (الديني).

ج – إنّ مصالح الضرر ليستْ حكرًا على فئوية عقائدية واحدة دون غيرها، فكل عقيدة دينية تتحوّى الضرر والنفع بمصالح وصلاحيات نسبية ومختلفة، المصالح المعروضة في الفتوى تنفي إلزام أولوية الحياة عن (النصيرية والقرامطة الباطنية) لسبب الانتماء العقائدي بما يبرر قتلهم والتعامل معهم على قدم المساواة مع المعتدين والمحاربين. المصالح المعروضة كذلك تنفي إلزام أولوية العدل بين الناس وعدم التمييز على أساس عقائدي. المصالح المعروضة تنفي كذلك إلزام أولوية الحرية، وضمنا حرية الإنسان في الإيمان أو الكفر أو الاعتقاد بما يشمل طريقة (النصيرية والقرامطة الباطنية) في الاعتقاد.

ح – يتراوح الحكم على مصالح فتوى ابن تيمية ما بين الصراع والعزلة، الحكم بالصراع: كون المصالح المعروضة إشكالية بمرجعيّة عامة الناس، لاحظ الانغلاق والتوتر المرتفع في (أكفر- بل وأكفر من كثير -وضررهم- أعظم من ضرر – المحاربين) مصالح صراعية مع كل الناس من غير فئوية (المؤمنين على طريقة أمّة محمد عليه السلام).

جاء الحكم بالعزلة كون المصالح المعروضة تتحوّى مرجعية عقدية فئوية خاصة بالمسلمين (بالمؤمنين على طريقة أمّة محمد عليه السلام) والموالين لمصالح (شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله).

خ – قرينة ادعاء وجود جوهر ثابت أحادي البعد شرير (للنصيرية والقرامطة الباطنية) وكذلك وجود جوهر ثابت أحادي البعد خيِّر (للمؤمنين على طريقة أمّة محمد عليه السلام) بما يتنافى مع إلزام أولوية الحياة والعدل والحرية.

د – قرينة وجود مصالح اختصاصية في العقائد والعقائد السياسية لا تعرض معايرها، فعامة الناس عبر العصور لا نتوقّع معرفتهم بالشام وبابن تيمية أو النصيريّة واليهود والمشركين أو مصطلح (الكفّار المحاربين) مثلًا؟  ثمّ ما هو معيار الكفر؟ وما هو معيار الضرر؟ بما يتوافق مع مرجعيّة عامة الناس عبر العصور والمجتمعات؟!

ذ – على الرغم من أنّ المصالح المعروضة اختصاصية، ولكنّ الحكم عليها لا يتطلّب بالضرورة معرفة اختصاصية.. بالعقائد، والعقائد السياسية… فالحكم هو على السياق المنطقي للمصالح وليس على المعلومة الاختصاصية التي تعرضها الفتوى بذاتها.

ثالثًا – الحكم على مصالح الفتوى بمرجعية أهل الاختصاص:

الكاتب يعتبر نفسه -على شرطه- من عامّة أهل الاختصاص في السياسة، والتاريخ العربي الإسلامي والعقائد الدينية، وانطلاق من ذلك يقبل ويؤكد على شرط خبرته ما يلي:

أ – حُكم (الكفار المحاربين) المُشار إليهم في متن الفتوى هو القتل، حيث يميّز الفقه الإسلامي السني التقليدي بين أربعة أنواع لمن يصنّفهم بالكفّار، حيث جاء في الموسوعة الفقهية (42/ 198) “اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ دَمَ الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ – وَهُوَ غَيْرُ الذِّمِّيِّ وَالْمُعَاهَدِ وَالْمُؤَمَّنِ – مُهْدَرٌ، فَإِنْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ فَلاَ تَبِعَةَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مُقَاتِلًا، أَمَّا إِذَا كَانَ الْكَافِرُ الْحَرْبِيُّ غَيْرَ مُقَاتِلٍ كَالنِّسَاءِ والصِّبْيَانِ وَالْعَجَزَةِ وَالرُّهْبَانِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَيْسُوا أَهْلًا لِلْقِتَال أَوْ لِتَدْبِيرِهَا فَلاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَيُعَزَّرُ قَاتِلُهُ، إِلاَّ إِذَا اشْتَرَكَ فِي حَرْبٍ ضِدَّ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَعَانَهُمْ بِرَأْيٍ أَوْ تَدْبِيرٍ أَوْ تَحْرِيضٍ، لِحَدِيثِ: لاَ تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا وَلاَ طِفْلًا صَغِيرًا وَلاَ امْرَأَةً وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَأْنِ امْرَأَةٍ وُجِدَتْ مَقْتُولَةً: “مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِل”[4].

