العودة إلى الانقلاب الأول

إن التغييرات التي طرأت على النظام الدولي في فترة ما بين الحربين العالميتين، وما بعدها، أرخت بظلالها على جميع الدول والمجتمعات في العالم كله. وهذه التغييرات فرضتها الحرب وتطور قوى ووسائل الإنتاج. بمعنى أن ن هذا التطور موضوعي، صاحبته تغييرات جذرية وسريعة في المجال السياسي والاجتماعي والفكري والاقتصادي والأخلاقي. وفي الممارسة السياسية.

في الانحناءات التاريخية الخطرة، كالحروب والثورات والكوارث، تقفز من أسفل معادلات الحياة قوى سياسية دنيئة، قذرة، براغماتية بامتياز، وصولية، تقبض على الثروة والسلطة، وتحرف حركة التاريخ وتحوله لمصلحتها. هذا ما نراه في أكثر من مكان، وعبر التاريخ البشري عامة، وفي البلدان الصغيرة والعاجزة خاصة.

هناك نماذج كثيرة في العالم يتناولها هذا الموضوع، بيد أن ما يهمنا، العرب عامة، والسوريين خاصة، هو وضع بلادنا بعد الحرب والاستقلال، والانقلاب الذي أوصل الزعيم حسني الزعيم، قائد الجيش إلى قمة الهرم السياسي في سورية.

هذا الرجل قاد أول انقلاب عسكري في سورية، ويعدّ الأول في العالم العربي أيضًا، وذلك في 30 آذار/ مارس العام 1949، أي: في النصف الأول من القرن العشرين.

التحق الزعيم -بداية حياته- بالأكاديمية العسكرية العثمانية في إسطنبول. وفي عام 1921 انضم إلى الجيش الفرنسي، وتلقى تدريباته العسكرية في فرنسا. وترقى في المناصب إلى أن دخل الألمان باريس عام 1941 وبقي على ولائه لها، وقاتل في صفوف حكومتها، حكومة فيشي، ثم طُرد منها بعد وصول ديغول إلى قيادة حكومة فرنسا الحرة. وبسبب هذا الولاء سُجن وطُرد من الجيش، بيد أن الرئيس القوتلي أطلق سراحه وأعاده إلى الجيش.

لقد لعبت الأقدار في وصول هذا الضابط إلى مواقع حساسة في الجيش من خلال صلته بالصحافي نذير فنصة، عديله، الذي قدمه وزكاه للرئيس شكري القوتلي.

إن موقعه، قائدًا للجيش، مكنه من الوصول إلى قمة الهرم السياسي في سورية، بعد إطاحته الرئيس القوتلي، من دون وازع من ضمير، أو احترام للوطن والدولة والمجتمع. نستطيع القول إنه سطا على الدولة، كأي لص يسطو على بنك.

إن الإحساس بالدونية، ونكران الجميل والخبث المبطن وعشق السلطة، ومحاولة الوصول إليها مهما كان الثمن، هي من الصفات المشتركة لأغلب الديكتاتوريين في العالم. إن عشاق السلطة نرجسيون، مرضى بحب ذواتهم.

إنهم كائنات هلامية، منفصلة عن الواقع، بيد أنهم فاعلون سلبيون فيه. يحلقون من خلال القبض على السلطة مع ذواتهم في فضاء عشق الذات للذات، بعيدًا عن الأرض والمجتمع وحركته وارتقاءه أو نزوله.

إن الدكتاتور كائن مسخ، يعشعش الخراب في ذاته؛ فينثره في فضاء المكان ليحوله على مقاسه.

حكم الزعيم بلدنا سورية نحو مئة وسبعة وثلاثين يومًا. بيد أن هذا الانقلاب السريع خرب البناء السياسي الناشئ في أثر الاستقلال عن الاستعمار الفرنسي، ومزق التراتبية الاجتماعية، والقوى التقليدية المستقرة، والبناء الاجتماعي التقليدي. وفتح المجال أو الباب لدخول تيارات وقوى اجتماعية ناشئة؛ للوصول إلى الثروة والسلطة والنفوذ. والارتقاء إلى المكانة من خلال الدولة والعمل السياسي.

هذا الزلزال السياسي ضعضع كل البنى وهز الدولة والمجتمع، وترك آثاره فينا سبعة عقود ونيف، وما زال.

من نافل القول، أن المجتمعات المحافظة أو ذات الصبغة التقليدية، ذات المعطى التاريخي شديد التمركز حول الذات، ومن دون إعلان الحرب، تسحق الاستقلال الذاتي لأي واقع اجتماعي جديد، مهما كان صادمًا. ويعلن ذلك في صورة اندماج أو تضامن فوقي، يقرره بناء فوقي، السلطة، قسرًا؛ لتعزيز أو فرز أو فرض اصطفافات على مقاسها. وغرس قيمها عبر ضغوط قاهرة، وملزمة للجميع، أن يبقوا ضمن التيار العام.