ب – ابن تيمية (661هـ/1263م – 728هـ/1328م) هو رجل دين وفقيه مسلم، من رموز السلفية الإسلامية السنّية تاريخيًا، ربط قيام الدين بالإمارة وعقيدة الجهاد، توسع في باب التكفير للمخالفين، واشتهر بفتاواه التكفيرية ضد المسلمين [5] وجدتْ أفكاره صدى واسعًا في دعوة محمد بن عبد الوهاب (1703م – 1791م) وفي حركات الإسلام السياسي والسلفية الجهادية التي ظهرت في القرن العشرين، وقد استخدِمت فتاوى ابن تيمية أيضًا ووُظّفتْ سياسيًا في الصراع الإقليمي ضد النظام السوري والنظام الإيراني عقب ثورة الخميني1979.

ت – الحجج التي تعرضها فتوى ابن تيمية لتكفير الطوائف المذكورة وقتالهم، ذات طبيعة مزدوجة عقائدية سياسية معًا، وقد عرضنا لها أعلاهُ.

ث – لنتذكّر بأنّ العلمانية، بمعنى الفصل الشامل أو الإجرائي بين الديني والسياسي هو تقليد وتقنية سياسية حديثة نسبيًا، ظهرت إبان عصر التنوير الأوروبي؛ لقد كانت مشروعيّة الحكم عالميًا في ذلك العصر تقوم على العصبية الدينية أو القبلية بشكل عام.

ج – ينبغي فهم فتوى ابن تيمية في سياقاتها التاريخية، وكجزء من الصراع العقائدي السياسي بين الفرق والمذاهب الإسلامية. جاءت فرق الإسماعيلية والدرزية والنصيرية بمنزلة انشقاقات عن الإسلام الشيعي، حيث نجد فيها تأثيرات صوفية فلسفية، ونجد حضورًا أقلّ للجانب الطقوسي والشعائر مقارنة بالإسلام السنّي أو الإسلام الشيعي الاثنى عشري، وإنّ تاريخ الفرق الإسلامية عمومًا حافل بتحريف مُعتقدات الآخرين وفتاوى التكفير والتكفير المضاد، حيث نجد على سبيل المثال فتاوى للشيعة الاثنى عشرية في ذمّ وتكفير (النصيرية) حيث يورد المجلسي المتوفي 1037 للهجرة مثلًا في كتابه بحار الأنوار “فالشرذمة النصيرية ينتمون إلى رجل اسمه محمد بن نصير النميري البصري، وهم قوم إباحية تركوا العبادات والشرعيات واستحلت المنهيات والمحرمات”[6] وليس المسلمون استثناء في ذلك عن بقية العقائد الدينية أو اللادينية، فالانشقاقات العقائدية والصراعات البينية نجدها أيضًا في المسيحية واليهودية.. وحتّى العقائد اللادينية كالماركسية مثلًا، بما قد يصل إلى درجة التخوين والقتل، وعادة ما تكون الصراعات البينية ضمن العقيدة الواحدة أكثر عنفًا من صراع العقيدة الواحدة مع غيرها.

ح – لا يوجد جوهر واحد ثابت لأي عقيدة دينية، فالإسلام السنّي أو الإسلام الشيعي يعرض أشكالًا مختلفة أكثر أو أقل حيوية، أكثر أو أقل توسعًا في مسألة التكفير وإقصاء الآخر المختلف عقائديًا، وإن إشارتنا أعلاهُ إلى فتوى ابن تيمية في تكفير وقتل النصيرية العلويين مثلًا، فهذا لا يلغي أو يمنع وجود أشكال ترفض ذلك، أو تمتنع عن حكم تكفير الآخر بكلّ أشكاله.

خ – قدَّمتْ الثورة/ الحرب السورية في آذار/ مارس2011 إشارات مُهمَّة حول هشاشيّه الوطنية السورية، في مقابل انبعاث الولاءات ما قبل الوطنية، وتحوّلت الثورة السورية إلى ما يشبه حربًا أهليّة وصراعًا طائفيًا مفتوحًا. لم يستطع التاريخ المشترك للسوريين -لما يقارب القرن- من إنتاج وطنية (هوية) سورية قادرة عن منافسة الهوية العربية الإسلامية، أو حتّى الهويات الفئوية الطائفية والمناطقيّة والعرقيّة، هذه الهويّات التي لعب النظام الاستبدادي دورًا مهمًا في تقويتها، لكونه لم يشتغل على تعزيز الوطنية السورية، بل قام بتمويهها مستخدمًا الأيديولوجيا القومية العربية، مع الاستناد إلى شكل ولاء جوهراني فئوي طائفي، وقد لعبتْ المُعارضات الجوهرانية البائسة، والإسلامية منها بشكل خاص، دورًا مكمِّلًا ومساعدًا له على ذلك.

د – النظام السوري -في عهد الأسدين- هو نظام استبدادي أحادي شمولي، يقوم على شبكة ولاءات متعددة، ويعتمد على ولاء طائفي مهم، حيث استخدم النظام السوري العلويّة كعصبية سياسية سلطوية -بالمعنى الخلدوني- لغرض الاحتفاظ بالسلطة والهيمنة على مقدّرات البلد، ومن نافل القول أنّ هكذا استخدام للطائفية، ما كان ليحدث ويستمر في ظل وجود وعي سياسي وطني ديمقراطي علماني عند السّوريين. من جهة أخرى، إنّ الثوار والمعارضين السوريين كثيرًا ما يُغَلِّبون البعد العقائدي الديني على البعد الوطني في صراعهم مع السلطة، ويطرحون لوطنية عقائدية سنّية تتنافى مُقَدِّمَاتُها مع مشروع الدولة الوطنية الديمقراطية، دولة المواطنة المتساوية.

ذ لم تُظهر وقائع وسيرة (الثورة/ الحرب السورية) توحّدًا وتضامنًا كاف -عابرًا للدين والقومية- بين أبناء الشعب السوري في مواجهة السلطة السورية، فقد كشفت النقاب عن شروخ عميقة داخل الشعب السوري نفسهُ، لأسباب متعددة ثقافية وتاريخية تتعلق بنشأة الكيان السياسي السوري نفسه وكذلك بسبب الطبيعة الاستبدادية الأحادية للنظام السياسي السوري، وعدم الاشتغال على سياسات اندماج وطني وعدالة اجتماعية، فالشعب السوري إّذن يتشكّل من شعوب سورية تتشابه في كونها سورية وتختلف في عقائدها وقومياتها. من دون أن يعني ذلك وجود جوهر قومي أو عقائدي خاص بأي عقيدة أو قومية أو شعب.