مما لا شك فيه، أن الإرغام أو حرق المراحل التي يفعلها الانقلاب، يترك آثار سلبية على الدولة والمجتمع، وعلى كل المستويات ولمدد زمنية طويلة. على عكس البناء بالراحة، في ظل النظام الديمقراطي وصيرورة المجتمع الطبيعية الذي يفرز واقع جديد، متقدم، ويرغم القوى التقليدية على التغيير والارتقاء. وتتحسن الشروط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للناس عبر انتخابات حرة، وتعوم كتل اجتماعية جديدة مهما تأخر الزمن عبر ممثليها عبر لائحة انتخابية والعمل لتطوير القوانين والأنظمة تحت قبة الدستور الجامع لجميع المواطنين.

إن ما فعله حسني الزعيم كارثة سياسية، دفع ثمنها شعبنا في سورية. ولم نستفق من هولها إلى اليوم. وانتقل بلدنا من اضطراب إلى آخر، ومن هزيمة ساحقة -في جميع المستويات- إلى أخرى، إلى أن فرش الاستبداد السياسي والأمني نفسه على مناحي الحياة المختلفة ومهد الطريق للفوضى السياسية، في ظل غياب أي حوار وطني حقيقي. واستبدال الاستقرار السياسي بالاستقرار الأمني، وتحويل الإنسان في وطننا إلى كائن هش فحسب، هامشي لا حول له ولا قوة.

إن وجود حسني الزعيم في قمة الهرم السياسي، حول سورية إلى حصان مريض، لا يستطيع السير سيرًا طبيعيًا، ولا الخروج من أزمته السياسية.

وأدخل بلدنا في عنق الزجاجة، وتتالت الأزمات الواحدة تلو الأخرى. ويومًا وراء آخر، تعمقت أكثر إلى أن وصلنا إلى دمار سورية.

كان الزعيم رجل أحمق، يفتقر إلى المرونة، وإلى المعرفة السياسية والعمق السياسي والوعي السياسي، مثل أغلب الديكتاتوريين الذين لا يفهمون إلا بلغة القوة والتسلط.

وتشير المصادر أن الزعيم: متكبر، متعجرف، يفرض قوانينه وقرارته على الدولة والمجتمع دون مرجعية.

السلطة وحش قاتل، تتعرش السياسة، وتقبض على مفاصل الحياة كلها. نستطيع أن نعتربها طاحونة بمسننات حادة، أو بناء منفصل عن مصالح المجتمع، فاعل قاسي لا يحتمل المزاح أو السخرية أو اللعب.

يمكن ضبط السلطة التنفيذية، هذا الوحش، بالقانون. وعدا ذلك يمكنها حرق كل من يقف في طريقها.

والمستبد الذي يهيمن ويسيطر على جميع القرارات السيادية يمكنه تحويل المجتمع إلى قطعة قماش على مقاسه. يدخل في ذلك مزاجه، مصلحته الشخصية والضيقة، طموحه في “البروزة” والاستعراض.

إن عطش حسني الزعيم للسلطة، وصوله إلى الموقع الأول في الدولة والمجتمع كان الدافع الأول للانقلاب. وما إن وصل إليها، أحدث خلل عميق في الداخل السوري وفي الواقع العربي، والعلاقات العربية- العربية.

لقد لعب على التناقضات والخلافات العربية العربية، ووقف إلى جانب طرف ضد طرف، وحرض هذه الأطراف أن تدخل في عداء مع سورية، وبعضها مع بعض. حيد إسرائيل، مثل أغلب الأنظمة العربية، عبر هدنة، وتفرغ لتأجيج الصراع العربي- العربي.

وقف إلى جانب السعودية ومصر، وهمش العلاقة مع الأردن والعراق. ولم يكتف بهذا فحسب، بل تحول إلى زعيم متفرد وحيد، يأمر وكأنه سلطان زمانه، يسجن ويضرب الناس ويهينهم، مثلما فعل بالخبازين حين جلدهم في وسط الشارع.

من يلعب بمنطق التاريخ، سياقه في حاضره، يعزله عن واقعه ويعيده إلى الماضي، سيتمرد الحاضر على الماضي، على الرغم من كل الاجهادات التي تقع عليه. وسيعمل التاريخ لقرف رقبة من يقف عثرة أمام حركته.

ملأ الزعيم، وطننا، كما يفعل أغلب الطغاة في التاريخ، وعبره، بالمخبرين والنفوس الضعيفة. وعطل الصحافة عبر قيود محكمة، ووضع المخالفين السياسيين سياسته الداخلية والخارجية في السجن.