ر – لم تبق فتوى ابن تيمية في تكفير النصيرية/ العلويين حبيسة الكتب الصفراء وكحدث تاريخي فقط، ولكن قامت جماعات الإسلام السياسي السنّي في سورية باستحضار واستخدام فتوى ابن تيمية بتكفير وقتل النصيرية/ العلويين في صراعها السياسي مع النظام السوري في عهد حافظ الأسد ووريثه بشار الأسد، حيث تنتمي عائلة الأسد إلى الفئوية العقائدية العلوية. حدث ذلك في صراع النظام السوري مع الطليعة الإخوانية المقاتلة أواخر السبعينات وبداية ثمانينات القرن الماضي، وحدث ذلك مع تعزيز دور قوى السلفية الجهادية وزيادة حضورها في مجريات الثورة/ الحرب السورية، ومحاولتها تجييش المجتمعات السورية والعربية السنّية في صراعها من السلطة السورية وحلفائها من المليشيات السلفية الشيعية، ونظام ولاية الفقيه في إيران. حيث ورد في البيان الثالث لما يُسمى برابطة علماء المسلمين في حزيران/ يونيو 2011 والمعنون بـ (الواجب على المسلمين نحو القضية السورية) ما يلي “صدق شيخ الإسلام وعالم الشام ابن تيمية رحمه الله حيث قال (هؤلاء القوم المسمون بالنصيريّة هم وسائر أصناف القرامطة الباطنية أكفر من اليهود والنصارى، بل وأكفر من كثير من المشركين، وضررهم على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من ضرر الكفار المحاربين).. وإننا إذ ندين هذا الإجرام والاعتداء على الأبرياء من إخواننا وأهلينا وعامة الشعب السوري، نوضح أن الحزب الحاكم حزب نصيري علوي بعثي كافر، أسفر عن حقيقته في حقده وفساد معتقده يوم طالب الشعب السوري بأدنى حقوقه التي كفلها له الإسلام، ولقد اتضح ظلم هذه الحكومة وإجرامها في حق هذا الشعب الأعزل”[7].

ز – لا يوجد فئوية عقائدية دينية أو قومية أو مناطقية كلها ضرر، أو كلها فائدة، والتاريخ السوري الحديث مثلًا يؤكد وجود قوى حيوّية ضمن “الطائفة النصيريّة/ العلوية” ذات توجه توحيدي تاريخيًا على سبيل المثال في حالة صالح العلي وثورته ضد الاستعمار الفرنسي ورفضه عرضًا بإقامة دولة منفصلة للعلويين، وكذلك نجد شخصيات تنتمي لأصول نصيرية/ علوية مُعارضة لما تطلق عليه المصالح المعروضة بـ “الحزب الحاكم حزب نصيري علوي بعثي كافر” على سبيل المثال عارف دليلة، عبد العزيز الخير و حبيب عيسى ومنير شحود وغيرهم كثير من المثقفين السوريين… فوجه منافاة المصالح المعروضة لبرهان الحدوث يتأتّى من التعميم، وتجريم طائفة دينية بأكملها، وليس تجريم أفراد بعينهم ارتكبوا جرائم  بحق السوريين والمدنيين الأبرياء مثلًا.

س – قرائن اضطراب برهان حدوث مصالح (شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى) واضطراب برهان حدوث ما تعرضهُ فتوى ابن تيمية من أحداث تاريخية، واضطراب تفسيراتها السياسية، حيثُ إنّها مصالح ظنّية الحدوث، لا يمكن التحقق منها يقينا بمعايير علم التاريخ، كغالب أحداث التاريخ البشري. و “نصّ الفتوى بخصوص تكفير العلويين يوضح مدى جهل صاحب الفتوى بالفرق بين العلويين والرافضة والقرامطة، مما يدل على أن الفتوى عامة تشمل كل الفرق (الضالة). النسخة الثانية من الفتوى والمنسوبة لابن تيمية تخلط بين العلويين والدروز والنسخة الثالثة استخدِمت لإنتاج تبرير ديني لحملة عام 1318 م، وهي تشبه الفتاوى التي استخدمت في تبرير حملة كسروان”[8] وليس هنا موضع تفصيل في ذلك ولا يغير من الحكم على مصالح الفتوى.

ش – قرائن نفي وجود جوهر عقائدي ديني ثابت، حيث إنّ العقيدة هي شكل حركي احتمالي احتوائي نسبي، وليست بجوهر ثابت حتمي مطلق، بما يشمل أي عقيدة كانت، حيث تعرض الفتوى لمصالح جوهر نصيري ثابت وشرير، جوهر نجد تعبيراته في الأسباب والحجج العقائدية الدينية التي تعرضها فتوى ابن تيمية في تكفير ومحاربة النصيرية/ العلويين. جوهر نجد تعبيراته في الاسباب التي يسوقها أيضًا (البيان الثالث من رابطة علماء المسلمين: الواجب على المسلمين نحو القضية السورية) في تصديقه لفتوى ابن تيمية، وفي مصالح من قبيل (الحزب الحاكم حزب نصيري علوي بعثي كافر، أسفر عن حقيقته في حقده وفساد معتقده يوم طالب الشعب السوري بأدنى حقوقه التي كفلها له الإسلام)، في الواقع الحزب الحاكم مستبدّ وظالم، ولكنّ ليس لكونه كافر أو بعثي أو نصيري علوي! حيث يوجد الكثير من الناس (الكفار والبعثيين والعلويين) ليسوا بمستبدّين أو ظالمين! وبالمقابل يوجد الكثير من الناس (المؤمنين والمسلمين السنة والسلفيين..) ليسوا بمستبدّين أو ظالمين!

ص – قرائن نفي إلزام أولوية الحياة، في التحريض وتبرير قتل الإنسان بناء على اختلاف الانتماء العقائدي (وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِرَسُولِهِ وَلَا بِكِتَابِهِ وَلَا بِأَمْرِ وَلَا نَهْيٍ وَلَا ثَوَابٍ) وتصنيفات من قبيل مؤمن/ كافر. لاحظ مصالح (أعظم من ضرر الكفار المحاربين)، ثمّ كيف يكون ضرر الإنسان الغير مُحارب -بغضّ النظر عن عقيدته- يساوي أو أشدّ ضررًا من الإنسان المُحارب؟!  فالأصل حفظ حق الحياة لكل البشر بغض النظر عن الانتماء العقائدي، وقيام أفراد -سواء أكانوا قليلًا أو كثيرًا- ينتمون إلى جماعة دينية أو قبلية أو عرقية.. الخ بالاعتداء على آخرين، يستوجب إدانة الأفراد المتورطين وليس كامل الجماعة.

ض – قرائن نفي إلزام أولوية العدل، حيث المسؤولية فردية، ولا تزر وازرة وزر أخرى، فكيف يتم إطلاق احكام خطيرة على مجتمعات وفئويات عقائدية بعينها، دونما تمييز! المصالح المعروضة في (بيان علماء المسلمين 2011) تستند إلى فتوى عمرها حوالي سبعة قرون فتوى بِنتُ ظرفها وشرطها، في تبرير قتل أناس ومجتمعات معاصرة!

ط – قرائن نفي إلزام أولوية الحرية، بما يشمل حرية الاعتقاد، حيث إنّ تصنيف الناس قيميًّا بناء على الانتماء العقائدي مع تبعات دنيوية، يتنافى مع إلزام أولوية الحرية، حيث إنّ الأصل في الدين الحرية، والدين هو ما يدين به الإنسان بينه وبين نفسه، والغالبية العظمى من الناس تكتسب عقيدتها من المجتمع والبيئة التي وُلدت وعاشتْ فيها.

ظ – ازدواجيّة معايير التكفير: إنّ تكفير فئوية دينية لفئوية دينية أخرى مناف للبرهان، بالاستناد إلى مرجعية عامّة الناس عبر العصور والمجتمعات، فالتكفير ينطق من “مرجعية عقائدية فئوية والمرجعية العقائدية الفئوية لا تلزم إلا من يواليها، وهي ليست عامة ومُلزمة منطقيًا لعموم الناس. إنّ التكفير -أيْ تكفير- يعرض لمرجعيّة جوهرانيّة ثابتة تحتكر الحقيقة وتقرّ ضمنًا بتفوقها على الآخرين ” الكافرين”، وهذا يتنافى مع البرهان الحيوي من حيث أن العقائد الدينية وغير الدينية لا تتفاضل إلا من حيث صلاحِهَا وصلاحيّتها، أي في مدى التزام وتأكيد المؤمنين بها على الفطرة الإنسانية في أولوية الحياة والحرية والعدل. لنلاحظ أنّ المصالح المعروضة لا تكتفي بتكفير جماعة دينية هم “النصيرية” بل تحرّض على محاربتهم وقتلهم فقط بناء على انتمائهم الديني لاحظ: “وضررهم على امة محمد صلى الله عليه وسلم أعظم من ضرر الكفار المحاربين” انتهى الاقتباس. ومعلوم عند أهل الاختصاص أنّ حكم الكفّار المحاربين بالاستناد لمرجعيّة العقد الفئوي الإسلامي السني (ابن تيمية): هو القتل. فكيف تساوي المصالح المعروضة بين محارب يقوم بفعل مادي عنيف ضد جماعة ما، وبين فرد يؤمن أو ينتمي للمذهب النصيري/ العلوي بما يشمل المُسالمين والمُحاربين؟

ع – قرائن ازدواجية معايير، فالشخص الذي يبرّر التمييز أو قتل إنسان فقط لكونه (نصيري أو كافر أو يهودي أو مشرك) بالتأكيد سوف يرفضُ التمييز ضده أو قتله فقط لكونه (مسلم أو وهابي أو تكفيري أو ناصبي أو مقصّر..) كما يمكن أن يصفهُ آخرين.

غ – في الحاضر السياسي السوري، تم استخدام فتوى ابن تيمية -مضى عليها أكثر من سبعة قرون- لاستعادة مصالح عصر مضى، وذلك من قبل تيارات الإسلام السياسي السنّي لتكفير السلطة السورية باعتبارها سلطة (نصيرية كافرة) وكذلك ضمنيّا تم استخدام فزّاعة ابن تيمية من قبل السلطة السورية نفسها لتخويف المجتمعات السورية العلوية.. وتصوير المجتمعات السورية السنّية الثائرة عليها وكأنهم أحفاد ابن تيمية واستمرارًا لمنطق فتوى ابن تيمية.

ل – المرجعية المُستخدمة في المقاربة السابقة هي مرجعيّة المنطق الحيوي، دونما عرض لنماذج ومصطلحات القياس الحيوي تفصيلًا، بغية تحقيق تواصل أسهل وأوسع مع القارئ، وللاطلاع يمكن مراجعة (الأيديولوجيا الحيوية، رائق النقري 1970 -المنطق الحيوي عقل العقل، رائق النقري 1987- أضاحي منطق الجوهر، حمزة رستناوي 2009- في البحث عن منطق الحياة، حمزة رستناوي 2017″.

ك – المقاربة النقدية السابقة تخصّ فتوى ابن تيمية في تكفير النصيرية/ العلويين، ولا تنسحب على كامل أعمال وكتابات أحمد ابن تيمية، فالمقاربة تخصّ مصالح الرسالة وليس المُرسل.

الهوامش

[1] مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه، جمع عبد الرحمن العاصيمي، المجلد 35، الطبعة الأولى 1398 هجري، مطابع دار العربية، بيروت، الصفحات 145-160.

[2] مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه، نفس المرجع.

[3] مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيميه، نفس المرجع.

[4] الموسوعة الفقهية، وزارة الاوقاف والشؤون الإسلامية، ط1 2004، ج42، مادة الكافر الحربي، ص 198.

[5] ابن تيمية و428 فتوى بعنوان: (يستتاب وإلا قتل)، محمد حبش، موقع السوري الجديد، الرابط:

https://www.newsyrian.net/ar/content

[6] بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار.، محمد باقر المجلسي، دار الرضى للطباعة والنشر، بيروت، م25/ ص285 -286.

[7] البيان الثالث من رابطة علماء المسلمين موقع المسلم الالكتروني: 10-8-1432 ، الموافق 11-7-2011، الرابط:

http://www.almoslim.net/node/149506

[8] تاريخ العلويين: من حلب القرون الوسطى إلى الجمهورية التركية، ستيفان وينتر، ترجمة أحمد نظير الأتاسي، موقع معهد العالم للدراسات، تاريخ 27- ابريل 2017، الرابط: alaalam.org/ar/society-and-culture-ar

وسوم: تاريخ العلويين, أضاحي منطق الجوهر, ابن تيمية